السبت 31 أكتوبر 2020 م - ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التلازم التركيبي في سورة الإخلاص (1)

التلازم التركيبي في سورة الإخلاص (1)

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
سبق أن ذكرنا في مقالات سابقة قضية التلازم في التركيب، ووضعْنا إطارها اللغوي، وعرفنا أنها ـ في أيسر تعريفاتها ـ هي كل تركيب تلازم تتابعُه، ووجب اجتماعُه في مَحَالِّه، ومنه التركيب الإضافي، حيث يجب ذكر المضاف والمضاف إليه، والتركيب العطفي، حيث يلزم ذكر المعطوف والمعطوف عليه، والتركيب الوصفي إذ يلزم ذكر الموصوف وصفته، أو المنعوت ونعته، وكذا البدل والمبدل منه، والمؤكَّد والمؤكِّد التي يذكرها النحاة تحت باب (التوابع في النحو العربي)، ويدخل فيها كذلك فعل القول وفاعله، والمقول، كما يدخل فيها كذلك المبتدأ والخبر، وما في حكمهما مثل: إن واسم إن وخبرها، واسم كان أو كاد وخبرهما، ومفعولا ظن وأخواتها، وكذا المفعولان الثاني والثالث لأعلم وأرى وأخواتهما، كما يدخل في التلازم التركيب كذلك الفعل والفاعل، والفعل ونائب الفاعل، وما التعجبية وفعل التعجب، وفعل المدح وفاعله والمخصوص بالمدح، وفعل الذم وفاعله والمخصوص بالذم، وكذا المغرَى به والمغرِى والمغرَى، والمحذَّر منه والمحذِّر والمحذَّر، وهكذا يجب في كل ذلك التلازمُ والذكر المتتابع، فإن عرض عارض للحذف فله ضوابطه، ومعروفة قواعده؛ لأن الأصل في الجملة هو الذكر، والحذف شيء عارض، ونحاول في هذه السطور أن ندور حول ذلك التلازم التركيبي في سورة الإخلاص التي نقرؤها كثيرًا، وتُعَدُّ ثلث القرآن الكريم، بمعنى أن قارئها لو قرأها ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن الكريم كله، وهي السورة المحببة لنا جميعا في تلاواتنا في طريقنا، أو إقامتنا، أو سفرنا، وحلنا، وترحالنا، لما تضمنته من كثير من القيم، والتربويات، وما دخلها من صفات ربنا ـ جل جلاله ـ يقول الله تعالى فيها:(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الْإِخلَاص 1 ـ 4).
تبدأ السورة الجليلة بفعل الأمر: “قل” الذي يرتبط بالقائل ارتباطا عضويًّا، فلا قول بلا قائل، ولا قائل إلا ويصدر عنه قولٌ، فقد تلازم هنا الفعل مع فاعله، ثم إن جملة (هو الله أحد) هي مقول القول، وقد ارتبط المقول بفعل القول وفاعله ارتباطًا شديدًا، على اعتبار أنه مفعوله، والمفعول مع فعله وفاعله كالشيء الواحد، والضمير (هو) مبتدأ أول، واسم الجلالة (الله) مبتدأ ثان، و(أحد) خبر للمبتدأ الثاني، وكل مبتدأ مرتبط تلازميًّا بخبره، فخبر اسم الجلالة هو(أحد)، وخبر (هو) الجملة الاسمية من المبتدأ الثاني، وخبره:(الله أحد)، وقد تلازما دلاليًا، وتركيبيًا، فأوضحا أول صفة لله تعالى، ومعلوم الفرق بين الواحد والأحد، فالواحد يمكن أن يُجَزَّأ، تقول:(لديَّ بيت واحد)، ولكنه ذو طوابق، و(كتبت كتابًا واحدًا)، ولكنه عشرة فصول، أو خمسة بواب، و(لدي مؤسسة واحدة)، ولكنها ذات أدوار، وطوابق، وتخصصات، أما (الأحد) فهو الذي لا أجزاء له، فالله تعالى واحد أحد، تعالى الله في عليائه، وتقدس في أرضه وسمائه، ويمكنك أن تقف عند قوله:(هو الله)، ويمكنك أن تبدأ:(الله أحد)، لكن القراءة الأشمل والأدق والأتم أن تجمع كل ذلك فتقول:(هو الله أحد)، فتكون قد أتيتَ بكل اللوازم التركيبية، ويكون المعنى تم، واكتمل، ووضح، وظهر، ثم تأتي الآية الثانية:(الله الصمد).
فيكون اسم الجلالة (الله) مبتدأ، وخبره (الصمد)، فيكون التركيب قد تمَّ معناه، وإن جعلت الله ا(لصمد) خبرًا بعد خبر، أي أن يكون المعنى:(هو الله الصمد) لكانت إضافة دلالية، تضاف إلى المعنى الأول، فتجمع وصفا آخر لله ـ جل جلاله، و(الصمد) بمعنى المصمود إليه، أي أن الناس جميعا مصمودون لربهم، مفتقرون إليه في كل لحظة من لحظات حياتهم، وفي كل ثانية من عمرهم ووجودهم، فهو المصمود إليه، وفي الوقت نفسه هو الذي لا يصمد لأحد، ولا يحتاج أحدًا ـ جل جلاله، وارتباط (الصمد) باسم الجلالة (الله) هو ارتباط قوي، واتصال تام حيث إنه خبر المبتدأ الذي يتمَّ به المعنى، فهو تلازم تامٌّ، وتآخٍ تركيبي شديد، أسهم في توسيع دائرة التعرف على صفات الله عز وجل، وكلها جمل اسمية تفيد ثبات ودوام واستمرار وأزلية تلك الصفات بكمالها، وجلالها، ومهابتها، وكامل معناها لله رب العالمين، ثم تتواصل الآيات لتكمل تلك الصفات، وتبرز تلك النعوت الكريمة، تقول الآية الثالثة:(لم يلد ولم يولد)، حيث جاءت الأولى فعلية فعلها مبني للمعلوم، أي:(لم يلد هو) يعني: لم يلد أحدًا، وجاءت الثانية مبنية للمجهول، أو لما لم يسم فاعله، أي لم يولد هو، والجملتان في حكم المقابلة، والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلا هو ـ سبحانه ـ لم يلد(أستغفر الله العظيم)، ولا هو ـ جل جلاله ـ قد وُلِدَ، حتى يخرج عن دائرة التصور في الوصفين، وهذا وصف لا يجوز لسواه، فكلنا مولودون من أمهات، وأمهاتنا تلدننا، اللهم إلا من استثناهم الله بأن أوجدهم دون أب كسيدنا آدم ـ عليه السلام، والسيدة حواء ـ عليها السلام، وسيدنا عيسى ـ عليه السلام.
أما القسمة الرباعية فهي نحن: لأننا نلد، ونولد، حيث نولد من أمهاتنا، وأمهاتنا تولد من أمهاتها، وهكذا منا من يلد (إناثنا)، ومنا من يولد (إناثنا وذكورنا)، وكلٌّ من الفعل وفاعله، أو الفعل ونائب فاعله قد ترابط مع أخيه ترابطًا قويًّا، وتلازم معه تلازمًا تركيبيًّا، لا يمكن الفكاك منه، أو الخروج عنه؛ ومن ثم فلا يمكن للقارئ أن يقف على أحد المتلازمين دون أن ينطق بأخيه، أو بقرينه، وقد عرفنا من خلال الآية وصفا آخر لله ـ جل في علاه.
* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى