الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / جمال عبد الناصر .. مثقفا «2-2»

جمال عبد الناصر .. مثقفا «2-2»

كاظم الموسوي

.. ورغم ذلك فإن الحياة العملية وضغوط العمل السياسي والهواجس الأمنية والأخطار المتنوعة اشتركت في محنة مثقفين في عهد عبد الناصر. وهذه المحنة سجلت سلبا في تاريخه وزمنه وذريعة لخلفه في تعميقها واستغلالها بالضد من مشروع النهضة المزمع تعبئته وتنفيذه في مصر. ورغم التبريرات أو التفسيرات، فإن هذه الأخطاء كانت من الخطايا التي وصمت فترته وفاته الزمن في معالجتها. مثل ما ذكر الكاتب نقلا عن فتحي غانم، الذي كان عضوا في “التنظيم الطليعي” ووثيق الصلة بمراكز صنع الأحداث، بتناقض حاد في غلبة الهاجس الأمني، “كانت استراتيجية الأمن عنده، أقوى من استراتيجية الثقافة” (ص(24 واعتبر هذا من أخطاء النظام، التي كشفت بعد رحيل الرئيس ناصر، في 28 أيلول/ سبتمبر 1970 وصعود أنور السادات إلى الرئاسة، وبصورة أوضح على الثقافة والمعرفة والتعليم، إثر انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي وعشوائية التطبيق والعمل على عكس ما كان عبد الناصر يمارسه ويعمل عليه.
وتلك فاجعة يعالجها الكاتب في فصول تالية، أبرز فيها رأيه وحاول البحث عن أسباب تضاف إلى ما نشره كثيرون من المتابعين والمنتسبين، أو الضحايا والناشطين، تستند إلى ما حصل فعلا مما سماه بالشروخ الكارثية في معسكر الثقافة الاشتراكية، وصراع عبد الناصر واليسار، ودور الوزير والكاتب الأستاذ محمد حسنين هيكل ومجلة الطليعة ومجموعتها اليسارية. وتحتاج هذه القضية التي أثارها الكاتب ووضع مقدمات لها، وبالإضافة إليها، إلى قراءة موضوعية ودراسة علمية تتم منها الاستفادة من دروس فترتها وعبَر التاريخ وعدم تكرارها أو استمرارها بأشكال أخرى.
يفيد الكاتب أن التيار الاشتراكي في مصر من أقدم التيارات السياسية والفكرية المنظمة، والذي لعب دورا في التعبئة الشعبية لبناء البلد وتطوره وحريته واستقلاله، ومع ذلك، أو لأجله، تعرض خلال تاريخه إلى حملات تصفية وقتل وتعذيب، وهو ما سماه بمحنة مثقفين، وسؤال كبير. “والثابت أن معرفة الرئيس عبد الناصر، الذي تأكدت زعامته الوطنية يومًا بعد يوم بالحركة الشيوعية المصرية، كانت قديمة وليس سرا أن “حدتو” كانت تقوم بطباعة منشورات “الضباط الأحرار” وتسلمها لعبد الناصر من أجل التوزيع..” (ص(48 ورغم ذلك (حيث تذكر هذه القصة بمثيلتها في العراق، حيث أهدى الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل، آلة طابعة، إلى حزب البعث ودرب كادرا له في مطبعة الحزب السرية، وكيف عومل سلام عادل بعد وصول حزب البعث للحكم، أشبه بما حصل لشهدي عطية أو أفظع)! تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فعلى عكس المأمول والمتوقع، تكرر الصدام بين النظام الجديد، والحركة الشيوعية، رغم الأرضية السياسية والفكرية المشتركة وخسر النظام، بل خسرت مصر كثيرا من هذا الخلاف الدامي. (الصفحة نفسها) ويتساءل الكاتب: هل كان هذا الصدام حتميا؟! ويعرف الكاتب أن الإجابة ليست سهلة، ويحتاج الرد الصحيح عليه إلى بحث تاريخي علمي معمق، لكن المؤكد أن هذا البحث له أهمية راهنة بقدر أهميته التاريخية. (ص(49 وما علاقة الصراع بالثقافة؟! سؤال آخر يبين دور الثقافة في هذه القضية التي ربما لم تبحث بعمق.
بالتأكيد هذه القضية ليست للتاريخ فقط بل للحاضر والمستقبل، وهو ما تطرق له الروائي صنع الله إبراهيم في روايته، يوميات الواحات، وإشاراته إلى مذكرات العديد من الشيوعيين الذين واجهوا تلك المحنة ومواقفهم الوطنية التي تؤشر إلى خفايا وراء المحنة، لا يكون الرئيس عبد الناصر بالضرورة وراءها، أو على علم بها، ولكنه مسؤول عنها بحكم موقعه ودوره وثقافته وتحولاته. وحين واجهه أعضاء برلمان أو حزبيون في زيارته ليوغسلافيا بالاحتجاج على استشهاد شهدي عطية الشافعي في السجن، وقالوا له وهو يعلن لهم أن مصر في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية ستتجه إلى نوع من الاشتراكية الديمقراطية فقالوا له كيف تتحدث عن الاشتراكية وأنتم تقتلون قادتها في مصر؟ (تنظر تفاصيل أخرى في رواية يوميات الواحات، ص(231 وهناك روايات عديدة للجريمة والتحقيقات وغيرها موجودة في كتب وملفات منشورة. كما وصف كثير من الكتاب المصريين المعتقلين تفاصيل التعذيب الوحشي، الذي تحملوه، “وقد وصف السيد يوسف في “مذكرات معتقل سياسي” (الهيئة العامة للكتاب، (1999 كيف استوحى القائمون على التعذيب في البداية تجربتهم مع الإخوان المسلمين فأمروا المعتقلين بأن يهتفوا للجمهورية في طابور الصباح وعندما لم يعترض أحد أمروهم بالهتاف بحياة جمال عبد الناصر وترديد نشيد “الله أكبر”. وقد امتنع إسماعيل صبري عن النشيد فتعرض للضرب”. وتطرح قضية استشهاد الشافعي وقضية فرج الله الحلو نفسها بقوة على المشهد السياسي والثقافي والهواجس الأمنية والأخطار، والقوى المتنفذة التي تدير الأمور من خلف موقع الرئيس، واتصالاتها وارتباطاتها المتعددة الولاء والانتماء، وهي خطايا لا يمكن أن تمر دون درس واعتبار، لا سيما من يتابع موقف الشافعي وجماعته من الثورة وجمال عبد الناصر يتفاجأ مما حصل له وكيف حدث. وهذه قضية كما ذكر الكاتب في قراءته راهنة مثلما هي من التاريخ، ولا بد من زيارة موضوعية لها ولما يربطها بمثيلاتها في مصر أو خارجها، بنزاهة فكرية وأيديولوجية وحتى عاطفية. ولكن تظل صورة الملايين في وداع عبد الناصر معبرة عن “يقين أنه أخلص لوطنه فاحتفظ له الشعب بمكانه الخالد في سويداء القلب، اختلفوا معه حول قضايا واجتهادات لصالح الوطن والناس، لكنهم لم يسيئوا الظن أبدا به وبأحلامه. كان وطنيًّا عظيمًا، عاش ومات من أجل قضية بلاده، أخفق وأصاب، لكنه كان باستمرار صاحب بوصلة صحيحة”. (ص(57
توفي عبد الناصر عن عمر قصير، لم يمهله زمنه، لا سيما بعد أن جرب وتعرف على منهج يقوده إلى بناء بلده وعمرانه وتنمية شعبه، (وكذلك هناك روايات عن الرحيل). ومثلما فاجأت وفاته أو قطعت سلسلة تطوره العام وبروزه القيادي، فإن تذكره من هذه الزاوية تفتح أهمية الثقافة في مشروع القيادة والقرار والنهضة المنشودة. وهنا الدرس والخبرة في هذه الدروس التي استخلصها من رواية توفيق الحكيم، وتجارب حركة التحرر الوطني والتحولات التاريخية في الفكر والسياسة وقيادة الشعب والوطن والأمة.

إلى الأعلى