السبت 31 أكتوبر 2020 م - ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / معرفة الأفراد (2)

معرفة الأفراد (2)

علي بن سالم الرواحي:

ثانيًا ـ الحديث الفرد النسبي:
تفرد راوٍ بالحديث عن راوٍ آخر، ومثاله:حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: مَكَثَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ ثَلَاثًا، لَمْ يَذُوقُوا طَعَامًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَاهُنَا كُدْيَةً مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(رُشُّوهَا بِالْمَاءِ)، فَرَشُّوهَا، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ـ أَوِ الْمِسْحَاةَ ـ ثُمَّ قَالَ:(بِسْمِ اللهِ)، فَضَرَبَ ثَلَاثًا، فَصَارَتْ كَثِيبًا يُهَالُ، قَالَ جَابِرٌ: فَحَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قَدْ شَدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا, فقد تفرد بالحديث عبد الواحد عن أبيه، ولا يوجد راوٍ آخر أخذه عن أيمن، وتفرد أهل بلد بالحديث عن راوٍ.
ومثاله:حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ)، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِيهِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ.
وقد تفرد به أهل مروعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ وتفرد راوٍواحدٍ بحديث عن أهل بلدٍانفردوا به: وهذا قليل حصوله، ولم أحصل على مثال عليه، وتفرد أهل بلد أو جماعة عن أهل البلدان الأخرى أو عن جماعات أخرى بحيث لم يشاركهم آخر فيه من بداية السند إلى منتهاه،ومثاله: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ:(إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)، قال الحاكم:تفرد به البصريون عن الكوفيين وإنما تفرد به خالد الحذاء البصري وهو واحد.
والمثال الثاني هو: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ:(قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ (يَعْصِبَ) شَكَّ مُوسَى ـ َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)، وذكر الدار قطني في سننه عن هذا الحديث بأنه تفرّد به أهل مكة دون غيرهم ثم نقله عنهم أهل الجزير دون غيرهم، وإذا كان هذا الحديث رواه فرد من أهل مكة، حينها يكون مطلقًا.
* حجية الحديث الفرد:
حجية الحديث الفرد المطلق: إذا كان انفرد به الشخص الثقة، لا يضير الحديث هذا الإنفراد،أما لو كان منفرد به غير ثقة فيُحكَم بضعفه، لاحتمال وقوع خطأ في الحديث متنًا أو سندًا، واذا تفرد البلد في راو واحد منهم دون سائر جماعة البلد، فحينها يقترب من القسم السابق، لتفرّده براوٍ فقط، وقد يكون ضعيفًا إذا كان رجاله غير ثقاة، أما لو انفرد به أهل بلد ما كالمكيين مثلًا بأعداد من الرواة منهم، فلا ريب أن هذا الحديث أأكد من الحديث السابق, بشرط أن يكون رواته ثقاةً.
وحجية الفرد النسبي أقوى من حجية الفرد المطلق،وذلك ناشئ من أن مجال فرديته أصغر من مجال فردية المطلق، ومن المعلوم أن الحديث يقوى بالمتابعات وبالشواهد، إما انفراده وإن كنا لا نقوى على القول بأن الإفراد يضعف الحديث،لكنه غالب ما يكون الفرد كاليتيم والكثرة مناط التأكيد، وعمومًا فإن مناط قبول الحديث هو أن يكون رواته عدولًا ضابطين ولو كانوا آحادًا.
* كاتب عماني

إلى الأعلى