الخميس 29 أكتوبر 2020 م - ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / تطور الجريمة فـي زمن «كوفيد 19» «القتل بأداة إلكترونية»

تطور الجريمة فـي زمن «كوفيد 19» «القتل بأداة إلكترونية»

محمد بن سعيد الفطيسي

تناقلت العديد من وسائل الإعلام يوم الـ18 من سبتمبر 2020 خبر تعرض نظام الرعاية الصحية الألمانية لهجوم إلكتروني نتج عنه أول حالة وفاة بعد أن تعذر على المستشفى قبول المريضة؛ لأن أنظمتها الصحية الإلكترونية كانت هدفًا للهجوم، بحسب ما ذكرته صحيفة Le Temps السويسرية.
وفي هذا السياق قال أرني شوينبوم مدير وكالة الأمن السيبراني الألمانية، المكتب الفيدرالي لأمن المعلومات في حدث أقيم في لندن: “إذا تأكدت هذه المأساة، فستكون أول حالة أعرفها، في أي مكان في العالم، حيث يمكن ربط موت حياة بشرية بأي شكل من الأشكال بهجوم إلكتروني” (1 )
ما يهمنا في هذا الخبر خصوصا تلك النتيجة الواضحة لإمكانية تعرض دول العالم لعمليات إرهابية إلكترونية من قبل بعض التنظيمات الإرهابية أو غيرها من الشبكات والتنظيمات الإجرامية أو حتى عبر ما يطلق عليهم بالذئاب المنفردة نتيجة استغلال تحول تلك الدول إلى البديل الافتراضي بسبب انتشار وباء كورونا، خصوصا الأنظمة الصحية والتعليمية والمصرفية( 2)، والتبعات التي يمكن أن تنتج عن ذلك وعلى رأسها تعرض الحياة البشرية لخطر الموت نتيجة ارتباط الإنسان كمريض على سبيل المثال بالأجهزة الإلكترونية، أو كما حدث في ألمانيا نتيجة تأخر الإجراءات أو بسبب اختراقات إلكترونية لبيانات المريض أو ترقية البرامج الطبية، أو غير ذلك، ولنا في هجوم “وانا كراي أو رانزوم وير”(WannaCry) أو فدية مثال على ذلك.
وقد حذر منسق مكافحة الإرهاب جيل دي كيرشوف، في إحاطة سرية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، من أن إرهابيي داعش “قد يرون أن الهجمات على الطواقم الطبية والمنشآت فعالة للغاية، لأنها ستولد صدمة هائلة في المجتمع”، لذا يمكن أن تكون الأنظمة الصحية هي الهدف الأفضل والضحية الأنسب للتنظيمات الإرهابية في هذا الوقت على وجه الخصوص.
هذا إذا ما استبعدنا أي اختراق قابل للحدوث يتم فيه التعرض لأنظمة الدول الأمنية والاستخباراتية والعسكرية في هذا الوقت، أو الهجوم الإلكتروني على تلك المواقع التي تمثل البنية التحتية الحساسة للدول كشبكات المياه والكهرباء أو محطات النفط والغاز أو المواصلات والمصارف وغير ذلك، يضاف إلى ذلك إمكانية تعرض المنشآت النووية أو المنشآت التي يتم فيها تخزين المواد البيولوجية والكيميائية أو حتى التجارية ولكن قابلة للانفجار أو الاشتعال ويمكن استغلالها لإحداث أضرار معينة، وإمكانية تعرضها لمثل هذه العمليات الإرهابية أو الاختراقات الإلكترونية.
وكما نعلم بأن العالم اليوم يعيش ويتنفس بطريقة شبه كاملة على شبكة الإنترنت أو العالم الافتراضي، لذا يرتفع سقف المخاوف والمحاذير الأمنية في هذا السياق، وقد بدأت بالفعل العديد من الدول حول العالم إعادة هندسة خرائطها الأمنية منذ بداية انتشار جانحة كورونا وتحولها إلى البديل الإلكتروني عبر احتياطات أمنية عالية تقوم على رفع مستوى سقف جدران الحماية لديها، واتخاذ كافة الاحتياطات الضرورية لحماية أمنها الوطني من اخطار تعرضها لهجوم إلكتروني في هذا الوقت.
وقد نبهت لمثل هذا النوع من المخاطر والاختراقات الإرهابية الإلكترونية في زمن الكورونا العديد من مراكز الدراسات المتخصصة حول العالم، هذا إذا ما أخذنا في الاعتبار وجود أدلة واضحة على ارتفاع نسبة الهجمات الإلكترونية منذ بداية جائحة كورونا وكذلك نوعيتها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك محاولة استهداف منظمة الصحة العالمية ومستشفى دوسلدورف الجامعي في ألمانيا.
وهنا نطرح السؤال التالي والخاص ببلدنا ووطننا العزيز سلطنة عمان: أين نحن من هذه الأحداث الإرهابية الافتراضية المعاصرة؟ وهل جدران الحماية لدينا عالية وقادرة على حماية أمننا الوطني من مثل هذه العمليات الإرهابية الإلكترونية؟ خصوصا أن السلطنة ـ ولله الحمد ـ قد أصبح لديها مركز متخصص للدفاع الإلكتروني جاء إنشاؤه وفقًا للمرسوم السلطاني رقم 64/2020م.
ماذا لو كان الهجوم الإلكتروني الذي وقع في ألمانيا وقع في أحد مستشفيات السلطنة “لا قدر الله”، الأمر الذي يجعلنا أمام “واقعة هجوم إلكتروني تأكد لاحقا من خلال التحريات والتحقيقات الجنائية وجود قصد القتل من وراءها لمريض، عبر اختراق أجهزة الرعاية الصحية وعلى رأسها أجهزة التنفس الصناعي على سبيل المثال، مع سيناريو هروب المجرم من العقاب، وهكذا نكون أمام واقعة قتل بأداة إلكترونية”، والتي تعد أي هذه النوعية من الجرائم هي الأولى من نوعها حول العالم، وبالتالي تحتاج إلى إعادة نظر في العديد من الجوانب التشريعية والأمنية وغير ذلك.
أو يمكن أن يكون القصد من وراء ذلك الانتقام أو التخريب، هذا بخلاف عمليات الابتزاز الإلكتروني أو ما يطلق عليهم “بالرهائن الافتراضيين” كما قد يحدث هجوم مضلل على الجانب الافتراضي تتعرض له بعض الأجهزة الحساسة في الدولة أو هجوم واسع النطاق يستهدف نظام التحكم بالملاحة الجوية وما يمكن أن يتبعه من هجمات افتراضية أخرى.
إذًا جبهاتنا الوطنية القائمة على حماية الأمن الوطني كاللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وكذلك اللجنة الوطنية لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب ومركز الدفاع الإلكتروني، وغيرها من مؤسسات الدولة الأمنية ستتحمل في الفترة الزمنية القادمة مسؤولية أكبر في الدفاع عن الأمن الوطني، خصوصا في ظل توسع البيئة الإلكترونية أو الافتراضية وتزايد مخاطرها وإمكانية اختراقها، لذلك أدعو إلى مزيد من التوسع الموازي في تعزيز هذه الجبهات بالخبرات المختلفة والعقول الوطنية المتخصصة في مختلف أشكال الأمن، والأدوات والإمكانيات المادية والإلكترونية، خصوصا مجالات الرصد والتحليل والتنبؤ والاستشراف، يضاف إلى ذلك أهمية رفع درجة التأهب والاستعداد والتنسيق الأمني وعلى مختلف المستويات للتصدي لأي احتمال إرهابي في المستقبل “لا قدر الله”.

• حفظ الله عمان الأرض والسكان والقيادة من كل شر، وجنبها القلاقل والإرهاب والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمين.
ـــــــــــــ
مراجع
1 ـ – أنوش سيدتاجية, صحيفة Le Temps السويسرية، تاريخ النشر 18/9/ 2020م، تاريخ الدخول 23/9/2020م. على الرابط: https://www.letemps.ch/economie/premiere-une-attaque-informatique-tue
2 ـ – من أبرز العمليات الإرهابية الإلكترونية النوعية في هذا السياق سرقة الهويات الشبكية للأثرياء

إلى الأعلى