الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / سلطنة عمان .. حكمة قيادة .. كياسة شعب .. ودبلوماسية مُشرعة على الثقة والنزاهة وسياسة المُمكن

سلطنة عمان .. حكمة قيادة .. كياسة شعب .. ودبلوماسية مُشرعة على الثقة والنزاهة وسياسة المُمكن

علي العيدودي
سفير تونسي سابق لدى السلطنة

إن رحلة الدبلوماسي بين العواصم والمُدن كمسيرة أب مع أبنائه تضطره أفعالهم أحيانا إلى المُفاضلة بينهم، دون رغبة في ذلك، في عملية استسلام للعواطف خارج دائرة العقل أو اعتراف بالحقائق بعيدا عن الأهواء، ووجه الشبه في ذلك صدق المشاعر ونزاهة الذاكرة؛ لأن علاقة الدبلوماسي بالدول التي يُعتمد لديها ويقيم بين شعوبها طيلة مشواره المهني هي في الحقيقة يصعب توصيفها والولوج إلى كنهها لفرادتها، وعمق تأثيرها لما تخلفه من رواسب عاطفية وإنسانية وجمالية تطبع الشخصية، وتنحتها كشاهد أثري لا تقوى عليه رياح النسيان والمحو.
وإن تعددت ذاكرة الدبلوماسي وتشعبت بالأمكنة والشخصيات والمواقف، وغيرها من ضروب الحياة في تنوعها واختلافاتها وتجاربها المترامية فإن له في خزائن الماضي مدنا يحمل لها الحنين ولشخوصها حبا دفينا، ولأيامه الخوالي بها فخرا واعتزازا حين يستذكرها لا يقوى إلا على الحمد والشكر؛ لأنها كانت جزءا مُضيئا من العمر.

ومن بين الأماكن التي لا تتصدر ذاكرتي فحسب، بل لا تغيب عنها شوقا وحنينا هي سلطنة عمان، واحة السلم والأمان في المنطقة، حيث تشرفت قبل 15 سنة أن أشغل منصب سفير الجمهورية التونسية بمسقط ليتسنى لي الوقوف عند الإنجازات التي حققها الشعب العماني الشقيق في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله رحمة واسعة وطيب الله ثراه ـ وقد غادرنا منذ أكثر من ستة أشهر تاركا بصماته خالدة في أوجه النهضة التي شهدتها السلطنة في شتى المجالات.

سيذكر التاريخ دون مجال للتحقيق أنه منذ تسلم جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ مقاليد الحكم في الـ23 من يوليو 1970 انخرطت السلطنة في مسيرة البناء والتشييد، ووضع مرتكزات نهضة شاملة ودائمة، تأكدت مع تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم ليواصل بتمرس وحكمة درب الإنجازات على مختلف الأصعدة بما يحقق طموحات الشعب العماني في مزيد الازدهار واطراد التقدم والسؤدد، ويرفع التحديات التي أملتها الظروف الإقليمية والدولية الراهنة والمتسمة بالتعقيد والتشعب والحساسية.

ولقد أثبت جلالة السلطان هيثم بن طارق كفاءة عالية في مواصلة النهج الذي سلكته السلطنة في رسم سياستها المبنية على الاعتدال والتوازن والحياد، وهي في المجمل سياسة هادئة وناجعة ومؤثرة على المستوى الخليجي والعربي والإقليمي والدولي، وموضع تقدير من جميع دول العالم.

وقد برهنت الدبلوماسية العمانية قدرتها على صياغة الحلول التوافقية وتغليب لغة الحوار في تسوية النزاعات والزهد في المكاسب، والكرم في البذل والعطاء من أجل تحقيق المصالح للمساهمة في جهود إحلال السلام، وعدم تأجيج الخلافات، بل العمل من أجل نشر السلام والمحبة بين جميع شعوب الأرض.
كما تميزت السياسة الخارجية العمانية بالمصداقية والشفافية في التعاطي مع كافة القضايا الإقليمية والعربية والدولية، والالتزام بالموضوعية والإيجابية، والأخذ بالحوار وأسبابه، وحل النزاعات بالطرق السلمية والدبلوماسية، وذلك عبر تعزيز مفهوم السلام بين الشعوب وانتهاج المفاوضات أسلوبا للوصول إلى حلول للمسائل والقضايا الشائكة بعيدا عن القوة إيمانا منها بقيمة التسامح كمبدأ لضمان أسس العيش المشترك.

“إننا جزء من هذا العالم… نتفاعل مع ما يدور حولنا من أحداث بكل الإيجابية والوضوح ونكرس كل إمكانياتنا للمشاركة الموضوعية والفعالة لخدمة قضايا السلام والتعاون على كافة المستويات الإقليمية والدولية” بهذه الكلمات وضع المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد ما به يستلهم أبناء الشعب العماني وأجياله المتعاقبة أدوات النجاح وتحقيق الاستقرار والتنمية في محيط متضارب المصالح والطموحات.

لقد نالني شرف أن أكون سفيرا للجمهورية التونسية في مسقط عملت خلالها على توثيق أواصر الأخوة والتعاون بين الشعبين الشقيقين التونسي والعماني، وحرصت على مزيد تعزيز علاقات التعاون التونسية العمانية في مختلف المجالات، ومنذ أن غادرتها تربعت السلطنة دون منازع على عرش الأحاديث مدحا والذكريات عشقا، لقد كانت واحة للهدوء ومدينة للسحر وبلاغة الصمت، بل ما زلت دون شك وستبقى كذلك؛ لأنها من المدن (مسقط) التي لا تخشى عليها من الزمن وتحولاته، فهي له مقياس وبوصلة.

تحية صادقة مفعمة بالحنين إلى مسقط… تلك المدينة التي لها من سطوة الجمال وأصالة الروح وبهجة الحياة في أنسي أبيتها وهدوئها أن تشغل واجهة ذكرياتي الجميلة، وأن أستسلم لحضورها الدائم في مُخيلتي.

إلى الأعلى