الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: المرأة العمانية وإنتاج فقه المرحلة الانتقالية

في العمق: المرأة العمانية وإنتاج فقه المرحلة الانتقالية

د. رجب بن علي العويسي

احتفلت السلطنة بيوم المرأة العمانية الذي يصادف السابع عشر من أكتوبر، وقد تحقق لها في مسيرة النهضة المباركة بقيادة المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ وعلى مدى خمسة عقود مضت الكثير من الإنجازات، شريكة للرجل في التنمية، وحصن الوطن ودرعه في بناء أرصدة نجاحه وموجهات استقراره، ومع دخول عمان مرحلة انتقالية جديدة في مسيرتها المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فقد جاء خطاب عمان المستقبل الذي تفضل به جلالته في الثالث والعشرين من فبراير عام 2020 مؤكدا على الثوابت العمانية في استمرار القيادة الحكيمة لدعم دور المرأة في التنمية وترسيخ مسؤوليتها في بناء مجتمع عمان المستقبل، حيث ورد في الخطاب السامي “إن شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني، ونحرص على أن تتمتع فيه المرأة بحقوقها التي كفلها القانون، وأن تعمل مع الرجل جنبا إلى جنب، في مختلف المجالات خدمة لوطنها ومجتمعها، مؤكدين على رعايتنا الدائمة لهذه الثوابت الوطنية، التي لا محيد عنها ولا تساهل بشأنها”.
لقد اتسمت الرؤية السامية الحكيمة في قراءة دور المرأة العمانية الحضاري بالعمق والاستدامة رافق كل محطات التطوير التي انتهجتها عمان، واتخذت أشكالا متعددة ووسائل وأساليب ممنهجة عبر جملة من الموجهات التي رصدتها الخطط الخمسية والتنموية للقطاعات والمؤسسات، فمبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين في التعليم والتمكين الاقتصادي والاجتماعي والمشاركة المجتمعية والسياسية للمرأة، محطات تحول انعكست على حضور المرأة العمانية في كل مسارات الإنجاز الوطني لبناء المرأة القادرة على المشاركة الفاعلة، والإسهام الواعي في تحقيق مسيرة التنمية المستدامة، وبلورت آليات عمل واضحة تعنى فيها ببناء الأسرة وتعزيزها اقتصاديا وتطويرها ثقافيا وتعليميا وفكريا، لذلك كان الاحتفال بهذا اليوم محطة لإلقاء الضوء على إسهاماتها في خدمة مجتمعها، ونشر الوعي الصحيح بدورها ومكانتها، وتعزيز تطلعاتها نحو المستقبل؛ ودعوة للمرأة العمانية في بذل الجهد واستفراغ الوسع وإعادة إنتاج الممارسة المجتمعية في مختلف تفاصيلها، وفاعلية الدور المعقود على المرأة في صناعة مستقبل الوطن، وهو دور أعمق من كونه مجرد استحقاقات وظيفية عليا بحصول المرأة العمانية على فرص قيادة المؤسسات أو تبوؤها المكانة المرموقة في الجهاز الإداري للدولة وانخراطها في كل الوظائف المهنية والقضائية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، وعضويتها في المجالس البرلمانية ومجالس الشركات الحكومية وغيرها؛ بل في عظم الأمانة التي تحملها وطبيعة المرحلة التي تحتم عليها اليوم مسؤولية تقييم كل الأطروحات السابقة التي تقرأ المرأة واستحقاقاتها في حجم ما أنجز، إلى البحث في العمق الوطني ذاته والتأكيد على دورها في الانتقال من مرحلة التمكين إلى التمكن، وعبر امتلاكها إرادة التثمير في الموارد الوطنية وما وفرته الدولة لها من تشريعات، وأوجدته من سياسات، وعززته من ممارسات، وأتاحته من خطط وبرامج وفرص للمرأة العمانية لنهوضها التنموي ومشاركتها في التطوير الاقتصادي والاجتماعي واستثمارها بشكل ممنهج، وفق إطار عمل يضمن تمكُّن المرأة من إحداث تحول إيجابي في قواعد العمل الاجتماعي وسلوك التنمية ورسم مناخات نموها واستدامتها، فتثبت وجودها وحضورها الوطني في القيام بأولوياتها في المجتمع، والوقوف على مقتضيات التطوير الحاصل فيه، وتمتلك معايير المسؤولية في قيادة روح المبادرة في أجيال الوطن وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم في الحياة.
وتضع المرحلة الانتقالية التي تعيشها السلطنة والتوجهات الوطنية التي أكدها خطاب المرحلة والظروف والتحولات الاقتصادية العتي فرضها الواقع العالمي، والمتغيرات الحاصلة في ثقافة الشباب وفقه المجتمع وتأثير جائحة كورونا والظروف الصعبة التي أوجدتها هذه الجائحة في تحقيق الشباب لأحلامهم في إدارة المشروعات الاقتصادية وغيرها؛ تضع المرأة أمام مسؤولية أكبر في قراءة فقه المرحلة، وإعادة إنتاج الواقع الوطني ليتناغم مع توقعات الشباب وظروفه، ويتوافق مع أجندة العمل الوطنية والمرتكزات التي سعت الحكومة لتحقيقها، ودورها في مساندة هذه الجهود والأخذ بيد أبناء المجتمع في استشعار حجم المنجز الوطني واستمرارية جهود الدولة في التعامل مع قضاياه التي بات تدق ناقوس الخطر، مثل قضايا الباحثين عن عمل والمسرحين ومخرجات الدبلوم التعليم العالي، وعبر دورها في ترسيخ وعي الأجيال بمسؤولياتهم وترقية إبداعاتهم ومبادراتهم وصناعة الإنتاجية في توجهاتهم، وتعزيز البناء الأخلاقي والقيمي الذي تصنع منه المرأة مساحة أمان للمجتمع تحفظ كيانه ووحدته وهويته وترتقي بطموحات شبابه، وبقدر ما يحمله الواقع الاجتماعي من ظروف استثنائية وتحديات كبيرة وتأثيرات متتالية، بقدر ما يتطلبه من حضور أكبر للمرأة باعتبارها خط الدفاع الأول في المواجهة وخط التأثير الأول في إعادة إنتاج الممارسة، وتغيير القناعات وتصحيح الأفهام والتأثير في فكر ابناء المجتمع وبناته، ونقل روح التجديد في الأداء الوطني، وإلهام العادات والتقاليد روح التجديد والتطوير بما يسهم في توجيهها لصالح البناء المجتمعي وخدمة التنمية،
عليه، وبقدر حضور المرأة في هذه المواقف تتشكل ثقافة مجتمعية قائمة على حكمة المواقف وهدوء العاصفة وفضيلة الانتظار وتكريس لغة الجمع والتعاون والإيمان بالثوابت الوطنية الداعمة لنهضة الوعي وبناء القدرات وتحقيق السلام الداخلي في الأسرة، وتعزيز دور الرجل ومساعدته في بلوغ استحقاقات المرحلة، ومشاركتها في إنتاج مجتمع القوة في إعداد الأبناء وتربيتهم روحا وفكرا وعقلا وجسدا، وإصلاح الخلل الأسري والتفكك المجتمعي والتبعثر في عناصر الأداء الأسري والتمكين والريادة، ومواجهة التحديات الناتجة عن الظواهر السلبية التي باتت تشكل ثقافة مضادة لثقافة المجتمع، كالتنمر الاجتماعي والمخدرات والطلاق والمشكلات الزوجية وقضايا الميراث والمشاكل الأسرية، وفقدان خصوصية المرأة في منصات التواصل الاجتماعي، وسوء استخدام منصات التواصل الاجتماعي والتعامل مع كبار السن، وغيرها من القضايا اليومية والظواهر المجتمعية التي باتت تدق ناقوس الخطر وتنذر بمخاطر على الأمن الاجتماعي على المدى البعيد، إن لم تقف المرأة عليها بوعي مسؤول، وفكر متجدد، وروح راقية وحكمة في التصرف، وأن تمارس دورها الريادي في إنتاج مواطنة المواطن، وصناعة القرار الأسري والمشاركة فيه، وحماية الأطفال، والتعامل مع الظواهر السلبية المقلقة التي باتت تشكل حياة الأجيال كالفشل والإحباطات والتذمر وعدم الرضا، وغيرها من الأمور الناتجة عن الظروف الاقتصادية التي يمر بها المجتمع، والسياسات الاقتصادية التي بات يقرأ فيها مفاهيم أخرى نظرا لتزايد الضغوطات وارتفاع معدلات القلق النفسي حول المستقبل، بحيث تضعها المرأة اليوم في سلم أولوياتها، وصميم عملها، وأن تصنع لها حضورا نوعيا يعزز من قيم المسؤولية وأخلاقيات العمل، ويبني سياجا يحمي أبناء الوطن من هذه التغيرات السلبية والأفكار الفردية والسطحية الفكرية.
على أن قدرة المرأة العمانية على إدارة التوازنات الأسرية منطلق لبناء منصات الحوار، وتقوية جسور التواصل والثقة بين أبنائها في رسم ملامح التعامل مع الاستهلاك والإنفاق اليومي وتعزيز الادخار وتقليل الحالة الاستهلاكية، كونه مدخلا لتعزيز الوعي الاقتصادي والاستهلاكي للأسرة، ومنطلقا لتعميق التفاؤلية والابتكارية في إدارة الموارد الخاصة وخلق الفرص، فإن الحافز الذي تقدمه المرأة النابع في فقه المرحلة بطبيعة الظروف التي يعيشها المواطن وبناء المسارات الإيجابية له، سوف يسهم في إنتاج فقه المرحلة وظروفها التي باتت تلقي بظلالها على الأمن النفسي والصحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للأسرة في ظل جائحة كورونا (كوفيد 19)، فإن ما تغرسه المرأة في جيل عمان المستقبل من قيم المسؤولية والالتزام والحرص والعمل والإنتاج والإخلاص وتقدير الوطن والمحافظة على المنجز، والوفاء لعمان والولاء لجلالة السلطان، سوف يصنع القوة ويبني الآمال ويرقى بأحلام أبناء المستقبل، ويضبط الممارسة، ويقوي العزيمة لمواصلة الجهد والبذل والعمل، وترقية المشاعر، وتهذيب الأخلاق والاحتواء ضمن نطاق الأسرة، والتعامل الواعي مع ردات الفعل، ونهضة التفكير، وبناء القدرات، وصناعة القدوات والنماذج الإيجابية في المجتمع، فهي بإذن الله قادرة على امتلاك مفاتيح التغيير، وتوجيه بوصلة الاهتمام، وإنتاج القوة في الواقع الأسري، وتعزيز المنافسة وتنشيط العناصر الهامدة في حياة الأسرة.
من هنا فإن الاحتفال بيوم المرأة العمانية يعيد إلى الذاكرة الحضارية العمانية كل المراحل التطويرية والتجديدية التي عززت من دور المرأة العمانية ورصيد الفرص والمقومات التي ساهمت في نجاحها ودور المرأة في الاستفادة منها، استشعار وطني لدورها في ريادة التغيير وصناعة مجتمع القوة في مواجهة التحديات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسلوكية التي باتت تعصف بحياة المجتمع وشبابه، وتنذر بتصدعات غير مأمونة إن لم تتداركها المرأة وتقف عليها وتعيد صياغة واقعها وتبني دورها من جديد، دور يستنهض همم الأجيال ويستنطق قيمهم ويبني مواطنتهم ويعزز حضورهم ويصنع فيهم الأمل، دور التوجيه والإرشاد، والحفظ والصون، والتنمية والتطوير، والاستقرار والبناء، والتهذيب والتربية، والتحفيز وبناء الإرادة، والأمن والسلام، محطات إنجاز لن يذهب بريقها أو يخفت ضوؤها أو ينحني عودها بل عطاء ممدود، وعمل مشهود، وفخرنا نحن مجتمع الرجال وفخر الوطن بكل شرائحه بعظمة دور المرأة وسعينا نحن لتبوئها المكانة التي حفظتها لها إنسانية الوطن ومشاركتها في كل مواقع العمل والمسؤولية؛ لا يعني بأي حال من الأحوال تخليها عن رسالتها في الحياة ومسؤولياتها في بناء الإنسان ونهضة الأوطان، فاستحقاقات الدور بعمق ما حققته المرأة في رصيد الأجيال القادمة وما تركته من بصمة إنجاز ومفخرة تربية تعبر عن حضورها في واقع الأجيال كأم وأخت وزوجه وتأثيرها في صياغة لحن التنمية المتجدد وإعادة بناء مساره، وتأصيل قيم المواطنة الإيجابية وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز البناء الأخلاقي وتربية القيم الأصيلة، وإعادة إنتاج منظومة العادات والتقاليد بما يحفظ للمجتمع أمنه واستقراره ويعزز من انتماء الأجيال وولائهم له، ورسم ملامح عمل مضيئة تصنعها المرأة في كل المواقف والأحداث لإنتاج واقع وطني يضع الجميع شركاء في الإنجاز كما هم شركاء في النجاح.
وتبقى المرأة العمانية الأصيلة الشامخة السامقة في سماوات العطاء والإنجاز، وفي ظل فرص التعليم والتدريب والتأهيل وبرامج الرعاية والتمكين التي تحققت لها في ظل نهضة عمان المتجددة والوعي الحقوقي والقانوني الذي اكتسبته من واقع الخبرة والتجربة والتعلم وموقعها في منظومة العمل الاجتماعي والمؤسسي، معنية اليوم بمنح حضورها قيمته وأهميته في مسيرة البناء النوعي والتطوير المنهجي، والمشاركة الواعية في أولويات المرحلة الانتقالية، والخروج من عباءة السطحيات والشكليات والشعارات المزيفة والأفكار المغايرة، لتثبت أنها خلاف ذلك في فكرها المتجدد وصوتها الفاعل المؤثر وكفاءتها ورقيها وسمو تفكيرها، ونهضة روحها وتفوقها وإنجازها وتقدمها، وأصالة مبادئها والتزامها وقدرتها على اتخاذ القرار وتصحيح المسار وإنتاج الواقع، وتحديث السلوك وتربية القيم، بحيث تمنح هذه المفردات والمفاهيم قيمتها في سلوك الأجيال، ثقافة يومية وعادة حياتية متزنة يمارسونها بكل مهنية، احتراما للمرأة وإجلالا لها، وتقديرا لدورها، وترسيخا للثوابت الإيمانية وقواعد الإسلام الأصيلة التي كرّمت المرأة وأعلت شأنها، والنهج العماني المستمر الذي عزز من استحقاقات المرأة وحفظ لها حقوقها، فسلام للسيدة الجليلة ـ حفظها الله ـ سلام لكل أمهات هذا الوطن الغالي وبناته، سلام لكل عمانية حفظت وطنا، وصنعت مجدا، ورسمت نهجا، وحققت نهضة، وكل عام والجميع بخير.

إلى الأعلى