السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الإصلاح

الإصلاح

سعود بن علي الحارثي

جميع العناصر والمكونات والأجسام والأشياء الحية والجامدة المخلوقة والمصنوعة التي يستعين بها الإنسان في تسيير شؤون حياته تبدأ عملها وتؤدي أغراضها وهي في أوج نشاطها وقوتها وحسن وجودة أدائها، ثم بمرور الوقت وتعدد الاستخدام أو نتيجة للاستعمال السيئ تفقد همتها وحيوتها وصلاحيتها تدريجيا، وتتعرض للمرض والتلف والضعف والقصور في الأداء، فتصبح بحاجة إلى العناية والعلاج والإصلاح والصيانة والتجديد والاستبدال، وكلما تأخرت عملية الإصلاح وتم التعامل مع المرض بعدم اكتراث أو إهمال أدى ذلك إلى استفحال العلل وتوسع مساحة التلف، وأدى كذلك إلى انتقال القصور إلى أجزاء أخرى من الجسم، وتفاقمت المشكلة وازداد الأمر تعقيدا. وينطبق الأمر على الأنظمة والقوانين والتشريعات ـ وإن اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة ـ ولكنها تصاغ وتعد بهدف ضبط وتنظيم وإصلاح شؤون وأعمال واحتياجات الإنسان وتسيير مجريات حياته في انسياب ويسر وحفظ وتنظيم حقوقه وواجباته ومسؤولياته وما له وعليه، فهي في حالة دائمة ـ كما يفترض ـ من المراجعة والإصلاح والتجديد والتطوير تمليهما حاجة الإنسان وظروف ومستجدات حياته، ولكي تواكب كذلك التحولات الاجتماعية والعلمية والسياسية والاقتصادية والتطورات والتغيرات التي تحدث باستمرار، فتأتي مرحلة مراجعتها وتقييم إجراءات تطبيقها على أرض الواقع سابقة لعملية إصلاحها، وإعادة صياغتها في دورات لا تتوقف تتماشى مع النشاط البشري وطموحات وتطلعات الإنسان نحو التقدم والمزيد من التطور والإشباع وتحقيق الازدهار والرخاء المعيشي. ومثلما أن العناصر والمكونات والأجسام والقوانين في حالة من التجدد والتبدل، ويطرأ عليها القدم والخراب والضعف وتتطلب عمليات إصلاح وصيانة وعلاج متواصلة فكذلك النفس الإنسانية معرضة للانزلاق والانغماس في الشهوات والقيام بأعمال مجرمة، والإتيان بسلوكيات مسيئة ومضرة تدينها الشرائع والمبادئ والمواثيق والأعراف وتعاقب عليها القوانين والأنظمة، فالإنسان وبإيعاز من نفس أمارة بالسوء ورفيق سوء يمارس ضغوطه بدون كلل وملل وشياطين يوسون له ليل نهار، ويزينون له مقاصد وسبلا ووسائل وأعمالا تحقق غاياتهم وينفذون من خلالها مآربهم ومصالحهم، فيوقعونه في المزالق، أو يتخذ قرارات خاطئة وفق منظور ضيق يرتبط بتحقيق مصالحه الشخصية أو جريا وراء إغراء أو هوى أو تعصب أو اجتهاد قاصر، فيسقط في المحظور، وخطوة خاطئة بعد أخرى تعتاد الأقدام السير في طريق ارتكاب الأعمال الآثمة المحظورة، في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة والمنعطف الخطير الذي ينزلق فيه الإنسان شيئا فشيئا يكون في حاجة شديدة إلى خطة إنقاذ، إلى وقفة وتأمل وتدبير وتقييم تقوده إلى إصلاح يبصرها ـ أي النفس ـ ويوعيها ويصحح مسارها فيعيدها إلى الجادة. وفي مواقف ومجالات بعينها، وعلى وقع ترسبات عميقة وسنوات طويلة من التخريب والضرر والفساد والعلل تصبح عمليات الإصلاح مؤلمة وخطيرة وتتطلب سياسات وقرارات جريئة وإحداث تحولات عميقة واجتثاث كامل لأسباب المرض وحواضنه وكوامنه، وينطبق هذا النوع من الإصلاح والتصويب على الأنظمة السياسية والهياكل الاقتصادية وأنماط الحياة والبنى والمكونات والممارسات وتقاليد المجتمع وأعرافه، وإصلاح البيئة التي دمرها التلوث والاستخدام الجائر والتجريف والجفاف والفيضان… والإصلاح سنة من سنن الكون به يقوم المعوج ويصحح الخطأ ويصلح الفساد وتصوب العيوب، ويقال بأن “أحسن المصلحين هم الذين يبدؤون بأنفسهم”، وفي القاموس صلح: ضد فسد، أي زال عنه الفساد يقال “صلحت حال فلان”، أي زال عنها الفساد، ويقال أصلح الله في ذريته، والصالح القائم بمسؤولياته في قضاء ما عليه من الحقوق والواجبات، والمصالح: ما يبعث على الصلاح، أي ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال الباعثة على نفعه أو نفع قومه، والإصلاحية: مؤسسة يسجن فيها الأحداث المراهقون استصلاحا لأخلاقهم، وفي كتاب الله آيات كثيرة عززت من دور ومكانة الصلح والإصلاح وامتدحت الصالحين “إنا لا نضيع أجر المصلحين”، “فمن عفا وأصلح فأجره على الله”، والأنبياء والرسل إنما بعثوا لإصلاح الناس “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”، ففي الإصلاح تجديد وتحديث وتطوير، وعمليات الاصلاح لا تتوقف فهي في حالة مستمرة، والإنسان مطالب بأن يصلح نفسه وعلاقاته وأعماله، وأن يسهم ويشارك ويبادر في إصلاح شؤون وطنه ومجتمعه وبيئته… وفي العالمين العربي والإسلامي ومنذ سنوات يجري العمل حثيثا لإصلاح المناهج التعليمية وضبط الخطابة في المساجد وإصلاح الخطاب الديني وتحسينه وإصلاح النظم السياسية، بحسب ما يروج له الخطاب الإعلامي الرسمي المحلي والعالمي، فالمسلم تلاحقه تهم الإرهاب والتعصب حتى بات خطرا على العالم الديمقراطي الحر، ويتطلب عمليات ومراحل متدرجة لإصلاحه وتهذيبه، بدأت نتائجها واضحة وملموسة في صور ومواقف وتحولات يشهدها عدد من العواصم العربية، فالعالم العربي بات ساحة متخمة بعمليات الإصلاح التي تسوق وتعبأ بها كرها حواضنه السياسية والثقافية والتعليمية، ترد إليه معدة ومفصلة من الخارج، عمليات إصلاح لم تجلب إلا الفشل والخسائر، والمزيد من المآسي والالآم والأحزان والتمزق والتفكك، وتأجيج الصراعات والكراهية والبغضاء، والتراجع والضعف؛ لأنها لم تتأسس وتنشأ وتنمو في بيئتها الطبيعية ومن رحم أهل البيت أنفسهم، وعلى هدي من إصلاح حقيقي تديره وتقوده الكفاءات الوطنية المخلصة.

إلى الأعلى