الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / العودة للمدارس .. بين الاطمئنان وبواعث القلق

العودة للمدارس .. بين الاطمئنان وبواعث القلق

محمد عبد الصادق

أسابيع قليلة تفصلنا عن بداية العام الدراسي؛ وما زالت إصابات “كورونا” في ازدياد، وازداد معها قلق أولياء الأمور على صحة أبنائهم، وبدا كثير منهم متخوفا من وجود أبنائهم على مقاعد الدراسة في فصول مغلقة؛ رغم إعلان وزارة التربية والتعليم عن خطتها الهجين التي تعتمد على تقليل الكثافات وتقسيم الطلاب إلى مجموعات تتناوب الحضور أسبوعا في المدرسة وأسبوعا في المنزل للتعليم عن بعد، وبواعث القلق مصدرها صعوبة السيطرة على الطلاب خصوصا صغار السن، وموقفهم من ارتداء الكمامة ومراعاة التباعد وغسل اليدين.
مع عودة الدراسة في الدول حول العالم، بدأ منحنى “كورونا” في الصعود، وإن لم تظهر إصابات ذات قيمة بين طلاب المدارس حتى الآن، وكانت أغلب الإصابات بين العائدين من إجازات في الخارج، أو بسبب الحفلات والتجمعات على الشواطئ والنوادي الليلية وأماكن الترفيه التي تم فتحها. ومن بين 60 ألف مدرسة فتحت أبوابها في فرنسا مطلع سبتمبر الحالي، أغلقت 22 مدرسة بعد ظهور إصابات “كورونا” بين معلميها أو طلابها وعاد معظمها للعمل بعد عزل المصابين والمخالطين وخضوعها للتعقيم والتطهير وفق البروتوكول الصحي المتبع هناك.
اتفق معظم خبراء التربية على ضرورة العودة للمدارس مع أخذ الإجراءات الاحترازية، وأكدوا أن التعليم عن بُعد لم يكن بديلا جيدا للتعليم المعتاد، فقد أظهر استطلاع أجري مؤخرا في ألمانيا أن الوقت الذي يقضيه الطلاب في المدرسة وفي أداء الواجبات المنزلية انخفض من 7.4 ساعة في السابق إلى 3.6 فقط في اليوم بعد تطبيق التعليم عن بُعد، بينما زاد الوقت الذي يهدره الطلاب في مشاهدة التلفاز وألعاب الحاسوب والهاتف النقال ليصل إلى 5.2 ساعة يوميا، ولم يجد الاستطلاع فارقا كبيرا بين الطلاب الذين يتمتع آباؤهم بقدر عالٍ من التعليم وأولياء الأمور الأقل تعليما، في توفير بيئة تعليم منزلية مناسبة، فالجميع تراجع مستواهم التعليمي بشكل حاد، كما أظهرت الدراسة أن الطلاب الذين كان مستواهم الدراسي ضعيفا في المدرسة قبل “كورونا” ازداد مستواهم الدراسي تدهورا، وأصبحوا يقضون مزيدا من الوقت في اللعب بدلا من الدراسة مقارنة بأقرانهم الذين كان أداؤهم الدراسي مرتفعا.
يحدث هذا في أوروبا والدول المتقدمة، فما بالنا بالوضع في الدول النامية الأقل دخلا وإمكانيات، ويفتقد معظمها للبنية الأساسية اللازمة لتوفير الإنترنت والاتصالات. هناك تخوف من أن يؤدي عدم العودة للمدارس إلى زيادة التسرب من التعليم أو وصول الطالب للمرحلة الثانوية وهو لا يجيد القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، نتيجة غياب الاختبارات الجادة التي تقيس مستوى الطلاب وتخضع للمراقبة في المدرسة واستبدالها ببحوث أو اختبارات إلكترونية في المنزل عن بُعد، يصعب السيطرة على سلوك الطلاب خلالها ومنعهم من الغش، ويتم انتقال الطلاب للصفوف الأعلى بشكل جماعي دون تقييم حقيقي.
كما يحذر التربويون من الارتكان للتعليم عن بُعد واستسهال بعض الدول اللجوء إليه بدلا من مواجهة “كورونا” على الأرض مع اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، ووضع جدول زمني محدد للتعليم عن بُعد، مع ضرورة تعويض الطلاب عن المناهج الدراسية التي ضاعت عليهم خلال الفترة الماضية، وإلا ستكبر الفجوة الدراسية معهم، ويتضرر مستقبلهم بشكل خطير يصعب علاجه.
منظمة الصحة العالمية أيدت العودة للمدارس، لما فيه من فوائد على الصحة الجسدية والنفسية للطلاب، مع تأكيدها ضرورة تطبيق إجراءات صارمة من أجل الحد من انتشار الفيروس، وتخطيط المدارس لاحتمال إصابة طلابها ومعلميها أو موظفيها بالفيروس، وأن تكون مستعدة للتعامل مع أي طارئ، دون ارتباك أو هلع يؤدي لإغلاق المدرسة دون داعٍ، بتحديد عدد الإصابات التي تستدعي إغلاق الصف والإصابات التي تستلزم إغلاق المبنى، حتى الوصول للحالات التي تستدعي إغلاق المدرسة بالكامل ومدته وطريقة المتابعة المنزلية، ومدة بقاء الطلاب في المنزل وكيفية استئناف الدراسة.
على أولياء الأمور التحلي بالمسؤولية ورباطة الجأش في مواجهة أزمة “كورونا”، والتعاون مع إدارة المدرسة في حماية أبنائهم من المؤثرات الخارجية التي قد تنقل إليهم العدوى، ومراقبة الحالة الصحية لأبنائهم وعدم المجازفة بإرسالهم للمدرسة بمجرد ظهور أي أعراض؛ حتى لو كانت خفيفة، وتجنب الزيارات والتجمعات العائلية، وتوفير الهدوء والبيئة الدراسية المناسبة داخل المنزل، وأخذ التعليم عن بُعد بالجدية والاهتمام اللازمين، حتى تمر هذه الأزمة وتعود الأمور لطبيعتها.

إلى الأعلى