الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان عندما يتجلى إلى مرتبة المعرفة

الإنسان عندما يتجلى إلى مرتبة المعرفة

سعود بن علي الحارثي

من توجه منذ نعومة أظافره إلى طريق المكتبة بدافع من فضول وحب الاكتشاف ووعي وقناعة وعشق للكتاب، واختاره بعناية وشطارة، وطالع صفحاته وهو في حال من الرغبة الجادة والإرادة والشعور بالسعادة وكأن الحياة باتت ملكه، وأبحر في سطور الصفحات إبحارا يوصله إلى مرتبة المعرفة وكشف الحقيقة وفهم ما غاب عنه من علم والتبس عليه من فهم. من تمعن في الكلمات المسبوكة التي سهر كاتبها الليالي، وعانى مشقة التفكير والبحث والمراجعة والتدقيق والتنقيح، والسؤال وجلسات العصف الذهني… ليملأ بحصيلة ما استخلصه من علم زاخر بياض الصفحات بسواد الأحبار، ويقدم لقارئه إنتاجا تتعالى أثمانه على اللآلئ والجواهر. أما جمال الكتب فحدث ولا حرج، عن رونق وتناسق وتناغم أغلفتها ـ رشاقة ورهافة وقوام الخط ووضوحه واتساقه مع المعاني ـ سلاسة وهندسة بناء الكلمات والجمل وضبطها ـ حسن اختيار الألفاظ من نهر الكلمات الشاسع لتقدم المعنى في دقة متناهية، والجودة في المحتوى والمضمون، وتحقيق الهدف والغاية في الرسالة حد الإبهار… إبداع متعدد الأشكال والألوان، نصوص أدبية، وملاحم شعرية، ودراسات وأبحاث علمية، وأفكار وأنساق إنسانية، وموسوعات ومعاجم ذات مجالات وتخصصات مختلفة، إنها الكتب في عالمها يبحر الإنسان إلى أعماق العلم والمعرفة والثقافة، إنها الحياة والسعادة والجمال كله، هي الغذاء الملهم لكل ما أشكل علينا، فيها السؤال والجواب، هي خير جليس وصاحب ورفيق ومؤنس، فبخ بخ لمن أحب الكتب وأدمن القراءة واستوعب ما فيها من كنوز ودرر باهظة الثمن، وثمار شهية، ومضامين عميقة، ودروس عظيمة، وتشرب كل كلمة فيها فاحتفظ بها في خزائن محفوظاته القيمة، وفي تغريدة سابقة قلت بأن “الفراغ الفكري إنما ناتج عن القصور المعرفي، الذي يتوجب ملؤه باكتساب المعرفة والمطالعة المتواصلة وصحبة الكتاب”، هي “تطوير للذات وانتصار للقدرات” تقود الإنسان إلى التفكر والتدبر والتقويم والتصحيح والتصويب وإصلاح العيوب والخلل، إنها تحتل الصدارة في مصادر المعرفة وفي صقل المهارات وتراكم الخبرات وتكوين شخصية الإنسان وتهذيبها، وبها تتجلى له الحقائق ويستشعر السعادة وجمال الحياة… من فكر وتدبر وتأمل هذا الملكوت الرباني الواسع، العجيب والدقيق في حركة محتوياته وعناصره وجزئياته، جمالها ونسقها ومجالات عملها وتخصص كل منها ومواقعها المتغيرة وتصادماتها وتبادل الأدوار وتقاسمه فيما بينها. من أبحر وتعمق واستوعب قصص التاريخ ومراحله ودروسه وشخصياته وتحولاته وما تحدثه من انعكاسات وتبدلات على شئون الحياة، في مجرياتها وتطوراتها وأحداثها، بداياتها ونهاياتها. من فهم أسرار العلاقات الإنسانية ومصالحها وطبيعتها وفرادتها، ومجالات هذه العلاقة وخصائصها وأطرافها، وصراع الإنسان في حلباتها ونتائجه الكارثية على الأرض والمخلوقات والبيئة، وتباين واختلاف شخصياتها في أنماط التفكير والأساليب والسلوك والأهداف والغايات وروابطهم الدينية والعرقية والتجارية والسياسية والإنسانية والمعيشية التي تشكل نسق حياتهم في عالم شاسع من المتناقضات والمتآلفات في آن، لتعرض لنا في سلسلة من المواقف والأحداث والإفرازات والخلاصات الفوارق الهائلة بين الخير والشر، التوتر والاستقرار، الحرب والسلم، العلم والجهل، القوة والضعف، النجاح والفشل، التقدم والتخلف… والتي نكتشفها ونلمسها ونراها في الآثار والنتائج وفي شقاء المجتمعات وآلامها أو سعادتها ورخائها… واستثمار الإنسان لهذا المجال الخصب والاستفادة من المعاني والدلالات والمقاصد والغايات والأسباب والنتائج حول كل شأن أو أمر من شؤون الكون والإنسان والبيئة والتاريخ… يعمق خبراته ومعارفه ويضعه أمام الكثير من الحقائق التي تصقل شخصيته وتهذب سلوكه، وتيسر له طرقه، وتمكنه من اتخاذ القرارات السليمة. من علم علما ييسر له حياته ويمهد له طريقه ويفيده في اتخاذ قراراته ويصحح له أخطاءه ويقيم له أداءه وأوضاعه وسلوكه ويبصره بواقعه ويفصح له عن حقيقته وحقيقة الكثير من الأمور والأوضاع والمسائل التي التبست عليه ويجيبه عن أسئلته الحائرة فقد غنم وسعد وارتقى درجات العلا في التطور والتقدم والازدهار… من تنوعت ثقافته وعلت همته وارتفعت مكانته إلى مصاف العلماء والمثقفين والأدباء والباحثين والمطلعين والمؤثرين والسالكين طريق العلم والمعرفة، وأسال مداد قلمه فطرح أفكاره المفيدة والمثيرة والنشطة، وعبر عن رأيه بشجاعة وتجرد، واستفاد من إمكانات الآخرين وأفاد غيره، تبينت له المسالك الصحيحة والطرق القويمة والسبل المنجية من الفخاخ والشراك والمخاطر، وكانت له وقاية من الوقوع في براثن الجهل والتخلف، وعرف بأن مصالحه لا تنفصل عن مصالح العموم، ولا يسعد فرد في ظل شقاء مجتمع.. من عرف بواعث السعادة الحقيقية وأسباب الصحة ومكمن الحقيقة ومنتهى السلامة ومعنى الوجود فليبشر بالخير الوفير والراحة النفسية والصحة وصلاح أموره… من ترك سفاسف الأمور وترهاتها وأبعد نفسه عن المطامع الزائفة والشكليات الزائلة وقشور الحياة التي خفي عن البعض زيفها وقبحها وهشاشتها، ونزه إنسانيته عن الصفات الدنيئة من حسد وتباغض وتنابز وتزلف وتهكم على الآخرين، واستفاد من سير الأولين واتعظ بقصص الآخرين ارتفعت منزلته وعلت مكانته، ووجد الحياة رحبة واسعة تتسع له ولهم وتستوعب أفكاره وطموحاته جنبا إلى جنب مع غيره من الناس وإن اختلفوا معه في الفكرة والرأي وأسلوب العمل، فهم معا قادرون على النجاح وتخطي المعوقات والتعاون والتحاور والعيش بسلام واستقرار، وسيكتشف بأن الدنيا جميلة زاهية آمنة، ونظرته إليها إيجابية متفائلة تدفعه إلى العمل الجاد والبحث المتواصل والمساهمة الفاعلة والتعاون المثمر، وسيسعى بخطى حثيثة إلى خدمة مجتمعه وتطوير بلده والارتقاء بعمله وأدائه ومستواه الفكري والثقافي، وسيسهم في التخفيف من آلام الآخرين، ويشارك في معالجة مشاكلهم ومساعدتهم والوقوف معهم في محنهم وأسقامهم.. بهذه المكانة الرفيعة المحصنة بالعلم والثقافة والوعي يكون الإنسان رائعا، وفي موقف القدوة لغيره من البشر، بسلوكه الراقي ورزانته وسمته وتوازنه في علاقاته وتعاملاته وروابطه مع جميع الأطراف التي يتعامل معها، بالمعرفة والثقافة والبحث الدائم عن الحقيقة ونصرته للحق وحرصه على صلاح مجتمعه وخدمة وطنه هذا مجاله الطبيعي وموقعه الحقيقي مشرفا وأمينا ومسؤولا ومكلفا، وعليه أن يستثمر عقله وضميره ومكانته وعمله ومقدراته العديدة في خدمة الغايات الأساسية من وجوده على الأرض، ليسعد في دنياه وفي آخرته.

إلى الأعلى