الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / البطاقة الشخصية لمازن حبيب
البطاقة الشخصية لمازن حبيب

البطاقة الشخصية لمازن حبيب

د. فهد حسين:
أصدر القاص العماني مازن حبيب مجموعته القصصية (البطاقة الشخصية للعمانيين) عن دار الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2016 وتناول عبر تسع قصص ضمت هذه مجموعة عددًا قضايا المجتمع والواقع المعيش، تلك القضايا المرتبطة بالإنسان والحياة اليومية والمهنية والعاطفية والأسرية، وقبل الولوج إلى عالم هذه القصص، استهل القاص بمقدمة جعلنا نعيش معه ومع ما سيأتي، إذ تتحدث عن المسير داخل الفضاء النصي للمجموعة، ولكنه لم يشر إلى أي من هذه القصص، بل إلى فتح لنا الطريق الذي ينبغي أن نسلكه ونحن نسير، وعلى أي جانب نختار، ويمكن لنا السير فيه، والاتجاه الذي نريد، وهنا مدخل مهم في فهم الاتساع المعرفي للإنسان، وما ينتج عنه من اتخاذ قراراته التي توصف أحيانا بالمصيرية.
تناولت قصة (النبأ الأخير) المذيع الإذاعي، وحالته النفسية والانفعالية حين يقف خلف الميكروفون، وكيف يعيش حالته وهو يرى بمتخيله المستمعين وآذانهم منصتة، يتسمر مجبرًا ولديه من الأخبار التي تتفاوت في طبيعتها وصدقها ولملاءمتها للواقع من عدمه، تلك الأخبار التي تجعل المذيع بين ناقل ومتحيّر في صدق ما يقول، وبين تقبل المستمعين له، فتطرح القصة المسئولية الإعلامية والأخلاقية التي تفرض نفسها على المذيع، وهو يقدم المادة الإعلامية، وهنا يتبرعم السؤال: هل على المذيع أن يؤمن بسياسة المحطة الإذاعية التي يعمل فيها، ويرفض العمل إذا لا تتوافق وقيمه ومبادئه؟ إن وظيفة المذيع ودوره في المجتمع تعتبر مسألة شائكة، وقد بدر القاص بعض بدورها في تربة الأسئلة التي تنتظر حوارًا من المشتغلين الإعلاميين من جهة، ومن المتابعين والمثقفين من جهة أخرى، لهذا حاول الراوي في ظل هذه التراكمات المؤلمة، وضع حد لما يقوم به من دور ربما يكون مزيفًا، حيث قال: ” أعزائي المستمعين، لا يتعلق النبأ الأخير بارتفاع عدد الضحايا في بغداد، والضفة الغربية، أو بزلزال مدمر في شرق آسيا، ولا بانخفاض حاد في مؤشر داو جونز، ولا خسارة مذلة لريال مدريد، ولا حتى بفوائد الشاي الأخضر في الوقاية من السرطان، أبدًا.. ” ص12-13.
وتناولت قصة (حياة صغيرة قصيرة) جينات الإنسان المتعلقة باللون، وكما يعلم الجميع أن الجينات الوراثية لها دور كبير في تكوين الجنين الذي يأخذ بعض الصفات حتى من الجدود المتقدمة في التاريخ، هذا ما ظهر بعد ولادة أسعد الذي أخذ الشبه من أبيه، وسعاد التي أخذت الشبه من أمها، لكن المولود الذكر الثالث لم يأخذ منهما غير بعض الشكل أما اللون فذهب به إلى أحد الآباء أو الأجداد بحكم عامل الوراثة، حيث جاءت الصبغة سوداء، وهنا تبرز المفارقات عند البشر وكيفية التعامل مع طائفية اللون، الأمر الذي شعرت الأم بالغبن والاضطراب النفسي وضبابية المستقبل الذي ينتظرها من زوجها وما سيقدم عليه من قرار، وبمرور الوقت بدأت المعاملة تأخذ شكلاً آخر، معاملة غير الطبيعية من قبل أفراد الأسرة، أي من الابن أسعد وهو يعامل أخاه في البيت والشارع والمدرسة والحي، في السكون والحركة، معاملة لا تليق بالأخوة وصلة قرابة الدم، بل إن هذه المعاملة التي مارسها الأخ تجاه أخية ودونيتها، ليست وليدة اليوم، بل جاءت متواترة عبر تاريخ محمل بتبعات الأعراف الاجتماعية غير السوية، الداعمة لمفهوم العنصرية والعرقية والفوقية، وللأسف، فعلى الرغم من القوانين والتشريعات التي تفند مثل هذه الأفكار والممارسات تجاه المختلف، فإن المجتمعات المتقدمة وغيرها كانت ولاتزال فيها العديد من أفرادها ينظرون النظرة نفسها، النظرة الدونية، وإن تظاهروا بغير ذلك، وهنا كأن تقول القصة لا ينبغي تجاهل هذا السلوك غير الإنساني، بل لابد من اجتثاثه والقضاء عليه من خلال ما تملكه الدول عامة من وسائط إعلامية وتعليمية وتشريعية، ” غلطة من يا أبي؟ نحن سألنا ومحد خبّرنا، وهُمّة سألوا، ومحد قال عنا شي.. تلك كانت الأسئلة البسيطة المتبادلة بين العائلتين التي بدت أجوبتها شافية وقتئد، قبيل الزواج، لكنها الآن ستثير غيرها من الأسئلة الصعبة ” ص20، ولكن ما تلك الآليات التي تسهم في نزع هذه النظرة؟ أليس التعليم هو القادر على الوقاية من هذا المرض الاجتماعي؟!
وتحدثت قصة (الحارس) عن حارس على بوابة المستشفى يسمح للزوار بعيادة المرضى، الذي تعتلجه الأفكار، وطبيعة العمل اليومي، وعلاقة ذلك بالمترددين إلى زيارة مرضاهم، وآلية المنع أو الموافقة، ” وجوه لا يحفل بها كثيرًا؛ لأنها لم تكن لتعني أكثر من لقاء يطول كثيرًا ” ص23، وهنا التأكيد على تناول موضوعات الحياة اليومية البسيطة في شكلها، وفي طبيعتها العميقة، وفي تكوينها ودورها، أما قصة (النص الناقص لرسالة لم ترسل) فإنها تحكي قصة غير مكتملة تحكي عن علاقة كادت أن تتكون مع الطالبة الجامعية القادمة للتو في السنة الأولى، غير أن تسلسل الاحداث، وكتابتها في الرسالة، تفاجئك بأن من كتبت الرسالة طالبة وليس طالبًا، هكذا فهمت النص، حيث جاء في نهاية الرسالة: ” من المخلصة في محبتك، مثلى ” ص58، بل جاء عنصر المفاجأة والمباغتة بصورة فنية، فحين قراءة الرسالة لا توضح مفرداتها وكأنها من أنثى إلى أنثى، وإنما تعتقد أن من كتبها هو طالب مغرم بسلمى وغمره الحب تجاهها، وهو الأمر الطبيعي، وبخاصة في سن المرحلة الجامعية التي تبرز فيها ملامح العلاقات العاطفية بين الطلبة، وبهذا الغموض في اللغة غير الكاشفة، اعتقد تفوق القاص في بناء الحماية الذاتية من قبل الكاتبة حتى قبل نهاية الرسالة، وإحكام المفاجأة.
وهو بهذه النصوص القصصية فإن موضوعه العام كان متجهة نحو الواقع والحياة اليومية في كل القصص، مثل: قصة البطاقة الشخصية للعمانيين، وقصة اليوم الذي انكسرت في الشماعة، وقصة عصافير التي كتبت إلى زكية حبيب المعيني، وكذلك قصة الرجل الذي تجرد من ذاته، ومع موهبة الكتابة القصصية للكاتب، فإنه يتميز بأسلوب شائق سلس، لم يشحن باللغة المقعرة التي تتطلبها مجالات أخرى، أو تلك التي نتهجها البعض فذلكة وتمظهرًا، وإنما اهتم باللغة التي تتوافق والمستويات المختلفة من القراء، وبخاصة أن كل النصوص في المجموعة لم تخرج عن سياق الواقع المعيش الذي يعيشه جميع أفراد المجتمع، ويرتبط بموضوع هذه القصة أو تلك، من هنا جاءت اللغة المتخيل والسبك في شكل مريح للقارئ سواء في طبيعة الموضوعات، أم في لغتها، أم في تلك الرمزية والدلالات التي يمكن الوقوف عندها بين ثنايا اللغة.

ناقد وأديب بحريني

إلى الأعلى