الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / زوايا خفية: ثقافة الاعتذار

زوايا خفية: ثقافة الاعتذار

رفيف بنت عبدالله الطائية ✱
الكل يسعى للمثالية في الأخلاقيات… ولكن لا يوجد أحد مثالي مئة بالمئة، فالدرجات متفاوتة في الأخلاقيات، وبعض القيم والمبادئ غير مكتسبة بل هي فكر وثقافة، ومن ضمن هذه الثقافات الأخلاقية والتي تسعى الذات الإنسانية أن تصل إليها هي مبدأ الاعتذار.
وخُلُقُ الاعتذار ما هو إلا ثقافة وفكر للذات الإنسانية لا يتمتع بها الجميع… نعم إن الاعتراف بالخطأ والحق فضيلة ووضوح مع الذات، لذلك أًصنف هذه الأخلاقية الراقية على أنها فكرٌ وثقافةٌ مكتسبة من الخبرات العملية والحياتية، فهي ليست كباقي الأخلاقيات تكتسب بحكم التربية، والبيئة الاجتماعية بل أعمق من ذلك، فهي قناعةٌ حتميةٌ ترقى بالذات نحو التحضر الفكري والأخلاقي.

كَوْن أن الاعتذار ثقافة؛ فالشخص المتصالح مع ذاته بالطبع يكن متسامحًا مع الآخرين، كما أن هذه الثقافة فنٌّ ومهارةٌ، فهل أنت تتمتع بهذا الفكر؟ هل أنت ماهرٌ وبارعٌ عند الاعتذار؟ وهل أنت ممن يبادر بالاعتراف بالخطأ؟ أم أنت ممن ينظر على أنه ضعف وإهانة للكرامة؟
لِمَ الاعتذار يعبر عن الأخلاقيات؟… لا يوجد أحد مثالي في خُلُقِه، فكل شخصٍ هناك له صفاته الإيجابية والسلبية، وثقافة وفكر تميزهُ عن غيره، والاعتذار بحد ذاته خلق فكري بمعنى هو ثقافة كغيره من بقية الثقافات الإنسانية، وبما أنه فكرٌ فمن النادر تجد شخصيةً تتمتع بهذا الفكر الراقي ويجعله خلقًا من أخلاقياته، حيث عند الاعتذار قد تكون هناك تنازلات وتضحيات المعتذر، ولكنه اتخذ من هذا الخلق الراقي مبدأ فكريًّا له، فهو لا يُعير لبعض الأمور التي قد يراها تافهةً مقابل عدم الخسران وكسب المودة بينه وبين أحبابه.
آسف… بحد ذاتها كلمة كبيرة في المعاني، قوية عند نطقها، راقية في التعبير عن الندم الشديد.. فكيف لا نلتمس العذر لمن أتى متعنيًا ليتصالح معنا؟

وليس من الخطأ أن نعتذر، فكل شخص معرض بذلك، ولكن الاستمرارية به هو الخطأ بحد ذاته… الكل معرض أن يتفوه بكلمة قد تهين الطرف الآخر، أو يتصرف بموقف يقلل من شأن الطرف الآخر، ويكمن جمال الشخصية المعتذرة بأنها سرعان ما تتدارك هذا الخطأ وتلتمس العذر من المميزين لديها. أعتذر يا عزيزي… ما أروع هذه الجملة عندما تصدر بقناعة تامة لكسب الود، لذلك من يبادر بالاعتراف بالخطأ يتمتع بشخصية راقية جدًّا ونادرة، فهو لم ينظر على أنه هذا تقليل من شأنه أو إهانة في حق ذاته بل نظر إليها من زاوية مختلفة تماما… فهو كان صادقًا وواضحًا مع نفسه بأنه أخطأ ولا بد من تصحيح الغلط…. كون أنه أنَّب ذاته وعاتبها على غلطةٍ أمر كافٍ بأن يكون ذا فكر مميز وذا شخصية نادرة، وهو صاحب ذات واثقة بالنفس ومحبة.

أعذرني… أحرف بسيطة تصنع بحد ذاتها الراحة والطمأنينة للشخصية المعتذرة بأنه يحاول بقصارى جهده لكسب مودة من يحب ومن أخطأ بحقه وكيف لا؟ وهو يظهر له كم هو عزيزٌ وغالٍ عليه وأنه يرفض خسرانه، فكسب مودة الآخرين من مكارم الأخلاق. وعادة ما يتسم الشخص المعتذر بطيبة القلب فهو ذو قلب محب ومعطاء، ذو فكر عميق وراقٍ… شخصية قوية وتتمتع بطولة البال وهادئة… وتتسم بأنها مبادرة للصلح والخير… ومن أهم صفات صاحب هذه الثقافة أنه بعيد المدى في التفكير.

أتأسف لك… رسالة راقية جدًّا، وسلوك عالي الشأن لا ينقص من قيمة المعتذر بل على العكس يرفع من قدره لأنه ذو نية صافية وتدارك خطأه، وإن لم يلتمس له الطرف الآخر العذر فهذا سلوك غير محمود لأنه لا يوحي إلا بشخصية حاقدة وقاسية.
كما نعلم من قيم الدين الإسلامي التسامح، إن الله سبحانه وتعالى توابٌ غفورٌ، وعفوٌّ وكريمٌ، فكيف نحن لا نلتمس العذر لغيرنا؟ نحن نخطئ والله يتقبل توبتنا ويغفر لنا… فكيف نحن البشر لا نرضى عن شخص تقدم بكل محبةٍ باعتذاره وأتى متأسفًا لتطييب النفس.
صحيح أن الاعتذار أمر صعب جدًّا لما فيه من تنازل عن كبرياء الشخص، ولكن لا أنكر أنه فكرٌ راقٍ جدًا وترفع عن توافه الأمور، ويكفيه فخرًا أنه كان صريحًا مع ذاته على أنه مخطئ.

ولهذه الثقافة فن ومهارة… لذلك لا بد أن ننظر في البداية كيف بدأ الخطأ، من خلال الإحساس بالندم وتأنيب الضمير.. ومن ثم الوضوح والصدق مع الذات الإنسانية ومواجهتها بماذا أخطأت؟ لكي يكن على قناعةٍ تامةٍ ويقينٍ بأن عليه أن يعتذر، وأن هذا الشخص يستحق أن يبادر من أجل بقائه بالاعتذار.

وهناك نوعان من الخطأ؛ إما أن يكون فرديًّا، أو جماعيًّا كمحيط العمل، فهنا تختلف طريقة الاعتذار إن كانت أمام الجماعة يكون هناك التعويض من حيث التأسف عند نفس الجماعة التي تم الموقف عندها، وهنا يشعر الطرف الآخر بنوع من التوازن النفسي له…. وجميل أن يقدم عند التماس العذر الوعد للطرف الآخر بعدم تكرار ذلك من أجل صفاء القلوب بينهما.

ولهذه الثقافة الراقية فنٌّ ومهارةٌ، وبراعةٌ… عندما تكن بأسلوب غير لفظي بمعنى بطريقة فعلية ومعنوية… من خلال رسالة جميلة تحوي كلمة آسف… وأيضًا قد تكون عن طريق مفاجأة جميلة من خلال بعث هدية كباقة ورد ذات ألوان مفرحة تبعث الإيجابية والسعادة في نفس المتلقي مع بطاقة ذات كلمات تعبر عن الندم، أو هدية يكن المعتذر على يقين أنها ستصفي النيات… أو مصادفة جميلة يخطط لها المعتذر ويفاجئ ذلك الشخص بوجوده بنفس المكان للاعتذار. أو من خلال بعث وسيط عزيز على الطرفين من أجل إصلاح الخلاف وتطييب النفوس…. فهذا كل فيه إشعار للطرف الآخر بأهميته ومكانته لدى المعتذر… لذلك لا بد من تصنيف الأشخاص عندما نخطئ في حقهم لنعلم كيف يكون الاعتذار فهنا الشخص المهم، وهناك غير المهم، وهل حقًّا الموقف يستحق الاعتذار أم لا…؟ وهل الشخص يستحق الاعتذار أم لا؟
لماذا لا بد من قياس المعتذر أهمية الشخص له؟ ذلك لأنه سوف يقابل ثلاثة أنواع من الشخصيات عند التماس العذر وهم: الصنف الذي يتقبل الاعتذار ببساطة شديدة ويلتمس العذر ويقدر موقف المعتذر، وهناك الصنف الذي يتسامح مع المعتذر بداخله ولكن عزة نفسه وكرامته تأبى أن يري ذلك المخطئ ولكن بداخله متسامح ولا يرغب بخسرانه، وهناك الصنف الحقود الذي مهما فعل المعتذر لن يتقبل الاعتذار… لذلك هنا تحتاج المهارة في فهم أصناف البشر لكي تعرف كيف تعتذر؟ ولمن تعتذر؟ وهل هذا الشخص يستحق في الأساس أن تتنازل وتعتذر؟
واعلم أن الاعتذار خلق ورُقي للمعتذر نفسه، فهو قوة وليس ضعفًا، عزة وكرامة وكبرياء لصاحب فكر الاعتذار، فهو شموخ وشرف لا يناله إلا الراقي فكريًّا وأخلاقيًّا من ترفع عن توافه الأمور، ومن هو باقي على الود… فالمعتذر لا يأتيك ضعيفًا مهزوم الكرامة كما أنت تعتقد، وإنما يأتيك معتذرا شامخًا قويًّا ذا فكر راقٍ… عزيز النفس لأنه اتخذ من هذا الخلق مبدأ وثقافة لكسب المودة بينه وبين الآخرين… رآه من زاوية إيجابية ولم يرَه من جانب سلبي.

فكن قويًّا وشامخًا وصاحب مبدأ، راقيًا ذا فكر، مترفعًا عن صغائر الأمور، وكن ذا خلق راقٍ وفكر بعيد المدى بثقافة الاعتذار.
ولكن أنت أيها المعتذر تعلَّم أن تنتقي كلماتك قبل البوح بها، فكِّر في تصرفاتك قبل الخوض فيها… فقد لا تشعر تلك اللحظة بقسوة عباراتك وتصرفك للطرف الآخر فلا تؤلم بهفوة شخصًا مهمًّا في حياتك قد تندم عليها… وما أروع من اعتذر لبقاء الود.. وأيضًا ما أجمل من تسامح مع من أتاه معتذرًا…

إلى الأعلى