الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / قاتل ولكنه غير متهم!!
قاتل ولكنه غير متهم!!

قاتل ولكنه غير متهم!!

نجوى عبداللطيف جناحي:
القتل جريمة بشعة تعاقب عليها جميع الشرائع السماوية والوضعية، ولكنني أعجب من مجتمع لا يُجرم فيه القاتل، أعجب من مجتمع يشجع أبناءه على القتل كل يوم حتى يصبح القتل عادة من عاداتهم اليومية، ويا لهف نفسي على المقتول، فهو ذلك المجني عليه الذي لا يصرخ ولا يدافع عن نفسه، وكأنه يتحدى سكين القاتل، ولم لا يتحدى؟!!! فالمقتول جزء من القاتل!!!
فكثير منا لا يتردد في قتل وقت فراغه!!!! وكثير من الأهل ينصحون أبناءهم بقتل وقت فراغهم!! عجبي منك أيها القاتل، ألا تعلم أن الوقت جزء من عمرك، فكيف تهدره؟ ألا تعلم أن الوقت هو حياتك، فكيف تضيعه؟ فالبعض يعتبر أن دوره في الحياة يقتصر على أدائه خلال وقت الوظيفة فقط، أما الوقت الذي يكون خارج الوقت الوظيفي فهو وقت فارغ يجب قتله. والمشكلة أن الوقت الفارغ بالنسبة لهم ليس بعد وقت الوظيفة فقط، بل وحتى الوقت المتبقي من الحياة بعد التقاعد، فتجدهم يتفننون في قتل هذا الوقت الفارغ، فتفرغ نفوسهم، وتفرغ أيديهم من العطاء والإنتاج، ليتحولوا لأناس مستهلكين لا منتجين، ولك أن تتخيل مجتمعات بأسرها أفرادها مستهلكون لا منتجون يقضون معظم ساعات حياتهم في مرح ولهو وتسالٍ، تراهم عندما يعودون من الوظيفة أو يتقاعدون عن العمل يقضون وقتهم الطويل على طاولة المقاهي، أو يتسكعون في المجمعات التجارية أو على عتبات البقالات، أو أمام شاشات الهاتف أو التلفاز مضيعين أوقاتهم في لهو لا يعود عليهم ولا على أسرهم ولا على وطنهم بالفائدة، وما أن تنصحهم حتى يواجهوك بدفاع محموم مبررين تصرفاتهم بأنهم يقتلون وقت فراغهم!!! عجبي لم تقررون قتل وقت الفراغ؟ لمَ لمْ تُفكروا في استثماره، والاستفادة منه في إنجاز يعود عليكم وعلى أسرتكم ووطنكم بالنفع؟ عجبي لم تظنون أن الإنتاج والعطاء يكون خلال وقت الوظيفة فقط؟ فهناك مجال للعطاء خارج وقت الوظيفة، سواء بعد ساعات العمل أو خلال فترة التقاعد، فاجعل لنفسك هدفا آخر تجتهد لتحقيقه خارج الوظيفة، تخطط له، وتتدرب لتزيد من إتقانك، وتطور من أدائك، لتصل إلى التألق والنجاح، فلا تقتصر خطط النجاح بالنسبة لك على الوظيفة، كأن يكون لك اهتمام بأحد مجالات الفنون، سواء في الأدب أو الشعر أو الخط العربي أو الرسم، أو مهارات الحاسوب أو التصوير أو غيرها فتبدع في أحد هذه المجالات ويكون لك إنتاج يضيف للمكتبة العربية، ويضيف في هذا المجال، فتشارك في المحافل المختصة بها فتبرز وتتألق، أو أن يكون لك مشروع إنتاجي في إطار اهتمامك وهوايتك، كالتصوير أو التصميم الإلكتروني أو الزراعة أو الصيد البحري، أو الحرف اليدوية بأنواعها، أو غيرها فتنشط في هذا المجال، وتسوق لإنتاجك ليزيد من دخلك وربما تحقق نجاحا يدر عليك دخلا يفوق دخل الوظيفة، أو أن يكون لك خطة لحفظ القرآن الكريم وإتقان تجويده أو غيرها من الخطط، ومن هنا لن تضطر لقتل وقتك أو بتعبير آخر لقتل جزء من عمرك.
ولا نعني بكلامنا هذا أن يكون لك هدف آخر غير الوظيفة أن تقصر في عملك أو تقلل من اجتهادك وإبداعاتك في وظيفتك، ولا نعني بكلامنا هذا أن نقضي العمر في الجد والاجتهاد والعمل والقراءة، ولا نروح عن أنفسنا، فمن لا يعرف فن الراحة لا يعرف فن العمل، بل علينا أن نخصص ساعات للمرح واللعب والرياضة، واللقاءات مع الأصدقاء وغيرها من وسائل الترفيه، ووقتا نقضيه في صلة الرحم، ونقوم بواجباتنا تجاه الأهل، فنحن أمة تعطي كل ذي حق حقه، لكننا نعيب على من يقضي معظم ساعات يومه في الترفيه، وبمعنى آخر أن نقضي غالبية عمرنا في اللهو، فيطغى الترفيه على الإنتاج والعطاء، في حين أن الأصل هو أن يقضي الإنسان عمره في جد واجتهاد وقليلا من الترويح، ألم يستوقفك قوله تعالى في سورة البلد (ولقد خلقنا الإنسان في كبد). وحذارِ ثم حذارِ أن تصاحب الكسول الذي يجرك لجلسات المقاهي والمجالس لتقعد متكاسلا ساعات وساعات خلال اليوم، حذارِ من مصاحبة من لا هدف له في حياته، فغايته في هذه الدنيا المتعة والراحة، فمصاحبة الكسول يجرك للسير في درب البلادة، فقد قال الشاعر أبو بكر الخوارزمي:
لا تصاحب الكسلان في حالاته
كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة
كالجمر يوضع في الرماد فيخمد
بل عليك بمصاحبة الطموح ذي الهمم، ذي اليد المنجزة فيشجعك على الاجتهاد، ويزيد من همتك، قل لي بربك بيد من تبنى الحضارات؟! وبيد من تقوم الأمم؟! فإن عجزت أيدي الشباب عن البناء فقل وداعا لأمة أضاع مجدها أبناؤها.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري
najanahi@gmail.com
@Najwa.janahi

إلى الأعلى