الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / عائلتك.. حيث تبدأ الحياة
عائلتك.. حيث تبدأ الحياة

عائلتك.. حيث تبدأ الحياة

د. يوسف بن علي الملَّا:
العلاقات الأسرية هي نظام متكامل يتكون من أفراد الأسرة، فإذا كان هناك اتصال ضئيل أو معدوم بينهم يحدث خلل كبير في هذا النظام ويضعفه، ويجعله عرضة للعديد من المشاكل والاضطرابات النفسية، والتي يكون فيها الأطفال هم أوائل الضحايا.
في الواقع، يتعلم الأطفال أولًا العلاقات مع عائلاتهم، وهكذا تمضي المسيرة فتقدم تلكم العائلات نموذجًا يبدؤون منه في اكتشاف كيفية بناء العلاقات طوال حياتهم. وهكذا فالأطفال الذين لديهم نموذج من العلاقات الصحية من عائلاتهم أكثر قدرة على إقامة هذه العلاقات خارج أسرهم مع الأطفال وغيرهم من البالغين في حياتهم. ولعلَّه من الجيد التفطُّن إلى أنه عندما يتعلم الأطفال مهارات بناء العلاقات الإيجابية يمكنهم ممارسة هذه المهارات مرارًا وتكرارًا أثناء مقابلة أشخاص جدد.
ومع ذلك، فإن عائلاتنا تحمل تاريخنا معهم ويشاركون مستقبلنا بشكل عام أيضًا. حقيقة من هو أفضل من الأشقاء والآباء والأقارب الآخرين الذين يمكنهم تذكيرنا بطفولتنا أو تذكيرنا بأجزاء من أنفسنا قد نسيناها؟ وبلا شك هذه العلاقة مع الذكريات العزيزة، والدعم في أوقات الحاجة والحب غير المشروط هي طريقة فريدة تجعل الأسرة تمنحنا السعادة وتزيل التوتر.
وبالضبط ما أود أن أعبر عنه هنا، أن الروابط الاجتماعية لا تمنحنا فقط مثل هذه المتعة والسعادة، ولكنها تؤثر أيضًا على صحتنا على المدى الطويل بطرق تتميز بقدر كبير من النوم الكافي ونظام غذائي جيد، على سبيل المثال. حيث أظهرت عشرات الدراسات أن الأشخاص الذين يتلقون دعمًا اجتماعيًّا من العائلة والأصدقاء ومجتمعهم يكونون أكثر سعادة، ويعانون من مشاكل صحية أقل ويعيشون لفترة أطول. ومع ذلك، فإن التحدي الرئيسي في حياتنا المزدحمة هو الوجود والبقاء الحقيقي في علاقاتنا مع أحبائنا، وهذا جليٌّ في كثير من الأحيان، فغالبًا ما يندفع الناس إلى الشيء التالي أو ينجرفون طوال اليوم بحياتهم وكأنَّ الشخص طائرة يسيِّرها الطائر الآلي، متناسيًا تقدير الأشخاص المهمين في حياتهم، فماذا عن أقرب الأقارب أو حتى والديهم؟!
ونظرًا لأن هذا يمس حياتنا بعمق، فإن الحفاظ على العلاقات الأسرية الصحية أمر بالغ الأهمية في كل وقت، فكيف بهذه الفترة من الجائحة وتداعياتها. بالنسبة لكبار السن، فإن زيارة أفراد الأسرة الآخرين يكسر رتابة ما قد يكون يومًا عاديًّا. وبشكل عام، سواء كانت الزيارات تستغرق وقتًا قصيرًا أو ربما تستغرق فترة ما بعد الظهر بأكمله، فإن الوقت الذي تقضيه معًا يمكن أن يعني العالم لكبار السن (مع الأخذ بالإجراءات الاحترازية في أيامنا هذه من جائحة كورونا)، إضافة إلى التواصل بين الفينة والأخرى ولو بالاتصال مثلًا، ولعلَّه الأمثل حاليًّا. وبلا شك تمنح هذه الأحداث كبار السن شيئًا يتطلعون إليه، مما يساعد على زيادة إحساس كبار السن بأهميته ومعنى الأسرة الحقيقي وتقليل مشاعر العزلة. من ناحية أخرى يمكن لأفراد الأسرة الذين يعيشون بعيدًا المساهمة عن طريق كتابة الرسائل وإرسال الصور والاتصال بكبار السن بشكل متكرر، كما ذكرنا آنفًا، فتوفر هذه الأوقات الفرصة لأفراد الأسرة وكبار السن لتقوية علاقاتهم وحبهم واحترامهم لبعضهم البعض.
وعلى الرغم من أن العلاقات الأسرية الجيدة والدعم الاجتماعي يعملان كعوامل وقائية ضد مخاطر الوفيات وتحسين الصحة العامة، فقد أظهرت الدراسات أنه ليست كل العلاقات الأسرية لها تأثير إيجابي على الصحة. ناهيك أن مشاكل الأسرة، والتفاعلات غير الداعمة من أبناء أو أعضاء الأسرة له تأثير سلبي على الصحة. فهيكل الأسرة والقدرة على التعاطي مع مشاكل الأسرة الصغيرة مثلًا، والتعاضد فيما بينها يخلق تأثيرا مباشرا على مسار حياة الطفل أو ربما حالته النفسية مستقبلًا. بطبيعة الحال هناك قدر كبير من الأبحاث التي توثق العديد من المتغيرات العائلية التي تؤثر على النتائج الصحية للطفل. على سبيل المثال، يرتبط التحكم الكافي في مرض السكري والربو ارتباطًا وثيقًا بوظائف الأسرة الصحية وتفاعلها، وبالتالي الصراع الأسري المزمن وعدم المبالاة الأبوية كلها مثلًا مرتبطة بضعف التحكم الأيضي في مرض السكري.
خذ الأمر على هذا النحو، إحاطة نفسك بكل علاقة لن تجعلك خالدا، لكنها ستبقيك على قيد الحياة لفترة أطول، حيث بيَّنت دراسة أن كبار السن الذين تربطهم علاقات أوثق وأكثر قوة مع عائلاتهم لديهم احتمال 6٪ للوفاة خلال السنوات الأربع القادمة، بينما أولئك الذين لم يكونوا قريبين لديهم أكثر من ضعف معدل الوفيات عند 14٪. ومن هنا أعتقد أن الزواج ـ بغض النظر عن جودة العلاقة ـ كان له آثار إيجابية على طول العمر.
من هنا يبدو لي جليًّا أن الحفاظ على جميع أفراد الأسرة معًا هو هدف معظم العائلات. فإذا كانت عائلتك يشوبها جو غير صحي من العلاقة أو الارتباط، أو انتهى بها الأمر إلى الجدال أو عدم الرغبة في فعل الأشياء معًا، فيمكنك تحسين العلاقات وتقويتها من خلال منح الجميع فرصة متساوية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم. ولعلك معي في أن العلاقات الأسرية تتميز بالرعاية المتبادلة، حيث يتم رعاية المسنين من قبل أبنائهم وأحفادهم، وهكذا بالنسبة لكبار السن في دور الجد فيرعى أحفاده، فنعي هنا أشكالًا وممارسات متعددة للتضامن بين الأجيال مع الوقت.
في النهاية، قد تكون أسعد لحظات حياتك قليلة، لكنها كانت رائعة، خصوصًا عندما عشت في المنزل في حضن عائلتك.

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

إلى الأعلى