الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / قبل أن يلفظ النفط أنفاسه
قبل أن يلفظ النفط أنفاسه

قبل أن يلفظ النفط أنفاسه

حياة بنت عبد الله السعيدية:
هناك العديد من التوجهات المستقبلية لمسار الطاقات البديلة للنفط عالميا، محليا وإقليميا. والجميع في واقع الأمر يسعى لتدارك الموقف قبل البكاء على اللبن المسكوب. ويبدو لي الأمر أشبه بعملية المراهنة على قدرة الدول في الصمود على مدى السنوات الخمسين القادمة بمصادر فعالة وبديلة تدر دخلا أعلى من سابقتها. منهم من يراهن على استغلال طاقات الرياح، والآخر يتكئ على الطاقة الشمسية، ويسارع البعض لاختراع تقنيات حديثة لاستغلال الطاقة المائية، حيث يطول الحديث في هذا الصدد والكيفية التي تعتمدها دول العالم لسد فجوة النفط المستقبلية في الاقتصاد الدولي. ومن المتوقع أن تعاني بعض الدول من الفقر المدقع نتيجة لشح الموارد الطبيعية وضعف الإنتاج المحلي في ظل تفشي الحروب والأمراض وسوء الأحوال الاقتصادية العالمية، مع العلم أن بعض الدول تتجه لاستثمار الطاقة النووية، ما سيسبب تبعات عامة على الاقتصاد العالمي. ولكن العملية لا تكلل بالنجاح لجميع الدول للسير على النهج السابق في مواراة سوء الوضع الاقتصادي المستقبلي. وفي هذا السياق نناشد الجهات المسؤولة على حد سواء لاتباع مسار سليم بهذا الخصوص. بيد أن الأمر يعنى بوضع استراتيجية تخطيط وخطة تنموية للنظر في إمكانية استغلال المصادر المتاحة أو البحث في أغوار المشكلة للإتيان ببدائل تدعم الاقتصاد العماني المستقبلي بعد انتهاء زمن النفط الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ويأتي على رأس القائمة استثمار القوة البشرية التي تمثل تروس الاقتصاد الحديث، وتحرك عجلة النمو الاقتصادي كما فعل الرئيس الماليزي السابق مهاتير محمد للنهوض باقتصاد بلاده بعد النكبات التي تعرضت لها ماليزيا. ويتأتى ذلك من خلال توفير بيئة تعليمية بناءة ذات كفاءة عالية وغرس قيمة البحث والاستطلاع والاستقراء بجانب توفير الوسائل المنهجية البعيدة كل البعد عن التلقين وأسلوب التعليم التقليدي، من دون إثقال كاهل الطالب بمتطلبات ليس لها صلة بالعملية التعليمية المبنية على الأسس والوسائل الحديثة.
إذن الأمر يتطلب تغيير العملية التعليمية بكافة مرافقها ومتطلباتها. وتأتي فنلندا كأفضل الدول الحائزة على نظام تعليمي عالمي في كافة برامج تدريس بيسا (PISA) المنظم بواسطة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتنفق فنلندا ما يقارب 11-12% من الناتج المحلي الإجمالي على قطاع التعليم من الميزانية العامة للدولة. ومن الأمور التي تميز نظام التعليم الفنلندي عدم فرضه قيودا تعرقل المسيرة التعليمية، سواء كانت من الناحية العمرية أو المالية أو البيئية. بل تتيح الفرصة لاستغلال الطاقات والأفكار الإبداعية على حد سواء لدعم مسيرة التنمية. حيث يؤكد بورما كوبين هذا المبدأ قائلا: “كلما ارتفع مستوى تعليم الأمة زادت قدرتها على مواجهة التحديات المعقدة التي يتسم بها عالمنا الحديث”.
وبناء عليه، يجب استحداث منهجية تعليمية حديثة بجانب المرافق التعليمية مثل التعليم التعاوني، التعليم المبني على الاستقصاء، التعليم المتنوع ومواكبة الثورة التكنولوجية بكافة دواعيها وإدخالها في العملية التعليمية لمختلف الراحل العمرية حتى يتسنى للطالب استيعاب متطلباتها وطرق استغلالها لتعزيز المعارف العلمية. وتعتبر اليابان من مصاف الدول التي تنفق ما يقارب 24.4% من الناتج المحلي في التطور التقني، إضافة إلى اضطلاعها في الإنفاق على تغطية المدارس بالإنترنت بنسبة تقدر بـ99.4% من الناتج الإجمالي العام للدولة.
ناهيك عن الحاجة لاستحداث مناهج تتسم بالقياس والمركزية في التخطيط، وتعزيز مهارتي البحث والاطلاع خارج إطار المناهج الدراسية للنهل من مصادر المعرفة المتنوعة لسد فجوة التحليل والاستنتاج الذاتي.
كما يوجد بديل آخر لدعم عجلة التنمية الاقتصادية وسد الفجوة الاقتصادية التي سيخلفها النفط، وهو البحث العلمي والابتكار الذي يعتبر من أهم العوامل في تشخيص التحديات المستقبلية على الصعيد البيئي، الاجتماعي والاقتصادي وغيرها. هنا يتجلى دور المؤسسات الداعمة لهذا الجانب بإنشاء المراكز البحثية واستقطاب خبرات عالمية تسهم في تعزيز جانب البحث العلمي مع التركيز على الطاقات الشبابية الدفينة في المجتمع، ما يزيد من الحصيلة المعرفية والاقتصادية للدولة. وتأتي السويد في طليعة الدول المهتمة بالبحث العلمي في المركز الـ11 عالميا مع مساهمة بنسبة 11% من الناتج المحلي والذي يكسبها استقرارا اقتصاديا مستقبليا. كما تسهم كوريا الجنوبية بنسبة 4.29% في البحوث العلمية، والولايات الأميركية المتحدة بنسبة 2.74%. وهو الأمر الذي أدى إلى تمكنها من تخطي هاوية جرف الفجوة النفطية.
الواجب هو تحريك البوصلة بالاتجاه الصحيح، والاهتمام بالمنافذ التي تصنع اقتصادا مستقبليا آمنا. وعلى حد القول: كلما ازداد اتساع جزيرة المعرفة توسع امتداد شواطئ التعجب.

إلى الأعلى