السبت 31 أكتوبر 2020 م - ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شهر صفر بين المعني والأحداث(1)

شهر صفر بين المعني والأحداث(1)

محمود عدلي الشريف:

لقد خلق الله تعالى الزمن وجعله الجزء الأصيل والركن الرئيس الجانب الأكثر تأثيرًا في حياة المخلوقات، وقسمه سبحانه بطريقة عجيبة، تذهل العقول في تنظيمها، وتعجز الألباب في تنوعها، فقد جعل ـ جل جلاله ـ الزمن مقسمًاإلى ليل ونهار وجعل جمعهما يسمى يومًا، وقسمكل منهما إلى أجزاء، فالنهار مقسم إلى أجزاء، والليل مقسم إلى أجزاء، يقول عبدالملك أبومنصور الثعالبي في كتابه (فقه اللغة وسر العربية ص: 215):(سَاعَاتُ النَّهارِ: الشُرُوقُ. ثُمَّ البكورُ. ثُمَّ الغُدْوَةُ. ثُمَّ الضُّحَى. ثُمَّ الهاجِرَةُ. ثُمَّ الظَهِيرَةُ. ثُمَّ الرَّوَاحُ. ثُمَّ العَصْرُ. ثُمَّ القَصْرُ. ثُمَّ الأصِيلُ. ثُمَّ العَشِيُّ. ثُمَّ الغُروبُ،وسَاعَاتُ اللَّيلِ: الشَّفَقُ. ثُمَّ الغَسَقُ. ثُمَّ العَتَمَةُ. ثُمَّ السُّدْفَة. ثُمَّ الفَحْمَةُ. ثُمَّ الزُّلَّةُ. ثُمَّ الزُّلْفةُ. ثُمَّ البُهْرَةُ. ثُمَّ السَّحَرُ. ثُمَّ الفَجْرُ. ثُمَّ الصُّبْحُ. ثُمَّ الصَّباحُ، وبَاقي أسْماءِ الأوْقَاتِ تَجِيءُ بِتَكْرِيرِ الألفاظ التّي معانيها متّفقة)،وجعل كل مجموعة من الليالي والأيام سبعة سبعة، ذكر الله تعالى منها يومين في القرآن وهما:(الجمعة والسبت)، ولم يذكر الباقية للعلم بها فما من الناس من يجهلها،كما جمع سبحانه كل أربعة أسابيع إلى شهر، وجعل علامة هذا الشهر بداية ونهاية الشمس والقمر، جاء في كتاب (الكشف والبيان عن تفسير القرآن 5/429:(إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ يعني عدد شهور السنة عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ، وهي: المحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، فِي كِتابِ اللَّهِ يعني: اللوح المحفوظ، وقيل: في قضائه الذي قضى يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها من الشهور أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، واحد فرد وثلاثة سرد).
وما نعيشه الآن منتلك الأشهر هو الشهر الثاني وهو شهر (صفر)، وهنا سؤال يطرح علينا نفسه ألا وهو: هذا الشهر (صفر) لماذا سمي بهذا الاسم؟.
وإليك ـ أخي القارئ اللبيب ـ الإجابة عن هذا السؤال، يذكر الأخباريون: أن الاسم القديم للمحرم هو صفر، وأنه كان يعرف عندهم بـ(صفر الأول)، ثم قيل له:(المحرم)، وقد عرف الشهران: المحرم وصفر لذلك بـ(الصفرين)، ويظن أن هذه التسمية الجديدة: أي: المحرم لصفر الأول إنما ظهرت في الإسلام، فلفظة (محرم) لم تكن تسمية لذلك الشهر، وإنما كانت صفة له، لحرمته، ثم غلبت عليه، فصارت بمنزلة الاسم العلم عليه، وأما اسمه عند الجاهليين، فهو: صفر، أي: صفر الأول، تمييزًا له عن صفر الثاني، الذي اختص بهذه التسمية أي:(صفر) بعد تغلب لفظة (المحرم) على صفر الأول بحيث صار لا يعرف إلا به، فصار صفر لا يعرف بعد ذلك إلا بـ(صفر)، وقد تغلبت لفظة (محرم) عليه، لأنه شهر من الأشهر الحرم، فهو (صفر). (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام16/ 92)، وجاء في (شرح أدب الكاتب لابن قتيبة ص: 140):(أما الشهور فإن المحرم سمي محرمًا لتحرميهم إياه، وخصوه بهذا الاسم وإن كانوا يحرمون غيره لأنه أول السنة وأوقعوا الفرق فيما بعد، وسُمي صفر صفرًا لأنه وقع بعد شهر حرام فانتشروا فيه للغارة فصفرت بيوتهم من الرجال والخير والصفر الخالي من كل شيء)، وقال أبو عبيدة:(سُمي (صفرًا) لأن العرب كانت لها بلدة بالشام يقال لها الصفرية تمتار منها الطعام كل عام، وقيل: سمي (صفرًا) لأنه كانت تصفر فيه الأشجار)، وقيل: سمي (صفرًا)لأن مكة تصفر من الناس فيه، أي: تخلو منهم، وقيل: وقع فيه وباء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سُمّي (صفرًا) لأنه صفرت فيه وطابهم من اللبن، وإذا ضعفت أركانهم ومرضت أبدانهم، واصفرت ألوانهم قالوا:(صفر)، وإذا ظهرت الرياحين وزهرت البساتين قالوا:(ربيعان) .. وهكذا.
والجدير بالذكر (أنهم كانوا يمكثون بذلك زمانًا يحرّمون صفر، وهم يريدون به المحرم ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأوّل بعض الناس قول النبي (صلى الله عليه وسلّم): ولا صفر، على هذا ثم يحتاجون أيضًا إلى تأخير الصفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخّرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك يتدافع شهرًا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلّها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى وضعه الذي وضعه الله عز وجل وذلك بعد عمر طويل)(بلوغ الأرب 3/ 78)، (صبح الأعشى 2/ 364 وما بعدها)، (نهاية الأرب 1/ 158)، وجاء في (تاج العروس 3/ 336):(المحرم: تمييزًا له عن (صفر الثاني)، وماتت لفظة صفر منه)، قال السخاوي:(إن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا، وذكر أن المحرم لم يكن معروفًا في الجاهلية، وإنما كان يقال له ولصفر: الصفرين، وكان أول الصفرين من أشهر الحرم، فكانت العربُ تارة تحرّمه، وتارة تقاتل فيه، وتحرم صفر الثاني مكانه، فلما جاء الإسلام، وأبطل ما كانوا يفعلونه من النسيء، سماه النبي (صلى الله عليه وسلم)، شهر الله المحرم).
ويتبين من دراسة أسماء هذه الشهور أن منها ما هو تكرار للاسم الواحد، وهي ربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، ومجموعها أربعة أشهر، فهي ثلث السنة إذن، وتقع في النصف الأول من السنة وعلى التوالي، تليها أشهر مفردة، ثم شهران يبتدئ اسماها المركبان بكلمة (ذو)، وهما: ذو القعدة وذو الحجة، وهما آخر شهور السنة، (وإذا صحت رواية من قال: إن الاسم القديم للمحرم هو صفر الأول، كانت الأشهر المكونة للنصف الأول من السنة أشهرًا مزدوجة تتألف من ثلاثة أزواج، هي: صَفَران ورَبيعان وجماديان)(تفسير الطبري 10/ 92)، وقد أورد العلماء شروحًا وتفسيرات لمعاني الشهور المتقدمة الجاهلية، والشهور التي استعملت في الإسلام واقترنت بالتقويم الهجري، وإذا درسنا أسماء هذه الشهور الجاهلية التي ذكرها أهل الأخبار، وجدنا أنها لا تشبه أسماء الشهور البابلية ولا الشهور السريانية والعبرانية، وهي لا تشبه كذلك أسماء الشهور الواردة في المسند، فليس في الذي بين أيدينا من أسماء للشهور العربية على اختلافها ما يشبه هذه الشهور،يقال:(إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق شهر رمضان أيام رمض الحر، فسمي بذلك، ولم يعرفوا أن ذلك بسبب اتباع الإسلام التقويم القمري، مما دعا إلى تحرك الشهور وتنقلها في الفصول، لكون الشهور القمرية غير ثابتة على نمط الشهور الشمسية)(مروج الذهب 2/ 188).
وهذه بعض ما قيل عن اسم هذا الشهر ومعناه، وللحديث بقية عن أهم الأحداث التي وقعت فيه.
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى