الجمعة 4 ديسمبر 2020 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: شركاء في المسؤولية الوطنية

في العمق: شركاء في المسؤولية الوطنية

د. رجب بن علي العويسي

تحولات كبيرة وظروف اقتصادية معقدة يعيشها عالمنا اليوم، ألقت بظلالها على واقعنا الاجتماعي، فمن جهة فرضت جائحة كورونا (كوفيد19) واقعا جديدا ومفاهيم مغايرة عما اعتاد عليه المجتمع في العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية، وأوضاعا معيشية غير مأمونة أغلقت على أثرها العديد من الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدمية، نتج عنها ركود في نشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي كانت تشكل دخلا رئيسيا للعديد من الأسر سواء من المواطنين وغيرهم على حد سواء، لم يقتصر الأمر عند هذا الحد فإن ما أفصحت عنه مؤشرات الحالة الوبائية من ارتفاع أعداد الإصابات اليومية وزيادة معدلات القلق والخوف من القادم المجهول في ظل الحديث عن موجة أخرى من المرض أشد قسوة وأكثر تأثيرا، وما تركته من مآسي الفقد وشبح الموت المظلم الذي أودى بحياة الكثيرين من أبناء هذا الوطن والقاطنين فيه في مختلف الأعمار، ناهيك عن التحولات الحاصلة في الاقتصاد العالمي وانخفاض أسعار النفط الذي ما زالت الدولة تعتمد عليه مصدرا رئيسيا للدخل، بالإضافة إلى المستجدات الحاصلة في الاقتصاد العالمي وتوجه الحكومة نحو فرض ضريبة القيمة المضافة التي ستكون لها تأثيراتها على المدى البعيد على ارتفاع الحياة المعيشية للمواطنين وزيادة الأسعار وغيرها، وما اتخذته الدولة في ظل سياسة اقتصاد الأزمات من إجراءات ضبطية للمصروفات المالية وخفض الموازنات المالية للمؤسسات في سبيل تحقيق الوفرة المالية والمحافظة على الثقة في الموازنة العامة للدولة، ومستجدات اقتصادية مالية قادمة قد تكون أشد تأثيرا عن سابقتها، معطيات باتت تدق ناقوس الخطر، وتستدعي مراجعات تتجه نحو تعميق مفهوم الشراكة في المسؤولية الوطنية واستشعار المجتمع بكل أفراده ومؤسساته بما تتطلبه طبيعة المرحلة ومتغيراتها المتسارعة وظروفها الاستثنائية من جاهزية واستعداد غير عادي يرتبط بالقدرة على توجيه الاهتمام والمشتركات نحو صياغة منظومة عمل وطنية تحافظ على المنجز الوطني وتحفظ له وجوده، ونقل الهاجس الشخصي والأولوية المؤسسية نحو بناء الثقة في الكفاءة الوطنية.
هذا الأمر يأتي أيضا في ظل التوقعات بتأثير هذه التحولات على جوانب الأمن الاجتماعي والنفسي والفكري للمواطن، سواء من حيث زيادة الجرائم التي قد تجد في ظل هذا الوضع بيئة خصبة للنمو، إن لم يتداركها المجتمع، ويجد في كل مفصل من مفاصلة بأنه شريك في المسؤولية الوطنية عليه أن يمتلك روح المبادرة والجاهزية الفطرية في التعامل مع الظواهر غير المرغوبة، أو من حيث ارتفاع حالات الطلاق وتعدد المشكلات الأسرية التي تولّد المزيد من الاحتقان في الحياة الزوجية وغيرها، أو القناعات التي تتولد لدى الأبناء حيال هذه الظروف والتوجه والعياذ بالله إلى بعض الظواهر السلوكية كالسرقة والمخدرات والتنمر الاجتماعي، وغيرها من الظواهر التي باتت أكثر ارتباطا بالظروف المعيشية للمواطن وتعكس مستوى الاستقرار الاقتصادي لديه، وانعكاسات ذلك على حالة القلق والخوف والاضطراب السلوكي والنفسي والشعور بعدم الارتياح والثقة في النفس والآخر، إذ من شأن هذه الظروف عندما تصطدم بجدار الرأي وضعف مستوى الحوار أن تنتج شخصيات مهزوزة، وأفرادا غير قادرين على إثبات ذاتهم في المواقف بما يصاحبهم من حالة الإحباط والتذمر وكثرة الاهتمام بالشكليات والبحث عن الشهرة والارتماء في أحضان منصات التواصل الاجتماعي التي باتت ترصد واقع الظروف الصعبة التي تعيشها بعض الأسر، وردود الفعل السلبية التي باتت تبرز حالة الإحباط وعدم الرضا في الردود، وأنانية النفس وسطحية الفكر وضآلة التفكير.
وعليه، يتحقق بناء مسار أعمق للمسؤولية الوطنية من جملة من الموجهات يأتي من بينها خطاب المرحلة الداعم للشراكة وقدرته على التكيف مع معطيات بناء مواطن المرحلة، ذلك أن مفهوم تغيير نمط الخطاب لا يقتصر على لغة الخطاب التواصلية فحسب؛ بل ما تجسده هذه اللغة في فنونها المختلفة من نماذج، وما تحييه من أنفس، وتوفره من فرص، وتبنيه من آمال، وتصنعه من إنجاز، وتقدّمه من بديل، وتمنحه من ثقة، وتوفره من عطاء، وتبرزه من مفاخر العمل، وتبسّطه من تعقيدات، وتختصره من سلسلة إجراءات طويلة، أو تمنحه من فرص للحوار وإبداء الرأي والاستماع للآخر والأخذ بيد المواطن، وبالتالي أن تنعكس إنتاجية هذا الخطاب والشراكة المؤسسية التي يصنعها، على الاستجابة الوطنية، والتفاعل الاجتماعي المحمود، والحس المشترك الذي يبني القوة، ويصنع المنافسة، ويقدم بدائل وحلولا للواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن، وهي استجابة يجب أن تتسم بالاستدامة والثبات والاستمرارية وليست محطة وقتية لا تلبث أن تتراجع لتزيد المشكلة وتعقّد من صعوبة الحل، وتعيد الواقع إلى المحور نفسه دون تقدم يذكر، وهو خطاب يتغلغل في قناعة أبناء المجتمع قلبا وقالبا المسألة وليس ظاهرة صوتية وقتية تستهدف التأثير على الرأي العام وتوجيه الاهتمام لديه بقضايا أخرى تغرد به خارج السرب أو تمثل قضية الساعة لديه، هذا الأمر يستدعي اليوم نهضة في الفكر، ورقيا في المنهج، ووضوحا في أدوات العمل، والاستفادة من القواسم المشتركة في إنتاج الواقع، الذي يمثل محصلة كل الجهود الوطنية، سواء ما يقدمه المواطن من مبادرات شخصية واهتمام بالعمل التطوعي وتعزيز المسؤولية الاجتماعية من مختلف الفئات العمرية، أو ما تقدمه المؤسسات، سواء منها المعنية بصورة مباشرة بالوضع الاقتصادي في البلد من واقع اختصاصاتها المحددة لها أو بطريقة غير مباشرة، يشمل ذلك القطاعين العام والخاص على حد سواء بما يضمن تحقيق مستويات أعلى من التناغم والتوافقية في مسارات العمل، وعندها ستكون النتائج معبرة عن الطموح، والعمل يتوافق مع الهدف، والجهد يعكس الاحتياج، والإنجاز يعبر إرادة المجتمع.
بالإضافة إلى ما تتطلبه هذه المسؤولية من فكر متجدد، وروح معطاءة، وضمير حي، وقلب غيور، ونفس مطمئنة، ونُهج واضحة في قراءة الأحداث المتسارعة والمستجدات المتغايرة والظروف المتتالية وتراكم المؤثرات التي باتت تتدخل في صناعة المواطن وتشكيل هويته ومواطنته وظروفه، بما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج الواقع الوطني، وتبني بدائل وأطر واستراتيجيات تقوّي من فقه المسؤولية، وتعظّم من قيمة الشعور الجمعي بالواجب الوطني بما تفرضه من مسار الاستباقية في قراءة الأحداث، والدخول في العمق الوطني عبر استدراك التحول في فقه المواطن العماني والتفاعل مع ما يحمله من هواجس وشجون وظروف، وفتح منصات الحوار والتواصل معه، وتوضيح الصورة الأخرى للمواطن وموقعه من هذه التحولات ودوره في تقنينها وضبطها والتثمير فيها وحسن توجيهها، لتصبح موجهات للتثمير في مبدأ الشراكة في المسؤولية الوطنية عبر ترسيخ المفاهيم والقيم والفرص الإيجابية الداعمة لبناء حس المسؤولية الذاتية وعبر استشعار الجميع بأنه شريك في الحفاظ على سقف توقعات المواطن، وفي الوقت نفسه المحافظة على التوازن الفكري في الوصول إلى هذه الاستحقاقات والتوقعات وفق الأنظمة واللوائح والأطر الوطنية المؤصلة لهذا المجال، ومعنى ذلك أن صناعة مفهوم أعمق للشراكة المسؤولة يستدعي اليوم مسارا يقوم على التكاملية والتوافقية البينية والشعور بالآخر، والانطلاقة من المشتركات باعتبارها مدخلات لتقاسم المسؤوليات وتعظيم قيمة العمل الجمعي في مواجهة التحديات التي يواجهها الوطن والمواطن، لذلك يجب أن تتجه الجهود إليه كونه رهان التنمية وأداة التغيير وروحه النابضة في رسم استحقاقات النجاح، وهو ما يجب أن يظهر في تعظيم مبدأ الشراكة الفعلية بين المؤسسات واستحضار الأخيرة لفقه المواطن في كل توجهاتها فتراعي متطلباته وتلبي احتياجاته.
وبالتالي تصبح مسؤوليات القطاعات والمؤسسات في البحث عن البدائل الداعمة لتعزيز ثقة المواطن بما تتخذه الحكومة من قرارات أو تتجه إليه من إجراءات وقائية اقتصادية أو تتبناه من مبادرات بحيث يستشعر المواطن قيمتها ومردودها الإيجابي عليه، وأثرها في المحافظة على مساحات العيش الكريم له، وتصبح الشراكة في المسؤولية منطلقا لبناء الثقة بين مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، فالتعامل مع الوضع الاقتصادي وإيجاد بدائل وحلول مقنعة لأوضاع الباحثين عن عمل والمسرحين ومخرجات التعليم العالي والدبلوم العام، وتعزيز دور القطاع الخاص والتنويع الاقتصادي، وتعزيز الوفرة المالية والتوازنات الاقتصادية وغيرها؛ ليست مقتصرة على القطاع الاقتصادي دون غيره أو وزارة دون أخرى أو السلطة التنفيذية دون التشريعية والقضائية، أو أن تنأى بعض القطاعات بنفسها عن تحمل مسؤولية بعض الملفات كالباحثين عن عمل مثلا، لكونه ليس من اختصاصاتها أو صميم عملها المباشر، لذلك فالمسؤولية مشتركة، والجميع تقع عليه مسؤولية البحث عن البدائل والحلول المناسبة ليقدمها في إطار وطني ينسجم مع السياسات العامة للدولة، فإن تكييف الواقع الجديد مع طبيعة المرحلة وظروف المواطن وطموحاته وأولوياته بحاجة اليوم إلى تكامل دور المؤسسات، والتزامها بالعمل بالمبادئ والموجهات الوطنية النافذة، ويصبح عليها جميعا تحقيق التزام وطني في البحث عن كل ما يؤدي إلى استقرار حياة المواطن ورفع مستوى المعيشة لديه وتقليل هاجس خوفه من المستقبل، وكلما ارتفع مستوى التنسيق والتكامل وارتقت لغة الخطاب وتناغمت القرارات والتوجهات مع الغايات والأهداف والمبادئ الوطنية التي أكدها النظام الأساسي للدولة، وأصبح نتاج المؤسسات تعبيرا عن هاجس المواطن، والتزامها جانب الجودة في الخدمة المقدمة والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية في المحافظة على سقف التوقعات الوطنية، ومد جسور التواصل مع المواطن وترقية مساحات الالتقاء به والحرص على أن يكون أولوية المؤسسة، أسهم ذلك في تقليل الممارسات غير المسؤولة، واستشعر المواطن حرص المؤسسات عليه وسعيها لتلبية طموحاته، وعندها ستزول الأنانيات والمحسوبيات وفوقية التعامل والمصالح الشخصية لأن الجميع يضع الوطن الإنسان، المحك الذي تدور حوله كل الجهود وتتجه إليه كل المبادرات.
من هنا فإن مستجدات المرحلة الانتقالية التي بات يرصد ملامحها المشهد الوطني بحاجة إلى تأكيد هذه النهج وبناء هذه الأطر، فالمحافظة على روح التغيير التي جاءت بها هيكلة الجهاز الإداري للدولة من رشاقة في الهيكل والحد من الازدواجية في الاختصاصات أو تنازع المهام، وتأكيد تبسيط الإجراءات وغيرها مما ورد في خطاب المرحلة، إنما يستهدف تعزيز مفهوم أعمق للمسؤولية لبناء نموذج حضاري لعمان المستقبل بحيث تتجسد تفاصيل هذه المسؤولية في سلوك المواطن (المسؤول الحكومي والموظف والمستفيد من الخدمة) وفي حياة المؤسسات (جودة الخدمة ووضوح الأدوات وكفاءة المعايير والثقة في المستفيد)، وتصبح هذه الموجهات بحاجة إلى أن تلجم بلجام القيم والأخلاقيات ومبادئ المحاسبية والمساءلة والنزاهة وترقية مفاهيم الشفافية والحوكمة، وتعزيز أخلاقيات العمل والإخلاص وتنزيه السلوك المؤسسي والمجتمعي من كل الشوائب والمشوهات التي باتت تقتل نتائج إبداعه وتضيّع فرص نجاحه.
أخيرا، تبقى قوة الشعور بالمسؤولية الوطنية في التعامل مع معطيات الحالة العمانية مدخلا استراتيجيا في صناعة الفارق ورسم استحقاقات المرحلة، كونها مرحلة لا تقبل الانتظار، ولا تنتظر منا الأعذار، كما لا تقبل الحلول الجزئية والأفكار السطحية من جانب واحد، أو أن يكون المواطن ظاهرة صوتية بعيدا عن أي قرار أو توجه؛ بل أن يكون حاضرا فيها، سواء بتحولات في طبيعة الدور أو تغيير في نمطية الممارسة أو عبر إكسابه المزيد من الثقة وتوفير الممكنات التي تتيح له مساحة أوسع في إعادة هندسة الدور القادم المأمول منه في التعامل مع هذه الظروف، وفي الوقت نفسه توفر له مزيجا من القوة الفكرية والاستقرار النفسي والسعادة الحياتية، لتشرق في محياه الابتسامة الجميلة المعبرة عن صدق ما يعيشه من حياة السلام الداخلي والأمان النفسي والاحتواء الذي يبعد عنه شبح الخوف وهواجس القلق، ويشمّر فيه عن سواعد الجد والعمل والعطاء منطلقا للحياة محلقا في فضاءاتها المفتوحة، فإن الإبقاء على خيوط التناغم والتكامل متقاربة بحاجة إلى أن تتنازل المؤسسات عن سياسة فرض الأمر الواقع، أو تبني لغة التهديد وأساليب الاستفزاز التي تتجه لها بعض القطاعات، أو غيرها من الأشكال التعبيرية التي تولد في الآخر ردّات فعل مضادة وثقافة مغايرة للواقع الوطني، وأن يقرأ المواطن في تنازله عن بعض الاستحقاقات الشخصية والتوقعات الطموحة، محطة اختبار لتعزيز هذه المسؤولية التي تبحر به في أمواج الحياة وشطآنها ليصنع خلالها بصمة إنجاز خالدة في حب عُمان.

إلى الأعلى