الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المسألة السورية

المسألة السورية

علي عقلة عرسان

يبدو أن المسألة السورية، وليست الأزمة السورية كما كنا نقول حتى الآن، قد دخلت في تعقيدات جديدة لن تسمح بتحقيق وعد الرئيس بشار الأسد للرئيس فلاديمير بوتين قبل أشهر بأن حسم الوضع نهائيًّا في سوريا سيكون في نهاية العام الجاري ٢٠١٤، فعدا عن تعقيدات دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط التصدي للإرهاب بتحالف أميركي خاص بها لا يخدم إلا استراتيجيتها ومصالحها، مستغلة قرارات مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية خاصة بها، ومستبعدة دولًا كبرى في العالم من دائرة العمل المشترك، ضمن قواعد القانون الدولي وروح قرارات مجلس الأمن، وما سببه ذلك من خلافات عميقة حول الموضوع انعكست سلبيًّا على الأداء الدولي كله في هذا المجال وعلى المسألة السورية وسبل التوصل إلى حل سياسي لها.. عدا عن ذلك، فإن الصراع الدامي على الأرض السورية بين الأطراف المتقاتلة أخذ مناحي أكثر جذرية ودموية وشمولية.. فإضافة إلى الاصطفاف في المعسكرين الكبيرين المتقاتلين في سوريا وعليها: “معسكر الدولة السورية ومن يناصرها” من جهة، و”معسكر من يريدون إسقاطها وإسقاط النظام فيها” من جهة أخرى.. هناك من يعمل على تدمير سوريا بالمطلق، ومن يريد تقسيمها إلى دويلات، ومن يستغل محنتها ليقيم مشروعه الخاص على حسابها، سواء أكان أولئك من ذوي الميول الانفصالية القديمة المتجددة، أو من الصغار أصحاب الدكاكين السياسية الذين يتطلعون إلى دويلات عابرة للدول الحالية “تٌفصَّل على مقاساتهم وتلبي طموحاتهم المريضة”، أو من أصحاب المشاريع الاستعمارية الصهيونية التي تستهدف سوريا وتستهدف المنطقة كلها بصورة عامة، لا سيما المشروع الشرق أوسطي الأميركي ـ الصهيوني العام الذي حاربته سوريا وأسقطت صورًا منه وما زالت تحاربه، ويدرك أصحابه جيدًا أنه لا يمكن أن ينجَز مع وجودها دولة موحدة قوية ومستقرة..
وضمن إطار هذه التقسيمات العامة للجهات المتقاتلة والقوى الراعية والممولة والمتفاعلة والمشاريع المستهدَف تحققها.. هناك صراعات تفصيلية وتفاصيل ميدانية وخصوصيات شخصية كلها ذات أهمية وتأثير كبير في مجرى الأحداث، وتسهم في التأسيس لمزيد من التعقيدات في المسألة السورية، وإن كانت لا تضاهي في تأثيرها وأهدافها ما للمعسكرات والتكتلات والتجمعات الكبيرة التي أشرنا إليها في ما سبق من كلام في الموضوع.. فهناك البعد الطائفي الذي ما زال موجودًا وفاعلًا، خفيًّا آنًا وظاهرًا آنًا آخر، وهو في الأغلب الأعم جمر تحت الرماد، ويقدم نفسه للداخل والخارج بصيغ متعددة تنقصها الموضوعية والبراءة، وكلها تتداخل وتسهم في تشكيل أبعاد المسألة التي تُقدَّم أحيانًا على أنها فتنة “بين السنة والشيعة”، وأحيانًا على أنها مشكلة أقليات وضرورة البحث عن صيغ حماية لها ومحافظة على حقوقها وما إلى ذلك مما ينطوي على مغالطات.. فالتدقيق الموضوعي في الأمر يفضح صلة ذلك الطرح بالمشاريع والأهداف الكبيرة التي تستهدف سوريا وهي مما أشرنا إليه في الإجمال السابق.. لأن الأكثرية في سوريا لم تضطهِد أقلية، ولم تكد تحكم أصلًا في عمر الدولة الممتد منذ الاستقلال عام ١٩٤٦ حتى يتبين إن كانت تضطهِد أو يمكن أن تضطهِد، فقد كانت شكوى الناس في المجمل من الاستعمار وما غذاه من فتنٍ وأحقاد، ومن الإقطاع وممارساته، ومن أشكال الطغيان “الديكتاتورية” والانقلابات العسكرية، ومن الاحتلال والعدوان الصهيونيين اللذين بدأ خطرهما يكبر ويستهدف الدولة بعد سنتين فقط من الاستقلال، وذلك عند احتلال الصهاينة لفلسطين عام ١٩٤٨ واعتداءاتهم المتكررة بعد ذلك. وهناك في مجال التفاصيل والصراعات الثانوية المؤثرة “التصفيات الداخلية” في معسكر المقاتلين ضد الدولة ولإسقاط النظام، فلم يبقَ طرف إلا وقاتل طرفًا، ودخلت التصفيات الكبيرة مراحل أعلى حيث أصبحت بين “داعش والنصرة”، ثم أخذت بالتحول إلى صراع بين القاعدة وداعش على مستوى أوسع من سوريا بكثير، وإن كانت الساحة الأكثر اشتعالًا لذلك الصراع هي سوريا.. وهكذا نرى أن معظم أطراف هذا المعسكر: إما منضوية تحت جناح بالاختيار أو بالقوة أو خوفًا وطمعًا، وإما مدعوة إلى شيء من ذلك، وإما منكفئة على نفسها في موقع أو مكان أو بلد تتلاوَم وتجتر أحلامها وأحقادها.. والواجهات السياسية التي كانت تدعي “تمثيل الشعب السوري” أو هي معتَمَدة “من الأصدقاء” لتمثيله، وعلى رأسها الائتلاف والمجلس من قبله فقد أتلفت بعضها بعضها، وعرى كل تكتل داخلي غيره، وخاض الجميع حرب الممولين ثم آل الأمر إلى فقدان الثقة بالنصير والصديق وأصحاب الوعود، وبقيت المناصب الافتراضية والمكاسب الأخرى وعلى رأسها المالية موضع تنافس وتقاتل، وفقد المسلحون ثقتهم بالسياسيين، وضاعت الطاسة أو تداولتها الأيدي إلى درجة الغياب كما يقول أصحاب الشأن أنفسهم. والمعسكر الكبير الآخر يئن من وطأة ما يحدث لبلد يتعرض لكل هذا التدمير منذ أربعة وأربعين شهرًا، ومن الخسائر البشرية والمادية التي حولت سوريا العزيزة إلى خرائب في بعض المدن والبلدات والقرى وإلى قطاعات بشرية من الجرحى والمقعدين والمصابين بأعزاء عليهم وملايين من أبناء الشعب إما نازحين ولاجئين في الداخل أو مشردين في الخارج.. وضاعفت معاناة الشعب كله في المجالات الحياتية جميعًا بسبب ما أصاب الاقتصاد والخدمات وحتى مياه الشرب من مصائب ضاعفت المصائب!؟ أما ما يتصل بالوضع العربي والدولي المشمول بالمسألة السورية أو المشغول بها أم المستثمر فيها فهو أعجز من أن يتفق أو يتوافق على صيغ لحل سياسي يجمع عليه بصدق لكي يجلب السوريين إليه بكل الوسائل فتضع الحرب أوزارها ويكف السوريون عن أن يكونوا مطية لمن يبحث عن مطية.
ربما لهذه التعقيدات الكثيرة والكبيرة في الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية ولسواها أيضًا مما يضاعف حجم المشكلة ويحولها من داء إلى علة مستعصية على الدواء وربما لأن السوريين بمعظم فئاتهم ومعسكراتهم وخطاباتهم وتحركاتهم و.. التي تحولت إلى ما يشبه “الندب” في المتاهات بسبب الفجائع والجائحات، وتحول بعضهم إلى المناشدات والكلام في العموميات عن التجمع والتدبر والصبر والتجبر، مما يثقل مجرى الحلول بالشوائب والخطاب بالعيّ والكلام بالنوائب فلا يصل إلى العقل والروح والضمير.. من دون أن يسلكوا سبل الوعي المسؤول والعمل المعقول والتواصل المثمر المؤدي إلى وقف الاقتتال والتفاعل الدامي المجنون للصراع وتصاعده المدمر، واتساع مداه الشمولي ليصبح صراعًا دوليًّا مديدًا بين التكتلات الدولية والاستراتيجيات الأمنية الكبرى، أو بين الإرهاب من جهة وما يسمى المجتمع الدولي على نحو ما هو قائم منذ عقد ونصف من الزمن بين القاعدة والولايات المتحدة الأميركية وشركائها.. لكن على الأرض السورية حيث يقتل الشعب وتدمر الدولة.. لهذا نستشعر هذا المدى المأساوي المديد والتعقيدات المتنامية في مجرى الصراع في سوريا.. فنقول بمصطلح “المسألة السورية”، على نمط “المسألة الشرقية”، متجاوزين استخدام مصطلح الأزمة/الكارثة لأن القضية أصبحت أكبر وأخطر وذات تشعبات وامتدادت دولية..
من المؤسف أن يعجز السوريون عن الوصول إلى تفاهم أو حتى إلى سلوك طريق يؤدي إلى التفاهم وحقن الدماء ووقف توسع المأساة وتعميق الجراح، ومن المؤسف بصورة أكبر وأكثر مأساوية أن تُرتهن إرادتهم ويُرتهَن قرارهم ومستقبل بلدهم، أو أن يجعلوا هذا البلد العزيز شبه بصيغة المرتهَن لإرادات وقوى وأطراف أخرى.. ومن المؤلم إلى أبعد الحدود أن يسهم كل طرف من الأطراف المتصارعة باسم الشعب والوطن والحرية والاستقلالية والديمقراطية و.. و.. إلخ، أن يسهم أو يُفرَض عليه أن يسهم بوضع القيود والأغلال في أيدي السوريين وأعناقهم لأجيال، وأن يكبل سوريا الوطن بما لا طاقة لها به من قيود فضلًا عما لا يليق بها وبتاريخها المجيد من مواقف.. من يعطيك اليوم سيأخذ منك غدًا، ومن تدعوه ليبذل دمًا إلى جانبك سوف يطالبك غدًا بقيمة الدم أو بوقفة إلى جانبه تكلفك دمًا وقد لا تكون من أجل حق يستوجب الدفاع عن الحق.
لم ينجح المبعوثون “العرب والدوليون” حتى الآن بتقريب وجهات نظر أبناء وطن واحد وشعب واحد تجاه بعضهم بعضًا وهم في مسيل دماء ومفاوز دمار، ولا مجال لتكرار الكلام عن الأسباب، فقد عمّ الكلام في هذا المجال وطمّ، والأسباب كثيرة على رأسها مواقف من ركب رأسه ومن باع واشترى بدم الناس، ووراء كل لاعب في ميدان النار والعار قوى ودول عربية وأجنبية وأجهزة استخباراتية وارتهانات لدول وقوى، ومتاجرات سياسية، وغوغائيات فكرية وتنظيمية وقصور في فهم معنى أن تدخل الحرب من دون أن تعرف كيف ستخرج منها ومتى؟! وعجز في صورة رفض للتواصل البناء والتعامل المسؤول عن وطن وشعب وأجيال وقضايا مصيرية، وحماسة عليلة لأنها تسلك مسالك الضلال والمعتل من الأفكار والأعمال والأقوال فتنتج البائس من التصرفات والأحوال.. وتلك مسؤولية السوريين أولًا وآخرًا.. وها نحن اليوم أمام مبادرة “فرصة” لوقف القتال في حلب تتلوها مناطق أخرى إن هي نجحت، ومن مراميها إعادة قطاعات من أفراد الشعب المشردين إلى ديارهم، وتعبيد الطريق أمام تفاوض مثمر.. فهل تراها تنجح؟! حتى الآن توجد ثغرات في المعطيات الإيجابية التي يمكن البناء عليها، فالمسلحون في حلب لم يوافقوا بعد على مبادرة ديمستورا بعد أن وافقت الدولة، ومن كان من أولئك المسلحين في حلب معني ببحث الأمر أصبح خارجها، وجبهة “النصرة” تقترب من تلك المناطق وقد تتواجه مع داعش فيها فضلًا عن الصراع المزدوج بين مسلحين ومسلحين، وبين الجيش العربي السوري والمسلحين والنصرة وداعش و.. إلخ.. وها نحن الركام يترامى فوق الركام.. والدم الحار يندلق فوق الدم الجاف.. ولا تزال هناك سيول من الكلام بعضها يرقى إلى قيمة وبعضها الآخر سخام فوق سخام بلا معنى ولا قيمة لكنه في كثير من الأحوال مدفوع القيمة.. والمنتشرون من السوريين تحت الخيام في العراء بين شتاء العري وعري الشتاء، وفي مواطن الشتات على أرصفة ومعسكرات ومواطن موات.. كل أولئك مع من هم في قبضة الإرهاب أو العنف أو تجار الأزمة وتجار السياسة.. يعانون وينتظرون الفرج ليعود كل منهم إلى وطن يعشقه، وبيت تعرِّش فيه ذكرياته وآماله، وأهل وأصدقاء في مجتمع ليس هو الجحيم بالضرورة كما يقول وجودي محقون بالغربة، بل هو الناس الذين لا يتعزى في البعد عنهم شخص يعرف أصول المودة ورفقة الناس.. لكن آمال أولئك وما يملكون وأجسادهم وما يحملون، وأرواحهم وما يشتهون.. تبقى بكل أسف رهنَ من يذبحون الإنسان باسم الإنسان، ومن يدمرون الأوطان باسم الأوطان وإنقاذها واستقلالها وازدهارها، وباسم الحرية والكرامة والحق في الحياة والمساواة حيث لا يتساوون مع أحد ممن يعانون أو ممن يقدمون دمهم ومستقبل أسرهم على طريق الوصول إلى تلك الأهداف.. وباسم.. وباسم.. وباسم.. إلى آخر ما شئت وشاء “الأرباب البشر” من أنوع الادعاء والحرص القتالين للناس والقيم والأوطان، تحت مسميات وشعارات ينتفعون بها ومنها ويدفع لهم قيمة انتفاعهم الوطن والشعب والإنسان.
وكان الله في عون سوريا والسوريين.

إلى الأعلى