الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نبض طبيب: كرم من نوع آخر
نبض طبيب: كرم من نوع آخر

نبض طبيب: كرم من نوع آخر

د. رقية بنت إسماعيل الظاهرية :
قضية التبرع بالأعضاء من القضايا التي يصعب تقبلها بالرغم أنه أصبح نظام حياة في البلدان المتقدمة، كما أن كافة المساعي العالمية تشجع هذه الثقافة التي يدعمها القانون وعلماء الدين ليس فقط من أجل التضامن الإنساني والتعاطف لإنقاذ حياة الآخر، بل ليقطع الطريق أمام أي ممارسة تمس الكرامة البشرية، وتتنافى مع المبادئ القانونية والأخلاقية كتجارة الأعضاء وجوانبها المظلمة عندما نرى ونتأمل كيف غيَّر التبرُّع بالأعضاء حياة الواهب والمستفيد، وكيف تحصل هذه
المعجزات اليومية بين رحمة الله وقضائه، وتحمل في طياتها الكثير من التفاصيل التي قد لا يكترث بها كثير من الناس، لكنها بالتأكيد استثنائية لمتلقي زراعة الأعضاء والمتبرعين وعائلاتهم.
هل تعي حجم العطاء حين يتبرع الأهل بقلب نابض من مريض متوفى دماغيا ليهبوا حياة لإنسان لا يعرفون عنه شيئا إلا إنسانيته لينبض حبا وحياة دون مقابل؟ أن تزرع الأمل بالنور لتنير بصر إنسان بنور عينك بعد وفاتك؟
رافقت عيون الأم ابنها حتى آخر لحظة وهي تذرف الكثير من الدموع،
يغلق فيها باب غرفة العمليات، عيناها معلقتان على ذلك الباب وكأنها مراسم تشييع انحبست عندها الأنفاس، ودعت فلذة كبدها ابنها المتوفى دماغيا بعد أن اتخذت قرارا شجاعا بأن تتبرع بأعضائه لمن هم في حاجة ماسة، هيبة الموقف وعظمة الأم التي استطاعت أن تبلد مشاعر الفقد
والفراق للحظة ليتسع قلبها في قمة انكساره، وأن تتخطى حدود المأساة في وقت حرج لتهب أعضاء ابنها للتبرع.
وها هنا أُمٌّ أخرى فقدت ابنها الشاب بحادث لتعلم متفاجئة بأنه سجل
نفسه كواهب للأعضاء مسبقا، وبين هول الخبر وصدمته لم تتردد في إعطاء الإذن لتحقيق وصيته لمعرفتها برأفة قلبه وسخائه الإنساني، لتقول بكل شجاعة متجاوزة لمشاعر الغصة وخسارتها لابنها الوحيد، أفتخر بأن ابني تبرع بقلبه وقرنيته وكليتيه وعظامه، كما أتشرف بأن هذا التبرع أثمر بمنح قلب نابض لشاب ينبض بانتظام كل يوم دون أن
ينقص بنبضة واحدة، وأن يضيء بصر شاب آخر في منتصف العمر، وحصل آخرون على أجزاء من عظمه، وكان من بين هؤلاء أطفال،
بالرغم من أن ابني تزوج ولم ينجب، ولكن قد يكون قدري بأن يكون هؤلاء الأطفال أحفادي الذين لم ولن ألتقي بهم، ويتعلق قلبي بأرواح غريبة لم أعرفها يوما.
إلى تلك العائلة الموجودة هناك التي لا أعرفها، لولا قراركم بوهب قلب
فقيدكم لكان الموت هو الشيء الوحيد الذي ينتظر زوجي، قد نكون أسعد عائلة في الدنيا لتلقي اتصال بالحصول على قلب متبرع، ويؤلمني كثيرا أن هذا الابتهال بني على خسارتكم معادلة حياة معقدة وغير منصفة، وكأن السعادة تخلق من رحم الفاجعة، كتب لزوجي أن تكون هبة الحياة من نصيبه بجود فقيدكم، لن أستطيع أن أوفيكم حقكم ولن أوفي الراحل حقه، وبالتأكيد لن أنساكم في صلاتي ومن خالص دعائي.
أود أن أقدم امتناني الصادق بالنيابة عن كل متلقي زراعة أعضاء للذين لم يبخلوا بأنسجتهم وأعضائهم، وخصوصا الذين تبرعوا عند وفاتهم الذين لا يزالون يوفرون الحياة لبشر آخرين رغم انتهاء حياتهم، فالواهب المتوفى أكثر سخاء، وعطاؤه لا ينضب من كونه يمكن يتبرع بكل شيء.
كما لا ننسى إحسان عائلاتهم الذين أبدوا من الصلابة والحنو ما هو
أكبر من حجم المآسي التي لا يمكن لمعظم الناس تجاوزها، بقلوب محطمة ما زالت لم تسكن من فزعة الموت، وبرباطة جأش واجهوا معاناة الفقد بكرم من نوع آخر.
بين الموت والحياة والمسافة بين الرحلتين هناك تدفق للخير بتواتر الأخذ والعطاء، فعندما يموت الواهب فإنه يودع الناس والأماكن ويودع ذاته، ولكنه يترك ذكرى لا تنسى عندما يستوطن جسد إنسان آخر لتخلد ذكراه بعد مماته، ليخلق ديمومة واستمرارا وكأنه يسدد ثمنا لوطنية الحياة التي وهبت له بفضل من الخالق بدون مقابل عبر أجساد أنهكها الانتظار والترقب لعضو متبرع بدون مقابل، لتتجلى ثقافة التبرع بالأعضاء كعطاء يدرك فيها الإنسان أن فعل الخير لا يتوقف بمماته، وإذا افترضنا بأنك ستحتاج ما أنت متبرع به في حياتك، فلم لا تتبرع به بعد وفاتك، لتجعلهاصدقة جارية وامتدادا لعمل صالح لا ينقطع أجره من بعدك؟

طبيبة مختصة بقانون وأخلاقيات مزاولة مهنة الطب

إلى الأعلى