الخميس 29 أكتوبر 2020 م - ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: عن «الأخبار الزائفة»

أصداف: عن «الأخبار الزائفة»

وليد الزبيدي

يمكن القول إن الأخبار الزائفة بدأت في حقبها الأولى قبل ظهور الصحافة، وحتى قبل استخدام الناس للكتابة في أول عهدها في بلاد ما بين النهرين قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد؛ أي قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، وكانت عبارة عن قصص وحكايات تزخر بالخيال الجامح والمبالغات الكثيرة. وفي حال أراد البعض الترويج لمثل هذه الأخبار الكاذبة، فإنه يرويها نقلا أو وصفا لما يزعم أنه حدث في مدن بعيدة ليس من السهولة التحقق من صدقيتها. لكن رغم ذلك لم يكن الإقدام على رواية تلك القصص بالأمر السهل خوفا من افتضاح مزاعم الراوي، وفي دورتها الثانية انتشرت تلك القصص والأخبار في ما عرف بالصحافة الصفراء وتحديدا تلك التي تطمح بتوزيع مرتفع لنسخها، ونادرا ما كانت تلك الأخبار تخص عامة الناس وإن كانوا أحد القطاعات أو الفئات المستهدفة، وتدور غالبية تلك الأخبار في عالم المشاهير من السياسيين والفنانين وحتى كبار رؤساء العصابات، وبقدر ما كانت تلك الصحف «الصفراء» تعتاش على تلك الأخبار، فإنها كانت تُستخدم للابتزاز بكل أشكاله وللتسقيط وساحات للصراعات الاقتصادية والحروب التجارية.
لكن الذي يجري إحصائية استقصائية دقيقة وتقريبية، لجميع ما نشر في أرجاء العالم من قصص وحكايات ومعلومات زائفة في الحقبتين المشار إليهما، والتي امتدت لآلاف السنين وشملت مختلف أرجاء المعمورة، سيجد أن ما تم تداوله خلال العقد المنصرم في دولة واحدة فقط، قد يزيد على جميع تلك الأخبار الزائفة عبر العصور المنصرمة.
بالتأكيد لسنا بحاجة لشرح هذه القفزة الهائلة والخطيرة في الزيادة الفائقة في هذا النوع من الأخبار، فالجميع يعرف أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وغياب الرقابة الحقيقية التي تحكمها أسس أخلاقية والتي سيطرت على نسبة عالية جدا من وسائل الإعلام خلال القرنين الماضيين على أقل تقدير، ووجود قوانين رادعة بحق المتلاعبين في صياغة ونشر الأخبار الزائفة ساعدت في الضبط والردع إلى حد ما قبل دخولنا في مساحات مفتوحة على جميع الاتجاهات.
إن القفزة الهائلة التي تحققت بوجود وسائل تواصل منحت الجميع فرص النشر من النص إلى الصورة والفديو وبدون وضع قواعد صارمة لكل ذلك، فتح شهية الكثيرين لنشر مثل تلك الأخبار أو على الأقل الترويج لها دون أن يحسبوا حسابا لخطورتها وتداعيات الكثير منها على أفراد ومجتمعات وأفكار، وبدلا من التأني في النشر تجد ثمة الكثير من المتحمسين لذلك وبتشجيع من المنصات الأكثر انتشارا في العالم.
تبذل جهات ومنظمات وعلماء وشخصيات الكثير من الجهود للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، لكن علينا أن نعترف أن المستفيدين من هذه الظاهرة الزائفة أقوى بكثير من جميع هذه الجهود، وهذا لا يعني أن ينحني الجميع لهذه العاصفة الهوجاء.

إلى الأعلى