السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / ليس فقيد الكويت وحدها

ليس فقيد الكويت وحدها

خميس بن عبيد القطيطي

فقدت الكويت وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية قائدا كبيرا نظر إليه العالم نظرة احترام وتقدير، فهو من القادة الحكماء في هذا العصر، والشيخ صباح سجل للتاريخ مواقف عظيمة اتسمت بالحكمة وبُعد النظر وعمق البصيرة وبروح عربية إسلامية حريصة على وحدة الأمة وقضاياها المصيرية، وبالتالي فإن الفقيد الراحل لم يكن للكويت وحدها فحسب، بل فقيد الأمتين العربية والإسلامية، فقد عمت مساعيه الخيرة كل الدول والشعوب .
ففي الوقت الذي فرضت فيه السياسة الدولية هيمنتها على المنطقة بقي الصباح نجما زاهرا واسما عظيما، حمل كل معاني الجمال والاطمئنان والآمال المشرقة، فرحم الله صباح الأحمد وجعله في روح وريحان وجنة نعيم.
عندما نراقب كمية المشاعر المتدفقة من قبل أبناء الشعوب العربية ـ ونحن جزء منها بلا شك ـ يتبين لنا كمراقبين للمشهد عظمة هذا الفقيد، فقد طغى ألم الفراق والرحيل على المشهد الاجتماعي العربي والخليجي على وجه الخصوص، فالشيخ صباح لم تشيعه الكويت وحدها، بل شيعه الملايين من أبناء الأمة العربية لما يمثله من مركزية وثقل على الساحة العربية والخليجية، فهو يمثل آخر لآلئ وجواهر العقد الخليجي، وأحد أعمدة الرعيل الأول في منطقة الخليج.
لم يحمل الشيخ صباح لقب أمير الإنسانية إلا أن هذه الصفة تجلت في حياته وممارساته الخيرة، في محياه وفي أسلوب حكمه وفي تعاملاته الشخصية لذلك أحبه الجميع ونعاه الجميع، وبرحيله تفقد المنطقة زعيما كبيرا أحدث فقده ألما في القلوب، كيف لا؟ وهو ذلك الإنسان الذي تتقدمه ابتسامته ولطائف سيرته، فظل طوال حياته موسوما بهذه الصفات التي أكرمه الله بها حتى يوم رحيله، وهذه من نعم الله على عباده وكراماته سبحانه للرجال المخلصين المصطفين الأخيار. وبرحيله في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر عام ٢٠٢٠م يكون الشيخ صباح آخر حكماء الرعيل الأول في منطقة الخليج والمنطقة العربية، ولا غرابة أن تشتعل وسائل التواصل الاجتماعي تنعى هذا الفقيد الكبير .
نحن في سلطنة عمان نرتبط بعلاقة استثنائية خاصة مع الفقيد الراحل نظرا لارتباطه الكبير بعمان وزياراته المستمرة للاستجمام في استراحته على بحر العرب بمحافظة ظفار، حيث تعتبر هذه المنطقة بمثابة الاستجمام له يلتقي فيها مع كل شرائح المواطنين ببساطته المعهودة، كما أن العلاقة العميقة مع جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ شكلت عمقا شعبيا وارتباطا اجتماعيا ومحبة له بين أبناء الشعب العماني، بل إن العمانيين وكغيرهم من أبناء المنطقة يدركون الأدوار الجليلة التي قدمها الشيخ صباح من أجل وحدة الخليج وخصوصا في إبعاد شبح التوترات بين الأشقاء بدول مجلس التعاون الخليجي، وقد استطاع الشيخ صباح فعليا توظيف تلك الاستثنائية والمكانة والشخصية والدبلوماسية والحكمة في لملمة التشظي السياسي في منطقة الخليج والذي عكر المزاج الشعبي قبل الرسمي في السنوات الأخيرة، واستطاع الشيخ صباح درء مواجهات كانت قاب قوسين أو أدنى من اشتعالها بين الأشقاء، فجزاه الله خير الجزاء بما أسهم من جهود في حقن دماء الأشقاء، ولم يكن لها إلا الصباح الذي تنشرح القلوب بلقياه ويعبق الجو بمحياه، عليه رحمة الله .
العرب سيتذكرون موقف الكويت الصامد ضد التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي رغم كل الضغوطات، بقيت الكويت ثابتة كمدرسة عربية حافظت على نهجها القومي الثابت، متكئة على إرث من المبادئ العربية الأصيلة، وذلك بالوقوف مع القضية الفلسطينية، فلم تفلح كل الضغوطات ولم تجرؤ بعض القوى الدولية فرض نفوذها على الكويت لدوران عجلة التطبيع في المنطقة، وهذا ليس غريبا على الكويت لأنها تحمل أمانتها التاريخية تجاه قضايا الأمة، ولأن شخصية الصباح كانت صمام الأمان نظير مواقفه الثابتة ولما يمتلكه من ثقل دبلوماسي وخبرة في التعامل مع مختلف القضايا الدولية، كما يحسب للشيخ صباح أيضا ربط مصالح بلده بمختلف الاتجاهات الدولية فلم يختزل علاقات بلده في محور واحد توخيا للسلام وحفاظا على السيادة الوطنية، بل ربط بلاده بعلاقات جيواستراتيجية مع العملاق الصيني من خلال شراكة اقتصادية كبيرة وهذا يعتبر استشرافا للمستقبل، لذلك بقيت الكويت رقما مهما وصعبا في نموذجية العلاقات الدولية، وهذا النهج الحصيف الذي بناه الشيخ صباح مهندس الدبلوماسية الخليجية خلال (٥) عقود لا شك سيمثل إرثا مهما للسياسة الكويتية خلال السنوات القادمة .
اليوم يرحل أمير الإنسانية ونقول هنيئا لمن أحبته جميع الشعوب وسار على نهج قويم وحكم رشيد، فملأ حياته بالخير، وتبدى على محياه الإيمان، وسبقته سيرته العطرة إلى دار البقاء، فهنيئا لك يا صباح الخير، وجمعنا الله بك في مستقر رحمته وفسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون.

إلى الأعلى