الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الخريطة السياسية الجديدة لبريطانيا
الخريطة السياسية الجديدة لبريطانيا

الخريطة السياسية الجديدة لبريطانيا

إن الانتصارات التي حققها حزبا الاستقلال والخضر وجهت إنذارا شديد اللهجة إلى حزبي العمال والمحافظين وتنذر بتغير واسع على الخريطة السياسية البريطانية .
في مؤتمري حزبي العمال والمحافظين في خريف هذا العام رسمت خطوط الحملات الانتخابية والتي ستكون طويلة وشرسة ومؤذية ومن الصعب جدا التنبؤ بها. أن أي شخص يدعي أنه متأكد من النتيجة إما أن يكون كاذبا أو أحمق.
لم تكن معظم الانتخابات التي جرت منذ عام 1945 تنافسا بالمعنى الصحيح وإنما كانت تتويجا. طالما أن الطرف المنتصر يعرف مسبقا بانتصاره وبفترة طويلة. لم يتطلب الأمر الكثير من التركيز لنعرف أن توني بلير سيفوز في انتخابات 1997 أو أن تفوز مارغريت تاتشر في عام 1987. إلا أننا عندما نفكر بمايو عام 2015، ما من أحد يستطيع أن يجزم أن هذا الحزب أو ذاك سيفوز بالأغلبية البرلمانية. إن تاريخ الانتخابات البريطانية بعد الحرب يشير إلى أن الفائز كان يحصل على 40٪ أو أعلى من أصوات الناخبين. يبدو أن الرقم سيكون بعيدا عن متناول حزبي العمال والمحافظين في انتخابات العام القادم. ربما سيكون طموح الحزبين الأكبر هو الحصول على النسبة التي تدخلهما البرلمان.
وقد انعكس هذا الطموح المحدود في طريقة استعداد الحزبين للمعركة الانتخابية. تبنى حزب المحافظين ما يسمى باستراتيجية 40/40 التي تقوم على إحراز 40 مقعدا من معاقلهم و40 أخرى من الطرف الآخر. ومن خلال انتزاع نائب عمالي هنا وآخر من الديمقراطيين الأحرار هناك، يأمل المحافظون في الفوز بالأغلبية البرلمانية، ولكن لن يكون الأمر بتلك السهولة أو، إذا تحقق، لن يكون مدعاة للفخر. وبالرغم من حزب العمال ينكر تبنيه لاستراتيجية 35% من عدد المقاعد والعودة إلى قيادة البلاد، إلا أن الأدلة من مؤتمر الحزب في مانشستر تشير إلى هذا هو بالضبط ما يأمله الحزب في إدخال إد ميليباند فيداو ننغستريت.
هناك العديد من الأسباب التي دفعت الحزبين إلى تبني سياسة الطموحات المتدنية. بدأ تراجع احتكار الحزبين للسياسة البريطانية منذ عقود طويلة. بلغ ذلك الاحتكار ذروته في عام 1951، عندما فاز كليمنت أتلي وونستون تشرشل بأكثر من 96٪ من الأصوات، إلا أنه بدأ بالانحدار بشكل مطرد. يبدو واضحا أن ثلثي الناخبين البريطانيين يرفضون العمال والمحافظين. ولن يكون بقدرة كاميرون أو ميليباند إيجاد وسيلة للتغلب على هذا الرفض الشعبي الواسع لحزبيهما. إن حزب المحافظين يعاني من ضعف مزمن في مناطق وسط وشمال إنجلترا وهو يحتاج للفوز بمقاعد هناك لتحقيق الأغلبية المقبولة. في حين يعاني العمال من ضعف كبير في جنوب إنجلترا، وهو فقد مقعده في الانتخابات الفرعية في كلاكتون.
إن نمو التعددية الحزبية جنبا إلى جنب وجود نظام انتخابي مصمم لحزبين هو سبب آخر للاعتقاد بأن الانتخابات القادمة ستكون شرسة وصعبة التكهن. استطاع حزب الاستقلال البريطاني أن يدخل البرلمان لأول مرة بعد فوز دوغلاس كارسويل في كلاكتون ليظهر لون جديد هو الأصفر في خارطة ألوان الأحزاب البريطانية بعد طغيان الأحمر والأزرق (لونا العمال والمحافظين). حتى لو تقلصت حصة حزب الاستقلال في الانتخابات القادمة، كما يعتقد المحافظون، فإن الكثيرين يعتقدون أن حزب فاراج نايجل سوف يقدم أداء أفضل من الـ3٪ التي حققها في الانتخابات الأخيرة. يعتقد العماليون أن حزب الاستقلال سوف يضر بالمحافظين لأنه سيشق جبهة اليمين، لكن دراسة للجمعية الفابانية (منظمة اشتراكية بريطانية) حذرت العمال من الأمور قد لا تكون بهذه السهولة. في بعض المناطق، يمكن لنتائج قوية لحزب الاستقلال قد تؤثر على أصوات المحافظين مما سيصب في صالح حزب العمال أو الديمقراطيين الأحرار. ففي مناطق أخرى قد يحدث الشيء نفسه مع العمال بسبب تحول الناخبين الغاضبين والفقراء نحو حزب الاستقلال.
والعمال أكثر قلقا حول اسكتلندا بعد أن بدا واضحا ضعف الحزب في شمال إنجلترا خلال استفتاء تقرير المصير في اسكتلندا. لذلك من المتوقع أن يخسر العمال بعض مقاعدهم لصالح الأحزاب الوطنية. بالرغم من هزيمته في الاستفتاء إلا أن الحزب الوطني الاسكتلندي سيطالب الاسكتلنديين بزيادة عدد الأحزاب الوطنية في البرلمان من أجل ضمان أن توفي الأحزاب الكبيرة بوعودها بمنح المزيد من الصلاحيات للأقاليم. إن غالبية المطالبين بالاستقلال في جلاسكو، وكانوا قلعة منيعة لحزب العمال، سيكونون مصدر رعب للعمال لأنهم يخافون أن تتسرب الأصوات من بين أيديهم إلى حزب الخضر، كما تدلل على ذلك استطلاعات الرأي.
ثم إن هناك الديمقراطيين الأحرار والذين يخافون أن يخسروا بعض مقاعدهم لمنافسهم حزب العمال. ومن المرجح أن يحقق حزب العمال بعض المكاسب على حساب الديمقراطيين الأحرار في شمال ووسط إنجلترا، ولندن. يأمل حزب المحافظين أيضا في الحصول على بعض مقاعد الديمقراطيين الأحرار، وخاصة في غرب البلاد. في التنافس بين العمال والمحافظين، يأمل الأخير أن لا تصب خسارة الديمقراطيين الأحرار في صالح العمال بشكل كبير. الديمقراطيون الأحرار يعولون كثيرا نوابهم الحاليين في البرلمان، وقد يكونون على حق في ذلك حيث دلت التجارب على صعوبة زحزحة النواب الحاليين من مقاعدهم.
++++
انتخابات 2015:
كان لفوز حزب الاستقلال بمقعد في البرلمان وقع الصاعقة على العديد من القيادات السياسية البريطانية. ترى كيف سيكون شكل الخارطة السياسية إذا فشلت الأحزاب في تحقيق الأغلبية في الانتخابات القادمة؟
أولا سيشكل المحافظون ائتلافا مع الديمقراطيين الأحرار:
مع معاناة حزب العمال، يعتقد بعض النواب أن حزب ديفيد كاميرون سيجني الحصة الأكبر في الانتخابات القادمة، إلا أن القليل فقط يعتقدون أن المحافظين سيكونون قادرين على تشكيل الحكومة وحدهم، مع وجود حزب الاستقلال على الساحة. لذا يمكن لكاميرون أن يتوجه صوب نيك كليج لتشكيل حكومة ائتلافية. ويعتقد البعض أن أن زعيم الديمقراطيين الأحرار يفضل المحافظين على العمال. ستكون أوروبا الموضوع الأساس في هذا التحالف. لقد وعد كاميرون بإجراء استفتاء حول بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية عام 2017. إلا أن الديمقراطيين الأحرار الموالين لبقاء بريطانيا في الاتحاد سيكونون حذرين إزاء هذا الموضوع، خاصة إذا كان استفتاء عام حوله. يقول بعض الديمقراطيين الأحرار إن كليج سيرفض أي تصويت عام حول بقاء أو خروج بريطانيا من الحلف. تقوم سياسة الديمقراطيين الأحرار الحالية على ضرورة إجراء استفتاء فقط في حالة تغير اتفاقية الاتحاد الأوروبي. إلا أن البعض يرى أن كليج قد يغير رأيه إذا عرضت عليه مكاسب كبيرة، مثل إصلاح مجلس اللوردات الإصلاح والعلاقات العامة في الانتخابات المحلية. سيحاول الديمقراطون الأحرار منع حزب المحافظين من منح الطبقة الفقيرة بعض الامتيازات. إلا أن علينا أن نتذكر أن العديد من نواب حزب المحافظين لا يحبذون التحالف مع الديمقراطيين الأحرار، وسوف يطالبون بإجراء تصويت بعد الانتخابات حول التحالف. كما يجب أن لا ننسى أن حزب الديمقراطيين الأحرار يميل إلى اليسار، ولديه نظام معقد للدخول في تحالفات ينص على موافقة 75% من النواب، وممن يحمل لقب النبيل وأصحاب المناصب التنفيذية الاتحادية. إذا فاز الديمقراطون الأحرار بأقل من 30 مقعدا، وأنهم سيحصلون على عدد بسيط من المناصب الوزارية لذلك سيفضلون عدم الدخول بالائتلاف.
ثانيا: ائتلاف العمال والديمقراطيين الأحرار.
يرى البعض أن أمام إد ميليباند فرصة جيدة في الحصول على النسبة الأكبر في الانتخابات القادمة. من اليسير على حزب العمال الفوز بأغلبية النواب لأن المناطق الانتخابية يصب في صالحه، ومع ذلك فقد يفشل في تحقيق الأغلبية. لذلك سيكون بحاجة للائتلاف مع الديمقراطيين الأحرار، وهذا ما يفضله العديد من أعضاء وأنصار الأخير. قد يبدو تحالف العمال مع الديمقراطيين الأحرار أفضل من تحالف الأخير مع المحافظين لأن العمال والديمقراطيين الأحرار يتفقان على العديد من القضايا، مثل عضوية الاتحاد الأوروبي، والضرائب والتعليم، إلا أن العديد من العماليين يرون في الديمقراطيين الأحرار يمينيين جدا وأحيانا عملاء لحزب المحافظين. وبالرغم من فرص نجاح الائتلاف إلا أن بعض أعضاء حزب العمال قد يطالبون بالتصويت على الائتلاف، والبعض سيطالب بتنحية كليج وآخرين مثل داني ألكسندر وديفيد لوز (اليمينيين جدا). ربما يرفض الديمقراطيون الأحرار بسبب نسبة الـ75% التي أشرنا لها سابقا.
ثالثا: حكومة أقلية بقيادة المحافظين:
إذا فشل المحافظون في الفوز بالأغلبية أو تشكيل حكومة ائتلاف، فإنهم قد يحاولون تشكيل حكومة أقلية بقيادتهم، وربما مدعومة من قبل اتفاق “ثقة ودعم” للحكومة مع الديمقراطيين الأحرار وغيرهم. وهذا يعني أن الأحزاب الصغيرة تؤيد الحكومة في أي تصويت حول الثقة/حجب الثقة أو على أي ميزانية في البرلمان. إلا أن مثل هذه الحكومات تكون هشة، كما يشير الخبير الدستوري فيرنون بوغدانور، حيث عاشت أطول حكومة أقلية بقيادة العمال لمدة سنتين وثلاثة أشهر في 1929-1931. إذا فشلت حكومةالأقلية، ستجرى انتخابات عامة جديدة أخرى. قد يبدو هذا الحل مفضلا لدى بعض المحافظين الذين لا يريدون دورا كبيرا للديمقراطيين الأحرار، إلا أن حكومة الأقلية ستكون صعبة جدا لكاميرون. فقد يجد صعوبة في الحصول على دعم برلماني لاستفتاء بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي مما سيضعه في مواجهة مباشرة مع حزبه نتيجة لذلك. إن خطط المحافظين لخفض الضرائب على أصحاب الدخول المتوسطة ولإصلاحات الخدمة العامة ـ بما في ذلك، السماح للمدارس الحكومية بتحقيق الربح، لن تحصل على موافقة العمال وكذلك الديمقراطيين الأحرار. قد لا يحبذ الناس فكرة حكومة الأقلية، إلا أنها قابلة للتنفيذ من حيث المبدأ وحظي حزب المحافظين بالمصداقية لنجاحه في الجانب الاقتصادي.
رابعا: حكومة أقلية بقيادة العمال:
ستحتاج البلاد حكومة وهناك الكثير من العماليين من يعتقد أنهم يستطيعون تشكيل حكومة أقلية ناجحة،على الأقل لبعض الوقت. في عام 2007، قاد أليكسس الموند حكومة ناجحة في اسكتلندا بعد إقامة التحالفات الضرورية. خلافا لما حدث في 2010، عندما قال الديمقراطيون الليبراليون والمحافظون إن التحالف كان ضروريا لوجود حالة اقتصادية طارئة، يمكن لحزب العمال تشكيل حكومة أقلية تحت ظروف أقل إلحاحا. إن إد ميليباند ـ المرتاب من الديمقراطيين الأحرار ـ قد يعتقد أنه يمكنه النجاح لفترة وكسب المزيد من الناخبين، ثم يدعو لانتخابات عامة، وتشكيل حكومة أكثرية. إلا أنها قد تكون عملية محفوفة بالمخاطر وأنه سيواجه المشاكل من يساريي حزبه.
إلا أن تاريخ العمال السيء في إدارة ملف الاقتصاد في بريطانيا، وفشل زعيمه حتى الآن في إقناع الناخبين بأن لديه برنامجا للحكومة وأنه يصلح لشغل منصب رئيس وزراء في المستقبل، لأن الكثير من علامات الاستفهام سترتفع بوجهه ووجه الحزب وربما سيحتاج إلى دعم الديمقراطيين الأحرار وربما آخرين لكسب تصويت الثقة.
خامسا: المحافظون في ائتلاف عريض مع الآخرين، مثل أحزاب الديمقراطيين الأحرار والاستقلال والوطني الاسكتلندي.
يريد كاميرون البقاء في داوننج ستريت 10. إذا واجه الديمقراطيون الليبراليون ما أسماه فينس كيبل سيناريو “نهاية العالم” وحصلوا على مقاعد يقل عددها عن 30 مقعدا، قد يفكر كاميرون في تشكيل ائتلاف عريض من الأحزاب (الديمقراطيين الأحرار، الحزب الوطني الاسكتلندي، حزب الاستقلال، حزب الخضر، الوحدويين) لدعم المحافظين لأن أصوات الديمقراطيين الأحرار لن تكون كافية. لكن تلك الأحزاب الصغيرة قد لا ترى هذا الائتلاف العريض في مصلحتها. إن حزب الديمقراطيين الأحرار، إذا تعرض للخسارة في الانتخابات، ومع وزراء أقل بكثير مما هي عليه الآن، قد يستنتج أنه من الأفضل له البقاء خارج الحكومة. الحزب الوطني الاسكتلندي، وطمعا في المزيد من الصلاحيات، قد لا يفضل البقاء في الحكومة. كما أن الديمقراطيين الأحرار والحزب الوطني الاسكتلندي لا يريدون الانضمام إلى ائتلاف فيه حزب الاستقلال. ناهيك عن شرط الـ75% الخاص بالديمقراطيين الأحرار.
سادسا: العمال في ائتلاف عريض.
إذا كانت نتيجة الانتخابات غير حاسمة، ستكون الخيارات مفتوحة أمام العمال للاتفاق مع الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب الاستقلال وحزب الخضر وغيرهم لتشكيل حكومة ائتلاف عريض. جميع الأحزاب الصغيرة ستتساءل: “ما حصتنا في ذلك الائتلاف؟” الجواب قد يكون: “ليس كثيرا.” الديمقراطيون الأحرار قد يفضلون البقاء خارج الحكومة، قد يرفض الاسكتلنديون العرض في حين سيطالب حزب الاستقلال بإجراء استفتاء حول العضوية في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يرفضه العماليون. إن فرص نجاح هذا الائتلاف بسيطة نظرا لتباين آراء المؤتلفين.
+++++++++++++
السياسة البريطانية الجديدة:
كيف ينظر الساسة البريطانيون إلى دخول حزب الاستقلال البرلمان وإلى استفتاء الاستقلال الاسكتلندي؟
اتجهت أنظار العالم في التاسع عشر من سبتمبر الماضي لمتابعة الاستفتاء التاريخي حول استقلال اسكتلندا. إلا أن حدثا آخر أصغر حجما زلزل الشارع السياسي البريطاني بعد فوز حزب الاستقلال بأول مقعد له في مجلس العموم عن دائرة كلاكتون بجنوب إنجلترا.
تتمحور سياسة حزب الاستقلال حول الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، والحزب يزعم أن انتصاره يشير إلى “التحول في الصفائح التكتونية في السياسة البريطانية.” وبالفعل، يمكن أن يكون ذلك مقدمة للانتصار الآخر الذي حققه حزب الاستقلال في انتخابات 20 نوفمبر الفرعية في سترود وروتشستر، جنوب إنجلترا، بعد فوز مارك ريكلس. قد يرى البعض في هذين النصرين فورة، إلا أن هذا الرأي يتجاهل نجاحا سابقا للحزب في مايو عندما فاز بانتخابات البرلمان الأوروبي في المملكة المتحدة، متقدما على المحافظين والعمال، وهو أول حزب غير حزبي المحافظين والعمال يفوز في انتخابات وطنية منذ أكثر من 100 سنة.
إن فوز حزب الاستقلال في الانتخابات الفرعية والاستفتاء الاسكتلندي قد يبدوان حدثين غير متصلين. إلا أن الحدثين يعكسان تحولا في السياسة البريطانية، حيث إن نظام الحزبين المستقر نسبيا بدأ بالتراجع أمام تطورات لا يمكن التكهن بها. سيطر حزبا العمال والمحافظين على السياسة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حصل الحزبان بين عامي 1945 و1970، عل ىسبيل المثال، على أكثر من 90 في المئة من الأصوات ـ والمقاعد ـ في الانتخابات العامة البريطانية الثمانية التي عقدت في تلك الفترة. لكن في الانتخابات التسعة التي جرت بين عامي 1974 و2005، انخفض هذا المعدل بشكل كبير إلى أقل من 75 في المئة. أحدث ذلك تغييرات سياسية كبيرة ما زالت تتكشف حتى يومنا هذا. الليبراليون الأحرار حققوا الكثير في الآونة الأخيرة لكسر احتكار الحزبين الرئيسيين للسلطة. بين عامي 1974 و2005، كان متوسط نصيب الليبراليين من الأصوات (بما في ذلك تحالفهم مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي البريطاني) في الانتخابات العامة البريطانية أقل من 20 في المئة.
على الرغم من أن الليبراليين أخذوا أصواتا من كلا الحزبين الرئيسيين، إلا أن تأثيرهم كان أكثر وضوحا على حزب العمال. ساهم الليبراليون في إبقاء العمال في السلطة في عامي 1977-1978 بموجب اتفاق الائتلاف بين الحزبين، وعمل الحزبان معا خلال استفتاء سنة 1975 بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، في عام 1981، في أعقاب هزيمة حزب العمال أمام حزب المحافظين في الانتخابات العامة عام 1979، هزّ تأسيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تحالف بعد ذلك مع الليبراليين ليشكلا في نهاية المطاف حزب الديمقراطيين الأحرار الذين عرفه اليوم) أسس السياسة البريطانية. تأسس الحزب الديمقراطي الاشتراكي على يد مجموعة بارزة من حزب العمال كانت قلقة من تنامي قوة اليسار داخل الحزب.
تحالف الليبرالين والديمقراطيين الاشتراكيين فاز بعدد من الانتخابات الفرعية وهي من أعلى الاستطلاعات الوطنية لبعض الوقت. وعلاوة على ذلك، في الانتخابات العامة عام 1983، فاز التحالف بنحو25 في المئة من الأصوات ـ أفضل أداء لطرف ثالث في فترة ما بعد الحرب. كان نجاحا لتحالف أحد العوامل التي ساهمت في بقاء حزب العمل بعيدا عن السلطة في الفترة 1979-1997، بعد هزيمته في أربعة انتخابات عامة. قبل عام 1997، كان باد يأشداون، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين، وتوني بلير، زعيم حزب العمال، قد ناقشا إمكانية تشكيل ائتلاف حكومي رسمي لجمع شمل أصوات يسار الوسط في السياسة البريطانية. إلا أن فوز حزب العمال الكبير في عام 1997، صرف النظر عن الموضوع برمته.
بعيدا عن الليبراليين، برزت العديد من الأحزاب الأخرى على الساحة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الحزب الوطني الاسكتلندي، المسيطر على برلمان أدنبرة. وحزب الاستقلال، وحزب الخضر. في الفترة الأخيرة، أشارت استطلاعات الرأي إلى أن تلك الأحزاب مجتمعة وحزب الديمقراطيين الأحرار تتمتع بتأييد نحو30 في المئة من الناخبين.
في الآونة الأخيرة، حقق حزب الاستقلال بعض النجاح الذي تسبب في مشاكل لحزب المحافظين. وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، مدفوعا إلى حد ما بطلب حزب الاستقلال، إنه إذاما فاز بالأغلبية في الانتخابات العامة عام 2015، فإنه وبحلول عام 2017، سيجري استفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. إن ما أظهرته انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة، قد يكون استفتاء غير مباشر على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
مع تراجع نظام الحزبين، أصبحت السياسة البريطانية أكثر غموضا، لأنه من الصعب على أي حزب تأمين الأغلبية في الانتخابات العامة. من الصعب تجاهل أهمية هذا التحول. حتى عام 2010، عندما شكل ائتلاف بين الليبراليين والمحافظين، فإن حزبي العمال والمحافظين كانا قد فازا بالأغلبية المطلقة في جميع الانتخابات منذ عام 1945، باستثناء فترة قصيرة بين فبراير وأكتوبر عام 1974.
ومع ذلك، كما هو الحال في عام 2010، فإن النتيجة الدقيقة للانتخابات العامة البريطانية في مايو2015 لا يمكن التنبؤ بها. بينما تقدم حزب العمال في جميع استطلاعات الرأي منذ عام 2010، إلا أن بعض الاستطلاعات التي جرت في الفترة الأخيرة أظهرت تقدما طفيفا للمحافظين. قد يستطيع أي من الحزبين تحقيق الأغلبية الكبيرة في الانتخابات القادمة، إلا أن الظروف قائمة أيضا لفشل الجميع في تحقيق ذلك، وهذا يعني تشكيل حكومة ائتلافية مجددا، وربما هذه المرة بين أكثر من طرفين، أو حكومة أقلية تجلب معها الكثير من الشكوك والمساومات. قال زعيم حزب الاستقلال فاراج نايجل مؤخرا إن الثمن السياسي لدعم المحافظين في حكومة الأقلية هو التعجيل في الاستفتاء حول عضوية الاتحاد الأوروبي وإجراؤه في يوليو عام 2015، قبل إجازة البرلمان الصيفية.
إذا لم تحقق الأحزاب الغالبية في الانتخابات القادمة، فمن المرجح أن القليل من الحساب من شأنه أن يساعد في تحديد ما إذا كانت هناك حكومة ائتلافية أو أقلية. كلما كان أي من الأحزاب قريبا من الحصول على 326 مقعدا من إجمالي 650 مقعدا، فإن خيار حكومة الأقلية يصبح أكثر احتمالا.
في أكتوبر 1974، على سبيل المثال، فاز حزب العمال في الانتخابات العامة، ولكن مع مرور الوقت، تآكلت أغلبيته. في عام 1977، قاد رئيس الوزراء جيم كالاهان حكومة أقلية إلا أنه تفاوض مع الليبراليين لدعم حكومته في تصويت الثقة في البرلمان. استمرت تلك ما يقرب من عام ونصف العام، حتى تهاوى الاتفاق في عام 1978، بسبب المعارضة الكبيرة لحزب العمال، حتى داخل الحزب نفسه، نتيجة تخفيضات الإنفاق العام للمساعدة في دفع قرض صندوق النقد الدولي عام 1976.
إن صعود بعض الأحزاب مثل حزب الاستقلال والحزب الوطني الاسكتلندي يؤكد أن النظام السياسي ما بعدالحرب في المملكة المتحدة بدا بالتراجع، في المدى المتوسط، على الأقل، أمام مشهد سياسي بريطاني غامض ولا يمكن التنبؤ به. في الواقع، إذا فشل الحزبان العمال والمحافظين في حصد الأغلبية، فإن البرلمان البريطاني القادم سيكون بدون أقطاب يحمل في أروقته الكثير من الغموض والشكوك السياسية. تدريجيا تسيد حزب الاستقلال عناوين الصحف، ومعه حزب الخضر الذي بدأ في كسب المزيد من الأنصار، تاركين قادة الأحزاب الأخرى في حيرة من أمرهم. قبل ستة أشهر كانت استطلاعات الرأي لا تعطي الحزبين أكثر من 2% أما اليوم فقد ارتفع الرقم إلى 5% وبدأ الحزبان بتضيق الخناق الديمقراطيين الأحرار ويقتربون من المركز الرابع في التصويت الشعبي وهو المركز الذي احتلاه في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو.
في نواح كثيرة يتشابه حزبا الخضر والاستقلال. إن نصف مؤيدي حزب الاستقلال هم من ناخبي حزب المحافظين السابقين، في حين اجتذب الخضر نصف أصواتهم من الديمقراطيين الأحرار. إن ناخبي الخضر هم أصغر سنا، وأكثرهم من الإناث، وأفضل تعليما ومعظمهم من الطبقة المتوسطة، في حين أن ناخبي حزب الاستقلال هم أكبر سنا، وأكثرهم من الذكور، وأغلبهم من العمال وقليل منهم من أصحاب الشهادات الجامعية. يميل ناخبو حزب الاستقلال صوب اليمين في الأيديولوجيا واختيار الصحف التي يقرأونها، في حين يميل الخضر صوب اليسار. (وفي الواقع، إن الخضر أكثر عقائدية:60٪ منهم يقولون إنهم من يسارـ الوسط، في حين أن 40٪ فقط من ناخبي حزب الاستقلال يقولون إنهم يمينيون). والاثنان معا هما صوت الاحتجاج في بريطانيا. في الماضي، احتكر الديمقراطيون الأحرار إلى حد كبير صوت المحتجين، فحظي بأصوات الطبقة الوسطى وهزم المحافظين في الريف والضواحي، والعمال في المدن.
أما اليوم فقد انقسمت السياسة البريطانية إلى قسمين. الأكثر وضوحا هو أن الديمقراطيين الأحرار لم يعودوا الطرف المتمرد، القادر على الفوز كلما تعثر أحد الحزبين الكبيرين. علاوة على ذلك، كان هناك أيضا تراجع مستمر لبعض القوى التي منحت السياسة البريطانية شكلها واستقرارها. ولم تعد الطبقة الاجتماعية والأيديولوجية السياسية مهمة كما كانت في السابق وتنوعت الولاءات والمواقف السياسية، وكذلك مصادر التعبير عن الاحتجاج. استفاد حزبا الاستقلال والخضر على حد سواء من هذا الواقع السياسي الجديد، وكذلك الحزب الوطني الاسكتلندي الذي يستعد لالتهام مقاعد العمال في اسكتلندا في انتخابات العام القادم. هذه الأحزاب تستفيد جميعها من حالة عدم الرضا والرفض التي يشعر بها البريطانيون.
إن النظام السياسي البريطاني صمم، كما قلنا، حول حزبين، عندما كان الجدل السائد يومها بين الرأسمالية والاشتراكية. كان لدينا المحافظون والعمال، وركنت بقية الأحزاب الصغيرة في الظل. أما اليوم فقد تشعبت القضايا والمواضيع بين الضرائب والقضاء، وأوروبا، والهجرة، والهوية، والحرية، والأمن، وتغير المناخ وهلم جرا ـ وأيضا مجموعة متنوعة من النظم الانتخابية. حزب الاستقلال يطالب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكنه عليه أن يشكر انتخابات البرلمان الأوروبي، التي منحته السمعة والشهرة. وقد ساعد النظام نفسه الخضر، لفترة وجيزة، الحزب الوطني البريطاني.
وعلى المدى القصير، سوف تؤثر نتائج أحزاب الاستقلال والخضر والوطني الاسكتلندي، ولو بشكل غير مباشر، على نتائج الحزبين الكبيرين. سيحرم حزب الاستقلال المحافظين من بعض أصواته، وحزب الخضر سيزعج الديمقراطيين الأحرار في صراعهم مع العمال والمحافظين.
وعلى المدى البعيد إذا نجح حزبا الاستقلال والخضر في الحفاظ على زخمهم في البرلمان القادم، يمكن القول إن برلمان 2020 سيرى تنوعا أكبر. يمكن أن يحدث ذلك إذا استطاع حزب الاستقلال أن يصبح المنافس الثاني لحزب العمال في أقاليم الشمال، وكذلك لحزب المحافظين على طول سواحل شرق وجنوب إنجلترا، وإذا نجح الخضر في تثبيت مواقعهم بين طلبة الجامعات، عندها في انتخابات 2020، سيتمكن الحزبان من وضع نفسيهما بثبات في خارطة السياسة البريطانية الجديدة.
مع ذلك لا يبدو الحديث عن تآكل احتكار العمال والمحافظين للسلطة جديدا. على سبيل المثال تحدث الحزب الديمقراطي الاشتراكي قبل ثلاثين سنة عن تحطيم “قالب السياسة البريطانية” إلا أنه ضاع وبقي الحزبان، وقد يحدث الشيء نفسه مع الاستقلال وقد لا يحدث؛ لأن الحزبين يمثلان قوى حقيقية، ومشاعر حقيقية فشل حزب العمال وحزب المحافظين، والآن الديمقراطيين الأحرار، فشلوا في التصدي لها.

محمد نجيب السعد
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى