السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / هؤلاء علموه.. مَن علَّمكم..؟

هؤلاء علموه.. مَن علَّمكم..؟

كاظم الموسوي

بدأ المثقف العربي الراحل سلامة موسى ( 4-1887 آب/ اغسطس 1958) كتابه المعنون، “هؤلاء علموني”، بجملة للكاتب الألماني جوته: “كن رجلا ولا تتبع خطواتي” وختم بها تقديمه للكتاب. وواضح أنه يذكر القراء ببعض شخصيات أثرت فيه وتعلم منها، وكتب عن عشرين منهم، كتَّابا وفلاسفة وأدباء وعلماء في شتى الاختصاصات، وكل منهم له ما يتميز به وما يمكن القول عنهم دون تردد أو تمهل بالتعلم منهم والتقدير لهم. وكتب “المؤلف الذي تحبه ليس فقط صديقا ناتنس بآرائه ونستفيد بأفكاره، إنما هو أكثر من ذلك.. هو بهذه الآراء والأفكار يتسلل إلى قلوبنا وعقولنا فيؤثر في شخصيتنا أو بغيرها”. وأكد في ختام تفسيره لإصدار الكتاب، أنه تأثر في هؤلاء الذين ذكرهم في الكتاب وأحبهم ووجد فيهم النور والتوجيه، وحاول الاستقلالية عنهم وهو ما نصح به القارئ ومعيدا قول جوته، مرة أخرى.
ذكر أسماء الأبرز ممن انتقاهم، مبتدئا بفولتير، وجوته، (كتبه جيته)، وداروين، وفيسمان، وهنريك ابسن، ونيتشه، وارنست رينان، ودستوفسكي، وثورو، وتولستوي، وفرويد، واليوت سميث، وهافلوك اليس، وجوركي، وشو، وغاندي، وويلز، وشفايتزر، وجون ديوي وانتهى بسارتر. ومما يلاحظ من تنوع الأسماء والقدرات والاتجاهات أن الكتاب مختصر مكتبة ثقافية يستعيد للقارئ فيها ما أبدعه كل منهم في مجاله، وما يمكن الاستفادة منه في الثقافة والتطور والإبداع مع اعتبار زمان ومكان وظروف كل منهم وسؤال مركز: لماذا العودة لهم ولماذا سلامة موسى أيضا؟
بالتأكيد، العودة لمثل هذه القامات الثقافية أمر له أهمية ثقافية واسترجاع مفيد للذاكرة والتذكر، واختيار مثقف بحجم سلامة موسى وكل قارئ مهما كانت خبرته ومواصفاته يختبر نفسه ويقرأ سجله ومصادر تعليمه وتثقيفه وتطوره الثقافي. وهنا، كما استفاد موسى من هؤلاء، يبدر السؤال: من علمك؟ وما أفكارك عنهم؟ وكيف تأثرت بهم أو أثروا فيك؟ وهل يمكنك وضع قائمة بالأسماء والمؤلفات لهم؟ وماذا يمكن أن تتعلم من هذه الخبرة؟ محتويات الكتاب تثير هذه الأسئلة وتحرض على الإجابة بما توصل إليه مثقف كبير كسلامة موسى، وما تركه من أثر ثقافي في بلده مصر وأهل لغته، العرب، ومن ثم من قرأه وتابعه وقدره إنسانا ومثقفا وحريصا على دوره الثقافي والتربوي لأمته والإنسانية جمعاء. وبالتأكيد أصدر العديد من الكتب، وكتب العديد من المقالات كما كتب عنه مثلها، ولهذا ظل اسمه بيننا، ومن هذه الكتب هذا الكتاب الذي نتناوله الآن، وقد سجل فيه ما ذكرناه من خبرته واطلاعه وشهادته الثقافية. ويختصر هو أيضا فيه خلاصات مسيرته الفكرية والثقافية، ورغم اختلافات محدودة تناقش حوله وفي بعض اجتهاداته أو أفكاره، إلا أنه يبقى معلما بارزا في تاريخ الفكر العربي والثقافة العربية عموما.
كتب في تقديمه: “وقد قرأت في حياتي مئات الكتب التي زادت وجودي في الدنيا والتي حوت وتربيت بها، وقد اخترت من مؤلفيها بضعة عشر كان لهم الأثر الأكبر في ترتيب ذهني وتنظيم ثقافتي، ولكن اختياري أهم لا يعني أني أشير على القارئ أن يقرأهم ويعرفهم، لأني أردت أن أبسط له بعض الأسباب والنتائج في تكوين شخصيتي، وأن أشير إلى الأعلام البارزة في رحلتي الثقافية عبر عمر قد تجاوز السادسة والستين، وبعض هؤلاء المؤلفين قد عرفتهم قبل أربعين سنة، والتي بالطبع لا أتذكرهم هنا إلا لأنهم كانوا اختيارا عميقا أثر في نفسي طوال هذه السنين وللقارئ أن ينتقد، وأن يعرف من إصاباتي كيف أصبحت، ومن أخطائي كيف أخطأت، ثم بعد ذلك عليه أن يستخرج العبرة ثم يستطلع ويتساءل ويختار ثم يشق طريقه بنفسه”.
يمكن اعتبار هذا التوضيح جوابا لسؤال أول من الأسئلة التي طرحت أو تطرح عن التعليم والتثقيف وحسن الاختيار وقدرة الاستيعاب، ثم الاستفادة والتطور وشق الطريق بالنفس والوقوف رجلا دون تبعية لخطواتهم واستعادة صورهم بأسلوب التصوير والاستنساخ. وأكد المؤلف عن هذه الفكرة، مع أنه احترف الأدب والعلم والثقافة فإن هذه جميعها عنده حياة كفاح أكثر مما هي حرفة، ولذلك لا يبالي ما يقال عن أسلوب الكتابة، ولكنه يبالي عن أسلوب الحياة، ولا يعبأ ببلاغة العبارة، ولكنه يعني بأن تكون الحياة بليغة، بحيث نحيا متعمقين متوسعين، ومع أنه ألف خمسة وثلاثين كتابا فكتابه الأول الذي عني بتأليفه هو حياته، هذا المشروع.. هذه الخريطة التي رسمها ويعود لها من وقت لآخر بالمحو والتنقيح والتصحيح، بل إن الكتب التي ألَّفها هي فصول من كتابه الأول من حياته. (ص (12-11 وهذه فلسفته، وقناعاته التي بنى ثقافته منها، واختصرها بجملة، أن الحياة التي عاشها مدرسته وأسلوبها هو الذي علمه وهذبه وكون منه اسما وعلامة خالدة نتذكرها حتى الآن.
صدرت له كتب أخرى بعد هذا الكتاب، متواصلة مع ما طرحه فيه، وشاهدة لسعيه وجهوده في التنوير والتثقيف والتطوير. وفي مجموعها ظلت قائمة تحيي ذكره وتجدد أفكاره وتعلم من يريد أن يتعلم من دروسه، دروس الحياة رغم تباينات الأزمان وتحولات الأيام وتطورات التقنية والثورة الإلكترونية.. وهذه بنفسها درس آخر يضاف إلى ما توصل إليه وما اقترحه وأراده منهجا للأجيال التي أراد لها أن تكون قادرة على الإبداع دون أن تكرر نفسها أو غيرها، وتلك وحدها مأثرة له ولأمثاله.
* نقطة حبر: (من الواتس لور)
- رفض بيتهوفن الانحناء أمام إحدى العائلات الحاكمة وأكمل طريقه وسط دهشة الكثيرين من الحضور. فقال بيتهوفن: سيأتي حكام كثر ولكن هناك بيتهوفن واحد وبعد 200 سنة لن يتذكر أحد هؤلاء، ولكن لن ينسى أحد بيتهوفن!
- الوطن هو حيث يكون المرء بخير في دينه ودنياه. ما أجمل أن يحافظ كل منا على وطنه ويحترم خصوصيات الآخر، وأن نحترم الاختلاف ونهجر الخلاف..
- الشجرة المثمرة يهاجمها الناس.
- الوحدة خير من جليس السوء.

إلى الأعلى