الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: مشاعر المواطن في الجهد الحكومي

في العمق: مشاعر المواطن في الجهد الحكومي

د. رجب بن علي العويسي

في ظل حساسية ما يمر به العالم اليوم من اضطرابات سياسية وفكرية وأمنية، وتحديات اقتصادية ومالية أفرزتها جائحة كورونا (كوفيد19) لها انعكاسات على حياة المواطن واستقراره النفسي، وطبيعة تعايشه مع الظروف المعيشية التي باتت تلقي بظلالها على قناعاته وأفكاره حول نفسه والآخر وعالمه المحيط به والواقع الذي يعيشه، يأتي الطرح نحو أهمية أن تتجه الإرادة الحكومية (منظومة الجهاز الإداري للدولة) إلى إعادة مسار تعاملها مع المواطن في ظل تزايد الضغوطات وتكاثر العراقيل، بحيث تضع مشاعر المواطن وتوقعاته في واجهة العمل والإطار الذي تنطلق منه أي خطوات للإصلاح والتطوير، وأن يكون من بين مؤشرات نجاح هيكلة الأداء الحكومي قدرته على تحقيق التناغم مع أولويات المواطن واهتماماته، فيقرأها بعمق ويدرس تفاصيلها بوعي ويدير محاورها بمهنية، وينتج لها التشريعات والقوانين والقواعد الإدارية والتنظيمية ومعايير السلوك والضوابط والأسس التي تضمن تحققها في القرار الوزاري والتعميم الإداري.
وبالتالي ما يفرضه هذا التحدي من خيار البحث في مشاعر المواطن والوقوف على التساؤلات التي يطرحها في واقعه بحيادية ومهنية، كمدخل استراتيجي لإعادة هندسة التغيير ورسم خريطة إنجاز قادمة لتحقيق رؤية “عمان 2040″، انطلاقا من أن “شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني” وهو ما يؤكد أهمية تحقيق هذه التناغمية والتآلفية والانطلاقة منها وتجديدها وحفزها وصقلها بالممكنات النفسية والفكرية الإيجابية التي تصنع لها حضورا نوعيا في التعاطي مع الظروف والمتغيرات الحاصلة وإنتاج القوة فيها تعزيزا للثقة وتأصيلا للحوار المشترك ورغبة في سبيل بناء منظومة أداء وطنية تصنع الفارق، ذلك أن حساسية المرحلة هي نتاج لهذه التراكمات التي باتت تسيطر على حياة المواطن في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها والمستجدات الحاصلة في هذا الشأن، فالحديث عن ملفات الباحثين عن عمل والتوظيف والتشغيل والتسريح وسوق العمل الوطني، ناهيك عن التحولات المجتمعية الناتجة عن الظروف الاقتصادية وغلاء المعيشة مثل: حالات الطلاق والجريمة والجناة، والعلاقات الأسرية، وارتفاع معدلات القضايا المرفوعة للمحاكم المتعلقة بالإيجارات، والقضايا المدنية والجزائية والإدارية ما هي إلا نتاج لهذه التحديات والظروف الاقتصادية التي باتت تشكل هاجسا وطنيا يستدعي توفير منصات الاحتواء والرعاية والاهتمام للحد من تأثيرها السلبي على إنتاجية المواطن وأدائه وضمان قدرته على استدامة دوره الاستراتيجي في رؤية “عمان 2040″، وتبقى مسألة حضور مشاعر المواطن في الجهد الحكومي وعمل المؤسسات واستدراك ذلك في التوجهات الاقتصادية الساعية نحو تحقيق التوازنات وخفض الإنفاق، وعدم تداخل هذه الأوراق مع مسار الحياة المعيشية للمواطن أولوية يجب أن تُدرك، وخط أحمر ينبغي عدم السماح بتجاوزه من أيٍّ كان، تأكيدا لمبادئ النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (101/96) التي حفظت حقوق المواطن في العيش الكريم كما حفظت له حقه في الأمن والأمان والاستقرار، وما يعنيه ذلك من أن أي مراجعات في منظومة الأداء الإداري للدولة ذات العلاقة بحقوق المواطنين المعيشية والاقتصادية أو كل ما يمس حياتهم اليومية ينبغي أن تستوعب هذه الأحداث وتدرك تفاصيلها، وتعي موقع المواطن منها لتكون المعالجة المتحققة متناغمة مع المسؤوليات الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية للمؤسسات ودورها في ضمان استقرار حياة المواطن وتوفير سبل العيش الكريم له في كل شبر من أرض عمان الطيبة.
إن عُمان وهي تعيش مرحلة تحول جديدة في مسيرتها التنموية بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مرحلة حدد معالمها وأفصح عن أجندتها خطاب عمان المستقبل الذي تفضل به جلالته في الثالث والعشرين من فبراير 2020، حيث أشار فيه إلى أن “الانتقال بعمان إلى مستوى طموحاتكم وآمالكم في شتى المجالات، سيكون عنوان المرحلة القادمة بإذن الله، واضعين نُصب أعيننا المصلحة العليا للوطن، مسخرين له كافة أسباب الدعم والتمكين”. وقد تجسدت بعض ملامح هذا التحول في جملة المراسيم السلطانية السامية التي استهدفت إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، بما يحقق أولويات رؤية “عمان 2040″، التي وضعت المواطن في سلم الأولويات، وأدرك الخطاب السامي لجلالة السلطان حجم التحديات التي تعيشها المرحلة والحساسية الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها نظرا للظروف التي ساهمت في تكوينها، وهي في حساسيتها المرتبطة بالمواطن، تستدعي التعامل مع مراحلها وفق رؤية تتسم بالمهنية والعمق وفهم التفاصيل وحكمة القرار ورصانة المبدأ “وإننا لندرك جميعا التحديات التي تمليها الظروف الدولية الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة وعلينا، كوننا جزءا حيا من هذا العالم، نتفاعل معه، فنؤثر فيه ونتأثر به.”
لذلك سعت الحكومة ومن خلال جملة الحزم الاقتصادية والمالية التي اتخذتها في سبيل تحقيق التوازن المالي إلى البحث في الأطر التي تعزز من التنويع الاقتصادي ورفع مستوى دخل المواطن والحيلولة دون تأثره برفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية والوقود أو تأثره اقتصاديا بجائحة كورونا (كوفيد19)، وغيرها من الأمور التي باتت تشكل هاجسا خطيرا لدى المواطن في ظل إشكالية تزايد أعداد الباحثين عن عمل من مخرجات الدبلوم العام ومخرجات التعليم الجامعي، وتشبع القطاع الحكومي من الأيدي العاملة الوطنية حتى مع التوجه الأخير نحو التقاعد الإجباري نتيجة التقليص الحاصل في الهيكل الجديد للجهاز الإداري للدولة، وحالة عدم الاستقرار في سوق العمل الوطني والعالمي على حد سواء، والضغوطات المالية على الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، والتي نتج عنها تحديات تتعلق بتشغيل القوى العاملة الوطنية في ظل تراجع المشروعات الحكومية التي كانت شكلت مساحة أمان يتجه إليها القطاع الخاص في تشغيل برامجه وخططه في مجال اللوجستيات والخدمات العامة والتوريد للمستلزمات الطبية والصحية والغذائية والتموينية وغيرها، ومع استمرار هذه الضغوط الاقتصادية وعدم قدرة الحكومة على الوفاء المطلق بها، وتعزيزا لدور المواطن في تحقيق الشراكة المستدامة والمساهمة في تحقيق توجهات الدولة، ونظرا لتضرر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبعض شركات القطاع الخاص من جائحة كورونا (كوفيد19) الأمر الذي ألقى بضلاله على جهود الحكومة وتوفير الدعم اللازم لهذه المؤسسات لاستعادة نشاطها، يضاف إلى ذلك وقف الترقيات، والمكافآت المالية وتزايد الضغوطات المالية على المواطن الناتجة عن ارتفاع أسعار فواتير الكهرباء والماء والاتصالات والخدمات العامة، وزيادة ارتفاع أسعار الوقود، وثبات ارتفاع المواد التموينية والغذائية والاستهلاكية اليومية، والقروض البنكية المتعاظمة وغيرها، يؤكد الحاجة اليوم إلى تبني فلسفة عمل متوازنة في قراءة هذه الأحداث وتقييم انعكاساتها على حياة المواطن، تضمن عدم الدخول مع المواطن في صدامات ومواجهات فكرية أو إشكاليات تتعلق باستصدار قرارات تمس جوانب حياته اليومية ولا تعكس مستوى رضاه عنها، إذ لغة الشد والجذب وفرض سياسة الأمر الواقع وفرض الرسوم والضرائب وغيرها في ظل هذه المعطيات والظروف، أمر لن يقدم جديدا في مسار البناء الوطني المشترك، ولن يصل إلى مسار متقدم يصنع التزاما وطنيا من كل قطاعات الدولة والمؤسسات والأفراد، ولن تسهم هذه الإجراءات في تحقيق تحول نوعي يرجو المواطن أن يتحقق بشكل متواز مع التغييرات الحاصلة في منظومات القرار المؤسسي بحيث يكون المواطن جزءا أساسيا في المسؤولية وعنصرا رئيسا في المعادلة لا يمكن تجاهله كونه الحلقة الأقوى ومدخل إنتاج القوة.
وعليه، فإن الوصول إلى تحول ملموس في إدارة متطلبات هذه المرحلة بما يتناغم مع أولويتها في تحقيق التوازنات المالية مع المحافظة على سقف حضور المواطن رهان التنمية وركيزة النجاح، يستدعي التأكيد على أهمية تصحيح بعض المفاهيم الإدارية التراكمية التي أسهمت في تأخير الأداء الحكومي وأضرت بالمواطن في حصوله على الخدمة الحكومية بأسرع وقت وبأقل التكاليف، وشروط الأريحية في الإنجاز، والسلاسة في التعامل، والمرونة في الإجراءات، بما يتناغم مع متطلبات المرحلة، متجاوزة عقدة المفاهيم وتكرارية الأدوات التي باتت تشوه صورة الإنجاز، وتعرقل مسيرة الأداء الناجح، وتصنع هوة المواجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى العمل على توجيه إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة في بناء منصات أكبر للشراكة مع المواطن، ومنحه فرص الوقوف على اختصاصات المؤسسات وحدود الصلاحيات الممنوحة لها ودورها في رسم استحقاقات المرحلة، وأولوية وصول الخدمات المؤسسية إلى المواطن واستشعاره لهذه الجهود وملامستها لواقعه وتلبيتها لاحتياجاته وتوقعاته، وعبر إيجاد إطار وطني يرافق منظومة الجهاز الإداري للدولة هدفه التعامل الواعي المنظم وفق معايير تنسيقية عليا مع أي قرارات قد تؤدي إلى تحفظات المواطن عليها وتمس أحد جوانب حياته المعيشية أو تقلل من طموحاته أو تتغاير مع توقعاته أو يجد فيها مدخلا لتهرب الشركات والمؤسسات من مسؤولياتها والتزاماتها الوطنية، أو تتنافى مع معطيات الحالة ومتطلبات الحياة اليومية، ورفع هذه القضايا العالقة والمواضيع المثارة في الرأي العام إلى المقام السامي لجلالة السلطان، لذلك فمع ممارسة الوحدات الحكومية ذات العلاقة للصلاحيات الممنوحة وفق القانون، وفي ظل هذا التنازع الحاصل في مسار هذه القرارات، ما يؤكد الحاجة إلى تبني مسار العودة لمرجعيات أعلى في إجازة أي قرار يمس ملفات الباحثين عن عمل والمسرحين والأجور والرواتب وغيرها بحيث لا يكون للمؤسسات المختصة منفردة صلاحية اتخاذ أي قرار مصيري في هذا الشأن؛ إضافة إلى ذلك يبقى وجود مختبر وطني لقياس الرأي العام حول القرارات المتعلقة بأمن المواطن الاقتصادي والمعيشي ركيزة مهمة في استحضار مشاعر المواطن في أي توجه مؤسسي، وتكمن أهميته في أنه يستهدف قياس مدى انطباعات الرأي العام حول القرار الوزاري/ الإداري المتخذ والبدائل المطروحة وردود الأفعال عبر المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، هذا الأمر من شأن أن يعزز من بناء فقه إدارة المشاعر بما يعزز من كفاءة إنتاجية القرار الوطني لضمان تحقق العدالة فيه، ولبناء شراكات قوية تؤصل ثقة المواطن مستقبلا فيما تتخذه الحكومة من قرارات بعد تجريبه لها ومعرفته بنواتج ما سبق منها، وبما يمكن أن يطرحه ذلك من بدائل أخرى لتضمينها في القرار المعدل أو توفير الضمانات الأخرى التي تحفظ حق المواطن، بحيث لا تكون ذريعة للشركات ومؤسسات القطاع الخاص والحكومي في التصرف بحسب ما تريد، واضعة هذه القرارات المتخذة مبررا تستند إليه في تنفيذ إجراءاتها، فإن وجود هذا المختبر بما يوفره من مسوحات مباشرة واستطلاعات رأي وتقييمات ورصد للرجع الميداني سوف يوفر دعامات إيجابية في الحد من ارتفاع معدلات القلق وسوء الفهم والتفسيرات الجانبية حول تداعيات التعميمات والقرارات الصادرة من الجهات الحكومية.
وتبقى حساسية المرحلة اليوم في كونها معنية بتحقيق معادلتي التوازن الاقتصادي والرهان على المواطن في وقوفه مع القرار الوطني الرشيد، فلا مجال للاجتهادات الشخصية والأفكار الأحادية والتوجهات المتشددة التي لا تسمح بحضور الرأي الآخر أو تتعايش معه أو حالة الإقصاء للأفكار وتجاهل تحديات الواقع وتأثيراته على حياة المواطن التي باتت تؤثر سلبا على المنجز الوطني وسلامة الأداء الحكومي، ولا مجال فيها للقرارات المتسرعة، أو النزعات الذاتية أو شخصنة المواقف، أو سياسة فرض حلول الواقع، والدخول في تجاذبات فكرية مع المواطن وتوليد أزمة ثقة بين المواطن وسياسات الحكومة، أو تقلل من التوقعات والطموحات التي يعوّل عليها المواطن في الهيكلة الجديدة، أو تحاول أن تشوه صورة العمل الوطني وتلقي بالحمل على طرف دون آخر، أو المعالجات البطيئة المفتقرة للتكاملية والتنسيق والشراكة الفعلية أو انتظار ردود الأفعال والتأثير في فكر الشباب وقناعاته وتفاؤله بالمستقبل وإيمانه بالتحولات الجديدة التي ستعيد إنتاج واقع المنظومة الوطنية لصالح تقدمه، أو فتح المجال للمزايدة على الولاء والانتماء الوطني؛ بل هي مرحلة بحاجة إلى المزيد من المكاشفة والوضوح والموضوعية والشفافية والشراكة، وتوفير مساحة الأمان للمواطن في التعبير عن رأيه وتتيح له تقييم هذه القرارات وإثرائها بما يعزز من إنتاجيتها وقوة تأثيرها وتوفير مظلة القبول لها في المجتمع، واستشراف ما تقدمه من أجل العيش الكريم للمواطن، وأن تقرأ الوحدات الحكومية البدائل التي طرحت سابقا حول الموضوع قراءة شاملة وواعية لما تركته من أحداث أو تسببته من إخفاقات او ترتب عليها من ثغرات أو ما ارتبط بها من تجاوزات من الشركات والأفراد وتحايل على القانون وغيره.
أخيرا، فإن حضور مشاعر المواطن في الجهد الحكومي وإشراكه في تبني الحلول والبدائل في مواجهة الأزمات التي يعيشها أو تمكينه من التعامل الواعي معها ليست حالة مزاجية للمؤسسة بل حق مكتسب للمواطن، وخيار استراتيجي يتناغم مع أبجديات التشريع العماني، وفق تقنيات عالية وأساليب واضحة ومنهجيات رصينة وأطر تنظيمية مقننة وأدوات عمل محددة تقيس مستوى رضا المواطن حول القرارات التي تمس أمنه الاقتصادي والوظيفي والمعيشي، بحيث يتجه عمل الجهاز الإداري للدولة نحو ترقية أساليب التعامل مع هذه المعطيات والتجاوب الفوري مع ما يطرحه المواطن من بدائل، وطرح مبادرات وطنية جادة تعمل على تحقيق أولويات المواطن في مواجهة تعسّر الظروف والالتزامات الاقتصادية والمالية والمعيشية عليه، بالإضافة إلى تبني مسار تواصلي حكومي واضح المعالم يستوعب حدث اللحظة ويحاور المواطن فيه، ويفتح باب النقاش ووجهات النظر حوله، وبناء منهج ذكي في التعامل مع ردود الأفعال واحتواء المشاعر، فإن إدراك الجوانب المرتبطة بالحياة المعيشية للمواطن والملفات الساخنة التي أشرنا إلى بعضها سلفا، سوف يضمن الوصول إلى قرار متوازن، يقرّب ولا يبعّد، يؤلّف ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يستنهض الهمم ويستنطق القيم، ويصنع الثقة، وينتصر للمواطن.

إلى الأعلى