السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / تأثيرات كورونا على موسم المال والأعمال

تأثيرات كورونا على موسم المال والأعمال

محمد عبد الصادق

ودعنا الصيف بحره ورطوبته العالية، وتعيش السلطنة الآن أجواء خريفية رائعة ودرجات حرارة معتدلة تحفز على العمل وزيادة الإنتاج، وتشجع السفر والسياحة واكتشاف الطبيعة الغناء التي تزخر بها أرض عمان؛ ولكن للأسف شبح “كورونا” لم يغادرنا ويهدد موسم الرواج والانتعاش الاقتصادي، فما زال ملازما لنا منذ الشتاء الماضي رافضا الرحيل، وكأنه مصر أن يكمل معنا فصول السنة الأربعة، يعطل أعمالنا ويهدد أرزاقنا، ويفسد علينا فرحة التمتع بهذا الطقس الاستثنائي الذي ننتظره بفارغ الصبر من العام للعام، للتخلص من رتابة الصيف وننفض عن كاهلنا خمول الحركة ووقف الحال.
في مثل هذا الوقت من كل عام، كان قطار المال والأعمال ينطلق بأقصى سرعته، يزيل في طريقه الكساد وتباطؤ الاقتصاد، فتنتعش الأسواق وتتسارع حركة البيع والشراء ويدب النشاط في الفنادق وقاعات المؤتمرات والأعراس والحفلات، ويعم الرواج متاجر وحوانيت العاصمة وسائر مدن السلطنة، ويبدأ موسم السياحة الشتوية الذي شهد ازدهارا كبيرا في السنوات الماضية، بفضل جهود وزارة التراث والسياحة في الترويج للمقاصد السياحية المتعددة والمتنوعة؛ من قلاع وحصون ومساجد أثرية وشواطئ ممتدة على طول سواحل السلطنة، وكان يصاحبه رواج العديد من الحرف والصناعات التراثية، وانتعاش مهن وقطاعات عديدة في النقل والفندقة والمطاعم؛ جميعها كان ينتظر هذا الموسم الممتد من أكتوبر حتى مارس أو أبريل من السنة الجديدة، ليحقق أرباحا ومداخيل تساعده على تحمل أعباء العام بأكمله.
عادت الأجواء الأكتوبرية وننتظر بعد أيام قليلة أجواء نوفمبرية أجمل وأروع، لنحتفل بالعيد الوطني الخمسين بالمشاركة في الفعاليات المصاحبة للحدث الوطني الكبير، ولكن يبدو أننا سنتابعها على شاشات التلفاز أو “أون لاين” حالنا حال تلاميذ المدارس الذين يستعدون للعودة لمقاعد الدراسة التي في الأغلب ستكون افتراضية، فما زال “كورونا” جاثما على صدورنا يرفض أن يتركنا نستمتع بهذه الأجواء الاستثنائية.
منع “كورونا” الملايين حول العالم من السياحة والسفر، ووضع الاشتراطات والحواجز التي تحول بين البشر والانتقال أو الاختلاط وركوب الطائرات، وكلما ظننا اقترابا لنهايته واختفائه؛ ازداد شراسة وضرب بقوة من جديد ولم نعد ندري هل نحن في المرحلة الأولى؟ أم انتقلنا للموجة الثانية؟ فأعراض “كورونا” ما زالت غامضة حتى اليوم، ولم يستطع الأطباء معرفة طبيعتها وتطوراتها، هل تقتصر على ارتفاع الحرارة وسعال والتهاب الحلق وفقد حاستي الشم والتذوق، ولا تحتاج في علاجها سوى خافض للحرارة ومسكن للألم وربما مضاد حيوي؟ أم يتطور الأمر لآلام في الصدر والتهاب رئوي يحتاج لمضادات قوية وأجهزة أكسجين؟ وقد يتدهور الحال ويضطر المريض لدخول العناية المركزة والخضوع للتنفس الصناعي، وهي مرحلة خطيرة، ندعو الله أن يجنبنا الوصول إليها مع تسليمنا بأن الأعمار بيد الله.
هذا الـ”كورونا” لم يجد معه الإغلاق ولا الاحترازات ولا الفحوصات نفعا، ولم يظهر له علاج ولا لقاح حتى الآن، وكل يوم نسمع عن قرب خروج لقاح للنور، ولكن هيهات؛ فـ2020 أوشكت على الانتهاء دون أن يظهر اللقاح المأمول، ويبدو أن هناك حربا ضروسا وصراعا محموما بين الدول وشركات الدواء العالمية من أجل “التكويش” على مليارات الدولارات التي سيجنونها من وراء اللقاح، وتابعنا مؤخرا الحملات المسعورة والضرب تحت الحزام، للتشكيك في مأمونية وفعالية اللقاح الروسي، كونه من إنتاج جهة حكومية غير هادفة للربح، ولأن الحكومة الروسية قررت بيعه لدول العالم بأسعار رمزية، بعد تلبية الاحتياجات الداخلية، وبدأ بالفعل إعطاؤه للطواقم الطبية وأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن.
وعند الحديث عن الفعالية والمأمونية، لا نعرف موقف الناس ومدى ثقتهم في اللقاح المنتظر والذي سيكون أقل لقاح استغرق وقتا في التجارب المعملية والسريرية، حيث استغرق لقاح الإنفلونزا الموسمية 11 سنة، واستغرقت لقاحات الحصبة وشلل الأطفال 30 و20 عاما من التجارب، للتأكد من مأمونيتها وفعاليتها على الحيوانات والبشر من سائر الأعمار والأجناس والأعراق وأصحاب الأمراض، وانتظار سنوات لمراقبة التطورات والأعراض الجانبية على المتبرعين.
إذا كانت هناك قطاعات وأنشطة اقتصادية يصعب تشغيلها أو إعادتها لسابق عهدها مثل قطاع السياحة والفندقة؛ لعدم قدوم سياحة خارجية، وتعارض بعض الأنشطة مع الإجراءات الاحترازية اللازمة لمكافحة “كورونا”، فعلينا مضاعفة الجهد والعمل بأقصى طاقاتنا في تشغيل الأنشطة التي لم تتأثر بالوباء، لتقليل الأضرار وتعويض الخسائر التي لحقت بالاقتصاد.

إلى الأعلى