الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / وداعا صباح الأحمد .. أحد قادة العرب العظام

وداعا صباح الأحمد .. أحد قادة العرب العظام

محمد عبد الصادق

بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجازات لوطنه وأمته العربية والإسلامية، رحل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بعد مسيرة عملية مشرفة استمرت قرابة سبعة عقود, اقترن اسم الراحل العزيز خلالها بالوطنية والنزاهة والإخلاص والانحياز لقضايا وطنه الكويت، وإعلاء مصلحة شعبه فوق كل اعتبار.
كان الفقيد الراحل أحد حكماء الخليج العظام الذين بذلوا قصارى جهدهم من أجل دعم واستقرار دول الخليج العربي، وكان أحد المشاركين في تأسيس مجلس التعاون الخليجي في العام 1981م، ولعب دورا محوريا في كافة الأحداث والتحديات التي واجهت دول المجلس على مدار الأربعين عاما الماضية.
وقاد رحمه الله جهود المصالحة الخليجية، وحاول قدر استطاعته رأب الصدع الذي طرأ مؤخرا على البيت الخليجي، وظل يتمتع باحترام وثقة الشعوب الخليجية التي علقت عليه آمالها في الحفاظ على العلاقات الخليجية وإعادتها لسابق عهدها، ونالت جهوده الكريمة الاحترام والتقدير من القادة الخليجيين وجميع قادة العالم.
نال الفقيد الكبير لقب “عميد الدبلوماسيين العرب” وذلك لتوليه منصب وزير الخارجية لدولة الكويت الشقيقة لمدة أربعة عقود، بعد استقلال الكويت عن بريطانيا وعقب فترة قصيرة تولى فيها منصب وزير الإعلام؛ عاصر خلال توليه وزارة الخارجية الكويتية الأحداث الجسام التي مرت بها المنطقة الخليجية والأمة العربية، منذ نكسة يونيو 1967م، وشارك في مؤتمرات القمة العربية المتتالية، وكان له مواقف مشهودة في الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعم دول المواجهة مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973م، ومساندة الجهود العربية لدعم المجهود الحربي لمصر وسوريا، وشاركت الكويت في حظر النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل في عدوانها على الدول العربية آنذاك.
رحل الشيخ صباح الأحمد عن دنيانا عن عمر ناهز 91 عاما، خدم خلالها بلده الكويت في مختلف المناصب القيادية كوزير ورئيس للوزراء، حتى تولى مسؤولية الحكم أواخر يناير 2006م، عقب وفاة الأمير الراحل جابر الأحمد الصباح وتنازل ولي العهد السابق سعد العبد الله الصباح بسبب المرض، ويحسب له تفانيه في خدمة شعبه وأمته ومواقفه المتوازنة التي أتاحت له التعاطي مع الملفات الساخنة والأحداث العضال التي تعرضت لها الكويت منذ الغزو في العام 1990م، مرورا بمرحلة إعادة البناء وعودة الكويت لتبوؤ مكانتها وموقعها العربي والدولي بعد هذه التجربة المريرة.
نال الفقيد الراحل مكانة فريدة على المستوى الدولي وكرمته الأمم المتحدة في العام 2014م بلقب “قائد العمل الإنساني”، كما تم اختيار الكويت مركزا للعمل الإنساني، تقديرا من المنظمة الدولية لجهودها وأميرها في خدمة الإنسانية، فتحت قيادة الصباح قدمت الكويت يد المساعدة لكافة الدول الفقيرة في إفريقيا وآسيا، وكانت سباقة في مساعدة الدول النامية في تمويل خططها التنموية، والتعاون مع كافة الجهات المانحة ومؤسسات الإغائة العربية والإقليمية والدولية لدعم جهود الإغاثة والتنمية حول العالم خلال العقود الماضية.
عمل الأمير الراحل على أن تظل الكويت واحة أمن وأمان، ونأى بها عن الصراعات واحتفظ بعلاقات جيدة مع الجميع في منطقة مضطربة، وحاول جاهدا تهدئة الجوار وكبح جماح ما يطرأ من توترات وحل الخلافات بالحسنى بين الأشقاء والأصدقاء عن طريق التفاهم والحوار بلغة هادئة، بعيدا عن التهديد أو الاستقواء.
سخَّر الفقيد خبراته التي اكتسبها خلال مسيرته الممتدة، في دعم التنمية والإصلاح وتعزيز الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل، والحفاظ على مستوى مرتفع من الرفاهية ومستوى المعيشة المرتفع لشعبه، وعمل على أن تظل الكويت “درة الخليج” .. وموئلا للحرية والديمقراطية والتعددية، واحترام الرأي والرأي الآخر، ومنارة للثقافة والتنوير في محيطها الخليجي والعربي والإسلامي.
وعلى مدار تاريخه كان للمرأة الكويتية مكانة خاصة لدى الأمير الراحل، ومنحها رعاية خاصة منذ كان رئيسا للوزراء، وسعى جاهدا لإعطائها حقوقها السياسية والمدنية والاجتماعية، وعندما كان مسؤولا عن التعديلات الخاصة بقانون الانتخاب في العام 2005م، منح المرأة الكويتية حق الانتخاب، ومن ثم حق الترشيح للمجالس النيابية، وبفضله استطاعت المرأة الكويتية التواجد تحت قبة البرلمان، وأصبح لها تأثير فاعل في الرقابة والتشريع، ومناقشة القضايا الوطنية، كما شغلت المرأة الكويتية عدة حقائب وزارية، وأثبتت جدارتها في مناصب دبلوماسية عديدة، ومثلت بلدها في المحافل الدولية خير تمثيل.
رحم الله الفقيد الغالي وأسكنه فسيح جناته، وألهم الشعب الكويتي الشقيق الصبر والسلوان، ووفق خلفه سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح في السير بالكويت الحبيبة إلى بر الأمان.

إلى الأعلى