السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: رحل أمير الإنسانية (2 ـ 2)

في العمق: رحل أمير الإنسانية (2 ـ 2)

د. رجب بن علي العويسي

لقد قدم صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للكويت كل ما يملك: وقته وجهده وصحته وعافيته فداء لوطنه وللإنسان الكويتي الذي أحبه وتعزيزا لمسيرة البناء والتنمية الداخلية في الكويت، في حكمة بالغة وعقلية متزنة وروح إنسانية ضمنت أن يعيش العالم حياة جديدة ملؤها السلام، لذلك لم يكن مفهوم أمير الإنسانية الذي أطلقته شعوب العالم وقياداته الواعية بما حمله سمو الأمير الراحل من مبادئ ومنهج واستراتيجيات ورؤية ورسالة للكويت والعالم أجمع إلا نتاجا لما قدمه للعالم من مسيرة حافلة بالعطاء لنهضة شعوبه، وتنمية موارده، وخلق مسارات أكبر لفتح صفحات جديدة تعيش خلالها شعوب العالم حياة العزة والكرامة، متجنبة كل أسباب القلق والخوف، واضعة الثقة بالمستقبل طريقها لإصلاح العالم ومنظومة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي لقناعته بأن قدرة هذه المنظومات على رسم معالم التغيير وإعادة إنتاج الواقع العالمي، وتحقيق تحول في مسيرة أدائها الطريق السليم لتفهم الأجيال القادمة حقيقة ما تصنعه هذه المنظومات العالمية في سبيل أمن الإنسان واستقراره ونهضة شعوبه، وهو ما لا يتأتى إلا عبر إصلاح جذري لهياكلها واستراتيجيات عمله وكسب ثقة شعوب العالم متخذة منهج الحيادية في الأداء والإنسانية العالمية، واضعة المشتركات الأخلاقية والقيمية بين البشر مدخلات لبناء القوة وصناعة الإنجاز، لذلك بذل جهدا كبيرا في رأب الصدع ومنع إراقة الدماء، وتعزيز وحدة البيت الخليجي والعربي والإسلامي المشترك، وعزز من مسيرة الشراكة مع العالم المحب للإنسانية في وعيها وصفائها وشموخها ونهضتها وتقدمها وتطورها واستفادتها من رصيدها الثري ونتاجها النوعي الذي يحفظ ودها ويسمو بها فوق صيحات الاختلاف، وعبر جهوده النوعية التي قدمها في خدمة السلام والتنمية والمكانة العظيمة التي يحظى بها سمو الأمير الراحل في قلب كل مواطن كويتي وخليجي وعربي وعالمي محب للسلام والنقاء، يمتلك روح الإنسانية النابض أملا وسعدا وإشراقا، والتزامه نهج الوحدة الخليجية المشتركة وجهوده في رأب الصدع الخليجي، وإزالة كل المطبات والمعكرات التي باتت تؤثر سلبا في العمل الخليجي المشترك، وإعادة اللحمة لهذا البيت الذي بدأ يتعرض للكثير من الانتهاكات لحقوقه والتضييع لمبادئه والنيل من جسده.
لقد كان سمو أمير الكويت الراحل ـ طيب الله ثراه ـ مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز رسمت للشعوب استحقاقات بقادم أفضل فهو بدبلوماسيته الحكيمة وروحه السمحة ومسيرته الخيرة، وحكمة القيادة وهدوء السياسة استطاع أن يكسب التحدي في الإبقاء على مسيرة التكامل والتناغم حاضرة في العمل الخليجي المشترك رغم كل الظروف والمنغصات، فرغم ظروفه الصحية، إلا أن ذلك لم يمنعه من التنقل من دولة لأخرى في معالجة الأزمة الخليجية التي بدأت عام 2017 لرأب الصدع وإزالة كل المعكرات والمشوهات بين الأشقاء في البيت الخليجي، وبناء مسيرة نجاح حافلة بالعطاء ترسم للأجيال القادمة طريق الفخر والعزة والشموخ.
لقد أتاحت ميكانيزما القيادة التي يتصف بها الشيخ صباح الأحمد الصباح ـ طيب الله ثراه ـ في تقدير شعوب العالم وقياداته المحبة للسلام له وتثمين جهوده، ودوره الكبير في تعزيز منصات الحوار المشترك وتذليل كل الصعوبات التي تواجه دول العالم في خلق تناغم بين قياداته لتجنب الصدامات وتوفير فرص أكبر للتثمير في العلاقات البينية بين دول المنطقة والعالم، وتعزيز الحوار وبناء منظومة السلام والتنمية ورسم خريطة عمل مشتركة يتجه العالم إليها تصنع للشعوب مرحلة جديدة قوامها السلام وعمودها بناء الإنسان وترقية حضوره في عالم مضطرب، لذلك كان له حضور مشرف في القضية الفلسطينية ومواقف رصينة واعدة في دعم الشعب الفلسطيني عبر الحل العادل والالتزام بالقرارات الدولية والأممية في هذا الشأن.
رحل الشيخ صباح الأحمد عن دنيانا تاركا إرثا حضاريا نوعيا سياسيا ودبلوماسيا وفكريا للإنسانية، ومددا لها لحاضرها ومستقبلها، قوامه بناء روح إيجابية تضمن تحقيق مسيرة عمل موحدة، للقناعة بأن التكامل والحوار والثقة والمصداقية وتجسيد مسيرة الأخوة في البيت الداخلي الطريق الصحيح لصناعة السلام وإنتاج القوة والخروج من الأزمات والتدخلات التي باتت تؤثر في نجاح منظومة العمل الخليجي المشترك والعربي والعالمي بشكل عام، ولن يصل العالم إلى الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة له وتوظيفها في خدمة شعوبه وتنمية موارده والتثمير في قدراته إلا من خلال استشعار الجميع لمسؤوليته في بناء هذا التكامل المشترك والتناغم الأخوي وتجسيده في واقع الممارسة السياسية والعلاقات الدولية والمنظومات الأممية الدولية والإقليمية في جوانبها الاقتصادية والسياسية والتنموية وغيرها.
وإذا كان لنا أن نتذكر نحن في عمان موقفا بسيطا من هذا العطاء الخالد والروح الإنسانية الماجدة لسمو الأمير الراحل، فيكفي أن نشير إلى قدومه لبلده الثاني عمان ليعزي أبناءه في وفاة المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ لينطق بكلمة حق وعبارة صدق لن ينساها كل عماني على أرض عمان السلام، لقد قال “قابوس ما مات وأنتم موجودين” كلمات تعبِّر عن روح الوفاء لسلطان عمان الراحل، والتقدير لقيادتها المجددة لنهضتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وهي تجسد متانة وعمق العلاقة الأخوية النموذجية التي تجمع بين السلطنة ودولة الكويت وبين قيادتي البلدين الشقيقين، لقد أحبت عمان أمير الإنسانية كما أحبت سلطان السلام، ليزيد بوفاته جرحا آخر في نحر هذه الأمة.
وإذا كان الشيخ صباح الأحمد الصباح قد رحل عن دنيانا فلن ترحل فضائله، ولن تغيب مناقبه، ولن تضيع أوصافه، ولن تذهب ريح السلام وطيب المقال الذي يفوح منه ليبني الحياة أملا جديدا ونهجا عظيما وسموا، يبقى في الأذهان وتتعطر به الأرواح ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ، وإذا كان الموت قد غيب الشيخ صباح الأحمد فإن ما تركه للعالم اليوم من نهج سامٍ ونموذج حضاري للقيادة الحكيمة الناجحة في عالم مضطرب كفيلة بأن تخلد ذكره وترسم اسمه وتذكره ما بقيت الحياة، فها نحن أبناء عمان والكويت والعالم أجمع نودعك وداع النهاية، وداع الأبطال والشهداء، وداع مرحلة أسدلت فيها الستار على ابتسامة صدق ستظل مشرقة في جنات الخلد، بينما هي تغيب عن عالمنا الجديد، ليغلق برحيلك مددها، فعزاؤنا في الكبار والصغار، آبائنا وأمهاتنا، أبنائنا وبناتنا، عزاؤنا في أنفسنا، في أهلنا وأحبتنا في الكويت العظيمة، لننكس الأعلام ونطفئ الشموع بموت أمير الإنسانية، لتظل حيا في قلوب محبيك وخالدا في فكر شعبك وعظيما في فقه الحياة وفلسفة بناء الأوطان وصناعة الإنسان، رحمك الله رحمة واسعة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

إلى الأعلى