الجمعة 4 ديسمبر 2020 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / يوتيوبرز

يوتيوبرز

فوزي رمضان
صحفي مصري

مع ندرة الجاد ووفرة التافه، ومع شح القيمة وسيولة الغث، يتسابق الكثير من الأشخاص لحجز موطئ قدم في فضاء التواصل الافتراضي، وإن كان في ذيل قائمة اهتمام البعض توجيه مضامين من الإبداع والتميز والابتكار، لكن بكل تأكيد تتصدر أولوياتهم التكسب والتربح والشهرة، والهدف المشترك لهم الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين، وتحقيق نسب مشاهدة عالية لتبدأ رحلة جني الأموال.
كان موقع يوتيوب الشهير التابع للعملاق جوجل هو مقصد الأشخاص راغبي الشهرة السريعة، والتكسب المتنامي؛ كونه ثاني أكبر موقع اجتماعي، ويحتوي على أكبر مكتبة فيديوهات على مستوى العالم، ويستخدمه أكثر من ملياري شخص كل شهر، فالنشر ورفع الفيديوهات بدون مقابل وبالمجان، وهو في ذلك مجرد موقع وسيط لرفع المحتوى مقابل إعطاء نسبة من الأرباح حال زيادة نسبة المشاهدة وكثرة الإعلانات.
ليس مطلوبا من اليوتيوبر شهادات علمية، أو تخصصات دقيقة أو دورات متميزة، إنما فقط المقدرة على إعداد محتوى جاذب قادر على شد انتباه المشاهد، من غير القصد في الغالب، خصوصا في عالمنا العربي، إعداد مادة هادفة رشيدة، بقدر أن تكون غارقة في الإسفاف ومنغمسة في التسلية، مضمون الرسالة هو اللاشيء واللامعنى واللاهدف؛ أي كلما كان المضمون أكثر تفاهة وزيفا كان أكثر حصدا لنسب المشاهدة وعدد المتابعين.
العجب أن مشاهير اليوتيوب اليوم ينافسون نجوم التليفزيون والسينما وكرة القدم، وأصبحوا حديث العامة والخاصة على كافة وسائل الإعلام بأنواعها. لقد جعلوا لأنفسهم مكانة مميزة وسط مجتمعاتهم، باتوا القدوة والنموذج الآن لغالبية الشباب المتطلع للكسب السريع بدون بذل الجهد والتعب، غالبيتهم قد يصاب بلوثة عقلية، عند سماع الأرباح التي يتحصل عليها اليوتيوبر عندما تبلغ نسب المشاهدة رقم الألف، يمكن تحقيق أرباح تتراوح ما بين 0.12 إلى 2.09 دولار، وعندما تصل نسب المشاهدة رقم المليون يمكن أن يحصد مبلغ 1000 دولار ويصل إلى 10 آلاف دولار شهريا، فموقع اليوتيوب يدفع مقابل عدد مرات المشاهدات، وليس مقابل عدد المشاهدين.
ما بين 5000 ساعة يتم رفعها كل دقيقة على موقع اليوتيوب، توجد قنوات جادة تبث فيديوهات توافق كل الأعمار والاهتمامات، بداية من الرسوم المتحركة ومقاطع الفيديو الموسيقية، وانتهاء بالبرامج التعليمية والثقافية والسياسية المختلفة، وتحصد هذه القنوات أرباحا طائلة حسب ظهور الإعلانات، مثل قناة (تي شيريش) الأوروبية التي تحقق ما بين 883 ألف دولار وحتى 13 مليون دولار شهريا، بينما تحقق قناة شبكة ألعاب العرب حوالي 66 ألف دولار شهريا.
المكاسب مغرية خصوصا عندما تحصد مقابل مضمون ساذج وفارغ إلا من السطحية والإسفاف، تلك المكاسب السهلة أغرت الكثير من كافة الأعمار، خصوصا الشباب والفتيات والأطفال إلى البحث عن مضامين لإعداد فيديوهات تحمل الإثارة والإغراء والجذب والتهكم والتنمر والتسلية، طمعا منهم في الوصول لأكبر نسبة من المشاهدات، وهدفا في الثراء السهل والسريع، وفي ذات الوقت أصبحت وظيفة وعملا للبعض درءا للبطالة وتغلبا على قيود الحياة.
قد تتفهم مقاصد البعض في إظهار الذات وإبراز الشخصية، والتأكيد على مواهبهم وقدراتهم المميزة في إعداد محتوى جاذب، لكن مع فقدان السيطرة على المُثل والقيم، انحرف البعض إلى مستوى الابتذال، وقد استطاعت السلطات الأمنية في بعض الدول إلقاء القبض على بعض من أصحاب تلك الفيديوهات المرفوعة على موقع اليوتيوب تروج للفسق والفجور، وضرب قيم المجتمع والدعوة الصريحة للابتذال والانحلال.
الحاجة للمال بشراهة أرغم البعض للوصول نحو غاية التربح، إما بمقاصد عفيفة ومضامين ترتقي بمستويات البشر، في هذا المنحى ندعم كل يوتيوبر جاد وراقٍ، في الوقت ذاته يجب على السلطات الأمنية مراقبة ومتابعة وترصد كل مضمون منحرف، والعبء الآن بات ثقيلا مع ازدياد عدد اليوتيوبرز، وهنا الأرباح يتقاسمها فقط موقع اليوتيوب مع أصحاب الفيديوهات الناجحة، كل هذا بعيدا عن سلطة الدول التي لم تتحصل على سنت واحد من تلك الصفقات، ومن المنصف فرض ضرائب عليها، تستخدم حصيلتها على الأقل في دعم صحفها ووسائل إعلامها، التي تعانى الأمرَّين من أجل الاستمرار في رسالتها.

إلى الأعلى