الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / رحل أمير الإنسانية «1 ـ 2»

رحل أمير الإنسانية «1 ـ 2»

د. رجب بن علي العويسي

رحل أمير الإنسانية ورجل المبادئ، رحل الدبلوماسي الحاذق والأمير الإنسان صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة، مترجلا عن جواد الحياة وقد عمر الأرض بأخلاقه، وسما في القلوب بصفاته، بعد رحلة ثرية زاخرة ملؤها العطاء والسلام والحب والتنمية والصداقة والأخوة، فأحبه الجميع وآمن بمنهجه المخلصون في هذا العالم، فما أصعبه من فراق، وما أفجعه من خبر، وأظلمه من مساء، وأغشاه من حزن، سائلا الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يربط على قلوبنا ويجبر خاطرنا بفقده.
لقد تولى الشيخ صباح الأحمد الصباح مقاليد الحكم في الكويت الشقيقة في التاسع والعشرين من يناير من عام 2006م، حاملا رصيدا زاخرا وخبرة ثرية في العمل السياسي الوطني، وتقلد مناصب عديدة وحقائب وزارية لها حضورها في واقع البلاد وتطورها ونهضتها، وفي ظل هذه المرحلة العصيبة التي تعيشها الأمة والأحداث المتوالية التي باتت تؤثر سلبا على استقرار المنطقة وزيادة التدخلات الخارجية في أمنها وسلامها، وما تركه عام 2020 المشؤوم من مآسٍ وأحزان لنا نحن العمانيين بوفاة سلطان القلوب والسلام جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ لنفجع اليوم برحيل أمير الإنسانية ليترك جرحا آخر في هذه الأمة بما منحه للبيت الخليجي من حياة جديدة عملت على المحافظة على وجوده، والاستمرار في بنائه وصقله، وتعزيز مسيرة التعاون والتآلف، وتأصيل روح الانتماء في العمل الخليجي المشترك، رغم حالة الاهتزاز التي أصابته، والانكسار الذي لحقه والظروف الغامضة التي باتت تعيشها بلدانه، إلا أنه التزم نهج التصافي وتحقيق التآلف ورسم الابتسامة وإصلاح ذات البين وردم فجوة التباعد وحالة الانكسار، وتقريب وجهات النظر ليعيش أبناء الخليج والعالم حياة السلام والتنمية.
وها هو البيت الخليجي يفقد اليوم أحد أركانه العظام وأعمدته الكبار وعمالقته الذين رسموا للحياة نهجا جديدا وأعادوا إنتاجها في ظلال التنمية والسلام لترفرف على العالمين وتنتزع كل مسببات القلق والخصام، ليترك رحيله بصمة حاضرة لن تُنتسى في فكر الأجيال، وستظل تذكرهم بها عطاء غير مجذوذ وعملا متقبلا غير منقوص، لقد نقل خلالها البلاد إلى مرحلة القوة الداخلية في تعزيز دور البرلمان والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وترقية العمل البرلماني الداخلي من خلال مجلس الأمة، وتمكينه من ممارسة صلاحياته الرقابية والتشريعية في ظل دولة العدل والمساواة والسلام والتنمية والقانون ودولة المؤسسات والحرية المكفولة بالقانون، وفي الوقت نفسه عمل على تعزيز علاقة الكويت بالعالم المحب للسلام والتنمية والصداقة على أساس العدل والمساواة وحق الشعوب في تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ونشر الحوار والسلام باعتباره طريق الشعوب في رأب الصدع وتكميم الخلافات وإضعاف أثرها، والعمل المشترك مع العالم المحب للسلام لترفرف راياته للعالمين وتعيش الإنسانية روحا متفائلة بقادم جديد.
لقد وضع الكويت العظيمة في مصاف الدول التي تنشد التطوير والتقدم في مختلف المجالات وأسبغ على الشعب الكويتي الشقيق كرمه وحلمه وروحه وابتسامته وصفاء قلبه ورقي فكره معززا مسيرة الأمن والتنمية والتطوير والتحديث، مؤصلا روح العدالة بين أبناء الوطن الواحد والشراكة التي أسهمت في تحقيق مساحات أكبر للحوار المشترك الذي عزز اللحمة الداخلية، وأماط اللثام عن الكثير من التحديات وعبر مشاركة وطنية هادفة لنهضة البلاد واستقرارها وتنميتها، وتمكين مواطنيها من العيش في ظلال الأمن والسلام والتنمية.

إلى الأعلى