الخميس 3 ديسمبر 2020 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / بوم الليل.. أم الطائر الباكر؟
بوم الليل.. أم الطائر الباكر؟

بوم الليل.. أم الطائر الباكر؟

د. يوسف بن علي الملَّا:
تتفاجأ في بعض الأحيان عندما تخرج من منزلك لحالة طارئة في منتصف الليل أو عندما تعود من عملك وترى أبناء الجيران أو شباب الحي ما زالوا مستيقظين، ولم يناموا إلى قرب الفجر. وهذا ـ للأسف ـ أصبح شائعًا في الوقت الحاضر! فهل هم مرضى؟ أم أنها أصبحت مجرد عادة قد لا يعرف شبابنا أنها غير صحية؟
علاوة على ذلك، فإن هؤلاء الأفراد الذين يميلون إلى البقاء مستيقظين حتى وقت متأخر من الليل، أو الساعات الأولى من الصباح، هل أدركوا أن ليلة واحدة من قلة النوم يمكن أن تجعلك تشعر بالضيق، بل والأسوأ مع تعب وخمول شديد عند البعض أثناء النهار. من ناحية أخرى، لا يزال يتعين على معظم البوم الليليين ـ إن صحَّ لي التعبير ـ الالتزام بالقيود التي تفرضها ثقافتنا ومجتمعنا بجدول زمني أكثر صباحًا. هذا يعني أنهم قد يذهبون إلى الفراش متأخرًا ويستيقظون مبكرًا، وهو حقيقة حال مؤلم، لذا فهم يحصلون على نوم غير كافٍ بشكل منتظم. ولسوء الحظ، أظهر هؤلاء الأشخاص وقتًا أطول للنوم، ووقتًا أطول في السرير مع الأرق، ومستويات أعلى من القلق بشأن النوم.
من ناحية أخرى، تشير الدراسات إلى أن الشخص المستيقظ أثناء الليل يميل إلى المزيد من النعاس أثناء النهار، ويواجه صعوبة في التكيف مع عادات النوم الصحية مقارنة بالأشخاص المستيقظين باكرًا، وهو حال الطائر الباكر الذي يميل إلى القفز من الفراش في الصباح وهو يشعر بالاستعداد لليوم، ولا نراه عادة يشكو من التثاؤب مثلًا.
وبطبيعة الحال، سواء كنت بومة ليلية أو طائرًا مبكرًا، هذا بكل تأكيد يعتمد على إيقاعك اليومي أو ساعتك البيولوجية الداخلية، والتي تحدد مدى شعورك بالنعاس أو الاستيقاظ على مدار 24 ساعة يوميًّا. ما أود الإشارة إليه هنا، أنَّك إذا عددت نفسك من البوم الليلي (والذين حسب بعض الدراسات يشكلون 20 في المئة من المجتمع) فاعلم أنَّك لست شاذًّا، إنما هي ساعتك البيولوجية تختلف تمامًا عن تلك التي وضعها المجتمع، والتي تميل إلى أن تكون أكثر انسجامًا مع تلك الخاصة بالطيور المبكرة! مع ذلك، وجود هذا الميول للسهر الليلي وبشكل مفرط ومستمر قد يأتي بآثار صحية خطيرة.
للأسف، مع مرور الوقت تستمر هذه العادة مع الأشخاص الذين يعانون من الحرمان من النوم، مما يزيد من خطر الإصابة بمشاكل صحية مزمنة، بما في ذلك السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي النوم غير الكافي إلى مشاكل بالصحة النفسية كالاكتئاب والقلق، ناهيك أن ذلك الشخص (بوم الليل) يكون أكثر عرضة لنزلات البرد إذا تعرض لفيروس البرد أو الإنفلونزا.
طبعًا وفي حالات قليلة، يمكن أن يؤدي نقص النوم إلى النعاس أثناء النهار، وإلى ما نسميه النوم الجزئي. وعادة ما يستغرق بضع ثوانٍ فقط، ولكن يمكن أن يستمر لمدة 10 أو 15 ثانية، وللأسف تشكل خطرًا كبيرًا إذا حدثت أثناء القيادة. وبالنظر إلى جانب مختلف من هذه المشكلة ـ ولعلَّك معي في ذلك ـ هل قمنا بتصور أنه مع إغلاق المطاعم الصحية في منتصف الليل، تستمر بعض المطاعم التي تقدم الأطعمة غير الصحية مفتوحة، وتقدم وجبات ضارة وسريعة والتي بمرور الوقت يمكن أن تؤثر بشكل كبير على الأفراد فتساعد على إصابتهم وتطور السمنة والسرطان ومرض السكري من النوع الثاني.
وهنا أرى أنه من الجيد محاولة إجراء تغييرات أساسية في نمط الحياة تعزز النوم، مع ممارسة الرياضة وتجنب الكافيين والقهوة مثلًا. إضافة إلى اتباع ممارسة جيدة للنوم الصحي، والتي من خلالها يتهيأ الجسم بالمساء للراحة والنوم كتجنب أي جهاز لوحي أو هاتف قبل النوم بساعة أو أكثر على سبيل المثال. ختامًا، بالنظر إلى الآثار السلبية والبوم الليلي، فقد يكون اتباع النصائح والتضحية من أجل صحتك يستحق العناء. فإذا كنت بومة ليلية فربما لا تتطلع إلى صباح مزدحم أو مبكر، ولكن تلك الصباحات تحدث حتمًا… ألن يكون رائعًا للبعض منا حضورها! وهنا أتركك تتساءل: هل يمكنني أن أجبر نفسي على أن أصبح شخصًا صباحيًّا… كالطائر الباكر؟

طبيب، مبتكر وكاتب طبي
dryusufalmulla@gmail.com

إلى الأعلى