الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الاعتراف بالخطأ يقود إلى التصحيح والمعالجة

الاعتراف بالخطأ يقود إلى التصحيح والمعالجة

سعود بن علي الحارثي

تتدفق الكثير من الآمال والتطلعات والأهداف التي تحتشد، فتتجلى وتتراءى للإنسان، فترغبه للسعي والاجتهاد منطلقا إلى تحقيقها ممهدا الطرق وميسرا كل معسر ومعيق، موجدا الفرص المساندة والمساعدة إلى بلوغها كلما كان ذلك ممكنا ومستطاعا. ومن الطموحات والغايات ما هو معقول ومقبول ويتوافق ويواكب ويتماشى مع الإمكانات والقدرات وتمتلك القابلية للتحقيق وإن بنسبة ضعيفة، وما على الإنسان إلا المجاهدة والمحاولة وركوب الصعاب والمشاق لبلوغ المعالي. فالتطلعات والطموحات مشروعة والإنسان يمتلك الإرادة والصلابة والبراعة والتفوق والقدرة على قيادة تطلعاته ومشاريعه والبلوغ بها مرحلة النجاح شريطة الاحتراز واتقاء وتفادي إلحاق الضرر أو التسبب في أذى الآخرين من بشر أو حيوان وبيئة، وضمان سلامة الأدوات والوسائل المستخدمة والمسارات والسبل الموصلة إلى ذلك وتوافقها مع القوالب والأطر الشرعية والقانونية، وأعراف وقيم المجتمع. أما التطلعات والآمال الإنسانية التي يتطلب الجري إلى تحقيقها ابتكارات ووساطات وأسباب وخطوات غير مشروعة وتمهد لبؤر فساد وإلحاق الأذى والألم بالآخرين والتطاول على القانون والمال العام، واستغلال القوة والنفوذ والمنصب لمصالح ومآرب شخصية، فلن تجني لأصحابها إلا المرارة والندم وتأنيب الضمير القاتل وسلسلة من الفضائح التي تدمر الأفراد والأسر، وفي الحياة صور ومشاهد ومواقف تؤكد هذا الواقع. ومن الحقائق المعروفة شغف الإنسان بتحقيق المكاسب الشخصية والثراء الفاحش وإشباع غرائزه وأهوائه، ونزعته المادية المتجذرة ولو كلفه ذلك السير عبر طرق ملتوية واستخدام وسائل وأدوات تتجاوز القانون والقيم والأعراف، ولا مانع عنده من إلحاق الأذى بالآخرين في سبيل الوصول إلى مآربه، ولا مانع لديه كذلك من إخفاء أهدافه الحقيقية وراء مجموعة من المثل والمبادئ الأخلاقية والسياسية والفكرية لإضفاء الشرعية القانونية على أهدافه ضمانا لنجاحها، والأخطاء العميقة التي يتسبب فيها الإنسان وهو يسير عجلا إلى تحقيق ما يريد تؤدي إلى تفاقم المشاكل وتراكمها وتعقيداتها، وتختلف في تصنيفاتها اعتمادا على الآثار والنتائج التي تتركها، فالتعقيدات الإدارية واستشراء الفساد والتراجع في الإنتاج وغلاء الأسعار وتسفيه رأي الآخر وعدم التقيد بالأنظمة والقوانين وسلب الحياة وغيرها من التجاوزات والأخطاء والجرائم جميعها نتاج إنساني ظهرت بفعل الأخطاء المرتكبة المباشرة منها وغير المباشرة المقصودة وغير المقصودة وبسبب نظرته غير المتوازنة للمحيط الذي يتعامل معه بعناصره وأدواته المتعددة ولطموحاته ـ أي الإنسان ـ غير المشروعة وقيادة وبناء مشاريع تفوق الإمكانات .. والإشكالية الأخرى ذات العلاقة بهذا الموضوع الذي يتناوله المقال، فتختص بفئة من الناس الذين ـ وللأسف الشديد ـ لا يخضعون أحلامهم وطموحاتهم الواسعة وما يريدون تحقيقه في مسيرة حياتهم من مشاريع تجارية وعلمية وعملية، ورؤى وأفكار متعددة، وتطبيق ما تعلموه وامتهنوه في الحياة وتخصصوا فيه… ـ لا يخضعونها ـ لميزان المنطق وللأسئلة الواقعية، ولا لدراسة الجدوى ومقارنتها ـ أي الطموحات والأهداف ـ مع المكنات والمهارات، والاحتياجات والمتطلبات، والوسائل والأدوات، والتأثيرات والانعكاسات، والمكاسب والامتيازات والمردود منها على شكل أرباح وإضافات ونمو وتقدم وازدهار وتحولات ترتبط بتلك الأهداف، وليست لديهم القدرة على التنظيم وتحديد الأولويات ولا يجيدون وضع الخطط والبرامج التي تعد بمثابة خريطة عمل لتحقيق ما يتطلعون إليه بالفعل، ويضمن لهم بلوغ ما يأملونه ورسموه في مخيلاتهم وبينوه في تنظيراتهم اليومية، فيغرقون في لجج الأوهام ويسبحون في بحار من المشاريع والاستثمارات العملاقة والأحلام والغايات الضخمة ويتطلعون إلى تحقيق ما يفوق إمكاناتهم بكثير وسرعان ما تغرق بهم السفينة، وتتحطم الأشرعة في أمواج الفشل والجهل والضعف والتخبط… ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال نهاية المطاف وانسداد الأفق وانغلاق الدروب والاستسلام للفشل، ففرص الإنسان تبقى ممدودة والخيارات متاحة وواسعة والقدرات والمكنات متوافرة لا تنقطع، الإرادة والصلابة ونمو الخبرة والمعرفة والدروس العميقة من الفشل والمهارة المكتسبة… هي جميعها عناصر ومحفزات ومكنات وأسباب تفعل فعل الطاقة بالإنسان يتوجب استثمارها واقتناصها لينطلق من جديد ثانية وثالثة ورابعة إلى أن تبلغه إرادته القوية مبلغه وتقوده إلى الغاية التي حددها وتوصله إلى الهدف الذي رسمه ووضعه، فلا مجال لحياة الإنسان الذي صمم على تحقيق النجاح ومشاريعه وطموحاته لأن يسلمها إلى بؤر الإحباط والاستسلام واليأس، ومن أسلم نفسه لهذه النهاية دون أن يجد في طريقه من ينتشله ويبصره ويصحح مساراته ويوجه له النصح فسوف يتيه في عالم الضياع، وسوف يفقد بهجة الحياة وجمالها وروحها التي لا حياة بدونها. الفئة الثالثة التي يعرض لها هذا المقال هي تلك التي لم تقدر الأمر حق قدره في بداياته ولم تمعن التفكير وكانت رؤيتها قاصرة عن إدراك وتبين مصائر ما أرادت تحقيقه من أهداف وغايات، ولم تهيئ الأسباب والوسائل المناسبة والصحيحة لها، وعندما سقطت في فخ الفشل وانزلقت خطاها في شراك الخلل والضعف والقصور الذي التصق بها وكان جزءا من طبيعة شخصيتها، لم تتلاف الوضع السيئ الذي وصلت إليه بخطط إنقاذ، ولم تتحقق من الأسباب التي أعاقت تحقيقها لمشاريعها، أهملت التفكير والتفكر والتقييم الموضوعي ولم تحمل ذاتها المسؤولية وتجاهلت حقيقة أنها هي التي تسببت في هذا الواقع، وبدلا من ذلك رمت بأسباب فشلها على أطراف أخرى، تآمرت عليها وأعاقت نجاحها وتكالبت عليها وكسرت أشرعتها… وهذه واحدة من المشاكل التي نشهدها في مواقف متعددة، وهذه الفئة لن تتمكن من تحقيق طموحاتها بسبب فشلها في تقييم وكشف قصورها وأخطائها وتبين وتحديد عثراتها في غياب للموضوعية والأمانة والدقة والواقعية، والإخفاق كذلك في معالجة تلك الأخطاء وأوجه الضعف العميقة، بمعنى تجاهل واستبعاد الأخطاء الشخصية الرئيسية المتسببة في الفشل والارتكان إلى الغرور والصلف والمكابرة… فاعتراف النفس بالخطأ هو السبيل الممهد لمعالجة المشكلة.

إلى الأعلى