الجمعة 4 ديسمبر 2020 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: جريمة المخدرات في مجتمعنا تدق ناقوس الخطر

في العمق: جريمة المخدرات في مجتمعنا تدق ناقوس الخطر

د. رجب بن علي العويسي

المخدرات جريمة مشينة، وآفة خطيرة، وعادة مهينة، وممارسة وخيمة، وسلوك مستهجن، انحراف عن الفطرة، وضلال في النهج، وتكريس للشهوة، وضياع للعقل، وانسلاخ من الإنسانية، وركون إلى هوى النفس ونزغات الشيطان، قتل للإرادة، وتبديد للمال، وتبذير للموارد، وتضييع للفرص، وتشتت في الفكر، وخروج عن المألوف، وتعميق للخلاف ونشر بذرور الفتنة والشقاق، وتعطيل للحياة الآمنة، وإرهاب للمجتمع، وإزهاق للأرواح، وانتحار للإرادة، ونفوق للقيم، وإلقاء النفس إلى التهلكة، أهلكت الحرث والنسل، وأضاعت السلام والأمن، أرهقت الدول، وأثقلت كاهل الأسر، وأنهكت حياة الإنسانية، وما حلت المخدرات بمجتمع إلا فتكت بشبابه، وألبست مواطنيه لباس الجوع والخوف وأضعفه المرض والقلق، وأعمته عن بصيرة العلم، وقادته إلى الجهل، وعطلت لديه قيم الخيرية والصلاح والإصلاح والقدوة، فـ”إنا لله وإنا إليه راجعون”.
لقد ظلت جريمة المخدرات الحاضر الغائب في المشهد الاجتماعي، فهي حاضرة في الممارسة تنتشر بين أبناء المجتمع بسرعة البرق كانتشار النار في الهشيم، وهي غائبة عن صفحات الإعلام وتعامل على استحياء في التوعية والتثقيف المؤسسي إلا قليلا، وبشكل أقل من أن يصل إلى التوقعات أو يتناغم مع حجم ما تمثله هذه الجريمة المروعة من خطر على أمن الوطن والإنسان، وبالرغم من اهتمام العالم بجائحة كورونا (كوفيد19)؛ إلا أن مروجي المخدرات والمتعاطين لها والمتاجرين بها ظلوا يمارسون دورهم بكل احترافية، يبحثون عن كل السبل التي تتيح لهم تصدير هذه السموم للعالم وترويجها بين الشباب، مستغلين انشغال العالم والدول بالتفكير في حلول ناجعة للحد من انتشار المرض والبحث عن أمصال ولقاحات مجربة لمعالجة المرض، في تكثيف جهودهم وزيادة نشاطهم الجرمي واختلاق الأعذار وإحداث الإرباك للجهات الأمنية المعنية بمراقبة المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية المختلفة بالرغم من الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية المشددة التي اتخذتها دول العالم أجمع في الأشهر الماضية من حيث إغلاق المطارات ومنع حركة السفر والسياحة والتنقل وتضييق الرحلات الجوية والتنقل البري والبحري لأبعد الحدود والاقتصار على المؤن والسلع والبضائع فقط، إلا أن مؤشرات التعامل مع المخدرات وعمليات التهريب والمتاجرة بها استمرت في وضع الانتشار والاتساع.
لذلك كان لهم رجال الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بشرطة عمان السلطانية بالمرصاد، حافظين العهد، منجزين الوعد بأن لا يهنأ لهؤلاء العيش ولا يستكين لهم المقام في عمان بلد المحبة والسلام والصفاء والنقاء، فظلت جهودهم ماضية وعطاؤهم مستمرا وإنجازهم خير شاهد ودليل على حسن صنيعهم وقوة إرادتهم وصلابة عزمهم، فلم تمنحهم الوقت لفعل ما يشاؤون فسادا في الأرض وإهلاكا للحرث والنسل، يجسد ذلك حقيقة ماثلة للعيان ما تطالعنا به الصحف اليومية الإلكترونية منها والتقليدية وصفحات شرطة عمان السلطانية من أخبار تقشعر منها الأبدان وتضيق بها الأرض بما رحبت من هول ما يبثه هؤلاء المروجون للمخدرات والمتاجرون بها من أجل تدمير الإنسانية؛ وعبر جهودها الكبيرة في رصد وترقب وتعقب ومتابعة وتقصِّي المهربين والمتاجرين والمروجين للمواد المخدرة، سواء عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية على امتداد الشواطئ البحرية للسلطنة والذي استدعى شراكة مع تشكيلات شرطة عمان السلطانية كخفر السواحل والمهام الخاصة وطيران الشرطة، وبالتنسيق أحيانا أخرى مع البحرية السلطانية العمانية وسلاح الجو السلطاني العماني، وما نتج عنها من إحباط عمليات تهريب، وإلقاء القبض على مهربين وبحوزتهم كميات كبيرة من المخدرات في سلوك يكاد يكون شبه يومي متزامنا مع جائحة كورونا (كوفيد 19). وتشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنه تم ضبط أكثر من 2045 جريمة مخدرات و2783 متهما في العام 2019، كما تم رصد أكثر من 44 جريمة مخدرات في النصف الأول من هذا العام 2020، وفي الإطار نفسه فإن جرائم المخدرات في إحصاء عام 2016 احتلت المرتبة الـ(4) في تصنيف الجرائم، وشكلت ما نسبته (18.3%)، ومع تراجع هذه النسبة حسب الإصدار الإحصائي لعام 2017، إلا أنها ظلت في الترتيب نفسه وشكلت ما نسبته (17.4%)، ومع ذلك فقد مثلت رقما صعبا حيث اندرج تحتها (2775) من الجناة العمانيين بما نسبته (77.9%)، في جوانب الحيازة والاتجار والتعاطي، بالإضافة إلى أن خطرها أكبر على مجتمع عمان الفتي الذي يمثل فيه الشباب والأطفال (الأقل من 29 سنة) الشريحة الأكبر، بحوالي ثلثي السكان العمانيين وما نسبته (65%)، كما تمثل فئة الأطفال (الأقل من 5 سنوات) وحدها أكبر الفئات حيث بلغت (15%)، وهو ما قد يتيح لهؤلاء فرصا أكبر في ترويج المخدرات واستغلال هذه الفرصة لهدم هذه الإنتاجية التي يقدمها الشباب الطامح لخدمة وطنه. وبالتالي ما يستدعيه ذلك من إدراك المجتمع بكل أطيافه ومؤسساته وجمعياته ومكوناته لمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية في مواجهة هذه الآفة الخطيرة، وتكاتف الجهود في الوقوف عليها، وإطلاع المجتمع بشكل فوري على التقارير التي ترصد مستوى انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية الأخرى في مجتمع السلطنة، وما تبثه من سموم باتت سرطانات تنتشر في جسد أبناء هذا الوطن الغالي، وما تسببه من نشر ثقافة الخوف والقلق والكراهية ويزيد من حالة التنمر الاجتماعي والسخط العائلي، التي باتت تضيق بها مراكز التوقيف ومراكز الشرطة والمحاكم والادعاء العام وغيرها، سواء في التعاون مع شرطة عمان السلطانية وجملة الإجراءات القانونية والتنظيمية والتقييمية والضبطية والتوعوية والتثقيفية التي تستهدف تعزيز الوعي المجتمعي بأضرار المخدرات وآثارها وتعظيم الثقافة المجتمعية الموجهة نحو إدراك التأثير الناتج عنها في المجتمع ومستوى انتشارها بين المواطنين والمقيمين، أو بالإبلاغ عن أي أعمال أو حالات مشبوهة يقوم بها مروجو المخدرات والمؤثرات العقلية لقصد نشرها في المجتمع وترويجها بين الشباب وتعطيل كيانه، وخلق سلوك الدناءة والاستخفاف والاستهجان وعدم المبالاة في أصوله وقواعده، فإن ما يحصل من انتشار بعض الظواهر المجتمعية المنافية للأخلاق والمجانبة للصواب والمتصادمة مع أخلاق العمانيين، إنما هي نتاج لتعاطي مثل هذه السموم، وبالتالي أن لا تَصرِف الظروف الصعبة الناتجة عن فيروس كورونا (كوفيد19) الأنظار عن هذه الجريمة النكراء، ليجد المروجون لها والمتعاطون والمتاجرون بها فرصتهم في تكثيف ممارساتهم الخبيثة وسلوكهم الشائن، بل أن يكون لهذا الموضوع حضوره في أجندة العمل الوطنية، وأن يتم تسليط الضوء على المخدرات بشكل أكبر في ظل تزايد حالات الترويج ومشاهد إحباط المحاولات التهريبية أو زيادة أعداد جرائم المخدرات التي تتعامل معها الجهات المعنية واستخدامها أساليب معقدة واستغلالها الظروف الاستثنائية في محاولة فاشلة بائسة منها للإفلات من قبضة رجال مكافحة المخدرات أو العدالة الوطنية، بما يستدعيه ذلك من تبني سياسات وطنية أكثر ارتباطا بطبيعة المرحلة في ظل جهد نوعي تقوم به اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية ليكون داعما لجهود شرطة عمان السلطانية والمواطنين، بهدف توفير الأطروحات والدراسات النوعية التتبعية والمسحية المتصلة بتوفير الحلول الناجعة والقرارات الاستراتيجية، وتفعيل المنصات الحوارية مع الشباب، للوصول إلى قناعات ذاتية لمكافحة المخدرات، وتبني أطر أكثر صرامة ووضوحا في التعامل معها، على أن تحقق ذلك أمرا ممكنا في ظل ما يحظى به موضوع المخدرات من وجود بنية تشريعية واضحة ومتجددة تتناسب مع طبيعة التحول الحاصل في المواجهة العالمية للمخدرات في ظل تعدد أنواعها وسرعة انتشارها وزيادة مستوى الترويج لها.
لقد أغلق الكثير منا سمعه وبصره عن ما تحمله هذه المخدرات من مآسٍ وما تسببه من خطر على حياة أبناء المجتمع وفلذات أكباده منشغلا بأمور أخرى، فما يبسطه الإعلام في بساط الحوار أقل مما يحدث في الواقع، خوفا من وضع المجتمع في حالة من التساؤل والتشاؤم في ظل تزايد الظواهر الاجتماعية والمشكلات العائلية وأزمة عدم الثقة في المعاملات، ولعل المتابع للقضايا المرفوعة أمام المحاكم المدنية والجزائية والادعاء العام وأعمال المحامين يجد فيها ما تقشعر منه الأبدان، وما تضيق منه الأنفس، وما تتهاوى فيه القيم والأخلاقيات، وتضيع فيها الأعراف والمروءات، إنه واقع مرير أنتجته المخدرات والمؤثرات العقلية الأخرى، على المجتمع أن يعيه ويدرك مساوئه ويقف على تفاصيله، وليضع في خياله ماذا لو لم تقم الجهات المختصة برصد هذه الحالات وتتبعها ومراقبة هذه النشاطات ومداهمة هذه الأوكار ومراقبة الشواطئ وتفتيش بعض المنتوجات المستوردة والأدوات، بل أيضا تفتيش البشر ممن ضمرت إنسانيتهم وضاعت قيمهم وأخلاقهم، وضعف إيمانهم ليكونوا عونا لهذه العصابات العالمية في ترويج المخدرات والمتاجرة بها، ونشر هذه السموم بين أبناء الوطن، وتشجيع الشباب وابتزازه بها، ليشارك المجتمع بنفسه في قتل أبنائه، والمتاجرة بفلذات أكباده، والعمل على هدم بنيانه، واستنظاف موارده وطاقاته؟ وكم من فواجع لم تظهر على أعين الناس أو لم تُعطَ ذلك الاهتمام الإعلامي كانت ضحية المخدرات ونتاجا لتعاقر هذه السموم القاتلة وإذابتها في أجساد الأصحاء من أبناء المجتمع، فإن ما يستخدمه أعداء الإنسانية والفضيلة والأخلاق والقيم من مروجي المخدرات والمتاجرين بالمؤثرات العقلية من أساليب، ويجندونه من تجييش لعالمهم، محطة يجب الوقوف عليها، وإعادة هندسة بناء الإنسان العماني في مواجهتها، وتوضيح الصورة القاتمة التي باتت تصدّر المخدرات وتتستر بها في مسميات أخرى، وعبر التوسع في الرصد الإحصائي والشفافية فيه ولإشارة إلى أنواع هذه المخدرات والفئات التي تتعاطاها والأسباب الكامنة وراءها وآلية الوصول إلى هذه الفئات والأدوات والآليات التي يستخدمها مروجو المخدرات للوصول إلى الشباب، وأثر العلاقات الاجتماعية والشلل والجماعات والصحبة والنسبة التي تشكلها في الوقوع في المخدرات، والظروف التي يعيشها ضحايا المخدرات في المجتمع وبين أسرهم ومن هم المصدرون والمروجون للمخدرات وأماكن وجود هذه العصابات وكيفية معرفة المواطن بها، ودور التقنية في رصدها، ثم الضمانات التي تحفظ حق المواطن والمقيم من الاعتداء عليه من قبل مروجي المخدرات في حالة علمهم بالإبلاغ، بحيث يكون المواطن عين وطنه في مراقبة هذه الأحداث والتعامل مع هذه المواقف بالإبلاغ الفوري عنها، وعبر مراقبة تصرفات الأبناء وسلوكياتهم ومعرفة الرفقة المصاحبة لهم وسلوكهم داخل المنزل وخارجه، وأن تتنبه مؤسسات التعليم بمختلف أنواعها ومستوياتها لمثل هذه الممارسات التي تبدأ بتعاطي بعض المسببات لهذه الجرائم كالتدخين والأفضل وغيرها من السلوكيات المقيتة التي يمارسها بعض الشباب في مراحل المراهقة لتصل بعد فترة إلى معاقرة المخدرات ومصاحبة الفئات المروجة لها.
أخيرا، فإن ما ضمنت المخدرات على تحقيقه في صناعة جيل هامل خامد غير قادر على الإنتاجية، عالة على أسرته ووطنه، مصدر قلق لمجتمعه وعائلته، لم يأتِ من فراغ؛ بل عبر قراءة لخصوصية الحالة العمانية وما يتسم به الإنسان العماني من تسامح وطيبة وحس التعامل والثقة في الآخر، التي تصنع لمروجي المخدرات وتجارها مساحة قوة في تنفيذ مشروعاتهم أو ترويج سمومهم، مستغلين عواطف بعض المنتمين لهذا الوطن وضعف إنسانيتهم وقلة الوازع الديني لديهم والظروف المالية والديون التي يعيشونها في تنفيذ مخططاتهم وأجندتهم للحصول على الكسب المالي السريع، ليظهر الناتج بعد فترة في مجتمع غير قادر على أن يعيش الحياة بما أوجدته فيه المخدرات من وهن وضعف وخنوع وانكسار غير مبالٍ بأخلاقيات المجتمع أو قيمه أو هويته الحضارية، كما لا يبالي بأنظمته وقوانينه وتشريعاته، وعندها ستكون النتيجة مواطنا ضعيفا وجيلا يرتمي في أحضان الغريزة والشهوة ويعيش بين القضبان، لنعلنها صراحة بأن المجتمع العماني اليوم يتعرض للكثير من الضغوطات الاقتصادية وغيرها، وهي ضغوطات باتت ترتبط بأجندة أمنية واجتماعية ونفسية وفكرية قد تكون غير ظاهرة للبعض ولكنها أصبحت مكشوفة على مر الوقت، تستهدف تشويه الصورة الحضارية للإنسان العماني والقيم والمبادئ التي يعيشها في عالم مضطرب. ولا شك فإن المخدرات بما تحمله في أجندة البعض من نجاحات تمثل اليوم إحدى نتائج هذه الأبعاد الموجهة نحو تغيير هوية الأوطان وإعادة توجيه ثقافة الشباب وأولوياته ومحاولة غرس ثقافة مجتمعية مشوهة ضعيفة لديهم مضادة لروح المجتمع العماني وهويته، وما يستدعيه ذلك من تحول في قراءة موضوع المخدرات وتكاتف مجتمعي يلقي بظلاله على تفعيل خيوط التأثير الوطنية الإعلامية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والتربوية والدينية والترفيهية والشبابية والرياضية في مواجهة المخدرات وإثارة روح الشباب الإيجابية، واستنطاق قيمه وأخلاقه في مواجهتها، والوقوف أمام أي محاولات للتأثير في قناعاته وفكره من قبل مروجي المخدرات، لبناء مجتمع صحي نشيط منتج فاعل مساهم في خدمة مجتمعه بما وفرته له الدولة من فرص التعليم والتدريب والترويح والتثقيف وغيرها في سبيل بناء شخصيته والمحافظة على كينونته وإنتاج ذاته والتأثير في واقعه وإصلاح حالة، وأن يكون قدوة في مجتمعه وملاذا لبني جنسه، حفظ الله عمان وأبناءها من شر المخدرات.

إلى الأعلى