الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / التهديدات المناخية والصحية وتداعياتها على الاستقرار الأمني والعلاقات الدولية

التهديدات المناخية والصحية وتداعياتها على الاستقرار الأمني والعلاقات الدولية

محمد بن سعيد الفطيسي

التهديدات والمخاطر التي تخلفها عولمة الأزمات المناخية والصحية، مثل انتشار الأوبئة كفيروس كورونا (كوفيد 19)، كذلك قلة الأمطار والاحتباس الحراري والتصحر على سبيل المثال لا الحصر، تعد مؤشرات خطيرة على بعض تلك المحفزات التي ستؤثر على طبيعة البيئة الأمنية الدولية في القرن الحادي والعشرين، خصوصا آثارها على مستقبل الأمن الدولي وحقل العلاقات الدولية، يضاف إلى ذلك انعكاساتها على استقرار الأنظمة السياسية والحكومات في مختلف أرجاء العالم.
صحيح أن تلك المتغيرات البيئية والصحية لا تتسبب وحدها في أغلب الأحيان بتلك التهديدات والمخاطر التي تؤثر على الاستقرار والأمن الدولي والعلاقات الدولية، ولكنها تتشارك إلى جانب عوامل أخرى تكون في العادة غير طبيعية؛ أي أنها من صنع البشر في صناعة تلك التداعيات والنتائج الوخيمة، كذلك التأثير على الاقتصاد والثروات الطبيعية وإضعاف النسيج الاجتماعي، ولا يجب التغاضي عن التأكيد أن التوجهات السياسية والاقتصادية التي ستتخذها العديد من الدول لمواجهة تداعيات تلك التهديدات والمخاطر ستتسبب بدورها في الكثير من الآثار والنتائج الأمنية الخطيرة، سواء على المستوى الدولي أو حتى على المستويين الإقليمي والوطني لمعظم دول العالم.
ومن ضمن أشكال تلك المخاطر الناتجة عن المعالجات الرسمية(1 ) أو الحكومية لبعض آثار وانعكاسات الأزمات المناخية والصحية كما هو حال فيروس كورونا أو الاحتباس الحراري، انهيار العديد من الأنظمة السياسية(2 ) وانتشار التظاهرات وأعمال الشغب والعنف نتيجة الصدامات مع الطبقات المتأثرة بشكل مباشر بتلك التداعيات والمعالجات القاسية التي طرحتها الحكومات في مختلف أرجاء العالم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك وهي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ التظاهرات الحاصلة في بريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل، وإسبانيا، والجزائر(3 ).
على أن القارة الإفريقية تعد من أكثر الأمثلة الحاضرة على ذلك؛ فقارة إفريقيا تعاني من التداعيات المناخية على استقرارها السياسي والاقتصادي بشكل كبير، ولأسباب عديدة ومختلفة منها النزاعات على الموارد، واعتمادها على قطاعات مرهونة بالأحوال المناخية مثل الرعي الذي يعتمد على وجود الزراعة، والزراعة التي تعتمد بدورها على الأمطار، وهذا لا يعني أن بقية قارات العالم ستكون بمعزل عن تلك الآثار والانعكاسات الناتجة عن التهديدات والمخاطر البيئية والصحية.
فأوروبا هي الأخرى ـ وبحسب العديد من الدراسات ـ ستشهد المزيد من المعاناة بسبب موجات الجفاف، كما هو حال القارة الإفريقية. كما يتوقع أن تجد نفسها في خضم تهديدات إرهابية تعتمد على نشر الأوبئة أو ما يطلق عليه بالإرهاب البيئي، الأمر الذي يعتقد بأنه سيتسبب بصدامات ونزاعات بين دول الاتحاد الأوروبي حول الغذاء ومصادر المياه والطاقة، كما سيتسبب بتداعيات على مستوى الهجرة والنفاذ التجاري والتعاون الصحي والاقتصادي، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف العلاقات الدبلوماسية بينها، وقد تأكد ذلك خلال العام 2020 بسبب انتشار فيروس كورونا.
القارة الآسيوية هي الأخرى معرضة لتداعيات المخاطر المناخية والصحية، خصوصا منطقة الشرق الأوسط، والتي تعاني في الأساس من العديد من المخاطر السياسية والتهديدات الأمنية المختلفة، “حيث تهدد هذه المنطقة من خلال خمسة طرق هي تداعيات التنافس على الموارد، وارتفاع حدة الأمن الغذائي، والهجرة القسرية، وتفاقم الفقر، وعدم الاستقرار الاجتماعي والسيطرة العسكرية على الموارد الطبيعية الاستراتيجية” ( 4).
وإن كانت القارة الإفريقية وأوروبا بحسب بعض الدراسات الاستشرافية ستتعرض لموجات من الجفاف، فهناك دول أخرى ستتعرض” إلى زيادة معدلات سقوط الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب البحار بسبب التغيرات المناخية، ما سيجعل المدن الكبرى في المناطق الصناعية أو قرب السواحل في بعض أجزاء الكرة الأرضية مهددة بكوارث مدمرة مثل الساحل الشرقي للصين ـ على سبيل المثال ـ والذي سيصبح مستقبلا هدفا لفيضانات وأعاصير مروعة”( 5).
على ضوء ذلك ستشهد السنوات القليلة القادمة (2020- 2030) الكثير من التهديدات المناخية والصحية وتداعياتها على الاستقرار الأمني والعلاقات الدولية، فهناك أسباب كثيرة نؤكد لنا أن قضية الأمن في القرن الـ21 سوف ترتبط بشكل كبير جدا بالتغيرات المناخية والبيئية والصحية.
ــــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ – اضطرت العديد من دول العالم وبسبب انتشار فيروس كورونا في العام 2020 إلى مواجهة التداعيات الاقتصادية التي تسبب بها على موازناتها المالية إلى زيادة فرض الضرائب وتقليص الرواتب والأجور وتسريح العديد من القوى العاملة الوطنية والوافدة عليها، يضاف إلى ذلك رفع رسوم العديد من الخدمات الحكومية وتوقف العديد من الأنشطة التجارية بسبب الإغلاق الفتري الذي قصدت به مواجهة هذا الفيروس للعديد من الأنشطة التجارية والمطارات والموانئ، وغير ذلك من أشكال الاحتواء والوقاية.
2 ـ – تعتبر كوسوفو أول دولة أوروبية يتم عزل رئيس وزرائها بسبب المعالجات و”الطريقة التي تعاملت بها مع تفشي فيروس كورونا. المصدر: كورونا ساعد بسقوط أول حكومة أوروبية, موقع RT الروسي، تاريخ النشر 26/3/2020م، تاريخ الدخول 17/10/2020م.
3 ـ – زين العابدين غبولي، ماذا يعني فيروس كورونا للنظام السياسي، “الحراك”، المجتمع والمستقبل في الجزائر؟ معهد واشنطن، تاريخ النشر 9/4/2020م، تاريخ الدخول 16/10/2020م.
4 ـ – لورنس سميث، العالم في عام 2050، أربع قوى توجه مستقبل الحضارة في الشمال، ترجمة حسان البستاني، دار العربية للعلوم، ط1/2012.
5 ـ – خالد شمت، التغيرات المناخية سبب جديد للصراعات العالمية، موقع الجزيرة نت، تاريخ النشر 11/8/2007م، تاريخ الدخول 17/10/2020م.

إلى الأعلى