الجمعة 4 ديسمبر 2020 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نبض طبيب: على عتبات البرزخ
نبض طبيب: على عتبات البرزخ

نبض طبيب: على عتبات البرزخ

د. رقية بنت إسماعيل الظاهرية:
في التأمل بين حالات المرضى وذويهم، نجد الكثير من تقادير الله وعجائب قدرته؛ لندرك محدودية الطب أمام مراحل الحياة وناموس نهايتها المفترضة لحالات لا يمكن إصلاحها، وأوجاع لا تجبر.
في غرفة الطوارئ أحضر شاب بحادث كبير توقف قلبه، بدأ الأطباء بالإنعاش القلبي، ثم الصعق الكهربائي لتحفيز القلب، كرروا المحاولات، ولكن باءت بالفشل ليأمر الطبيب المعالج إيقاف عملية الإنعاش وإعلان حالة الوفاة. وبدأ البحث عن هويته للتعرف على أهله لإخبارهم، بدأ المسؤولون بالاتصال، رد والده وأخبروه بضرورة الحضور لتعرض ابنه لحادث، وأن الأمر خير من دون تفاصيل أخرى. حضر رجل كبير بالسن وهو يلتقط أنفاسه يذرف دموعا غير منقطعة بمنظر يدمي القلب، بصوت مرتجف، ينادي: دكتور هذا ابني الوحيد بين ثماني بنات. وبدأ يسأل: أين غرفة العناية المركزة؟ ســ”أُسفره” للعلاج بالخارج بأحسن المستشفيات، ويكرر: هذا وحيدي بين ثماني بنات.
أجلسه الطبيب وهو يشد على يديه، ويثبته بذكر الله، ويطمئنه بآيات من القرآن الكريم، وكيف يبتلي الله الإنسان، وفضل الصبر عند المصائب. يبست عروق الأب ليفهم بأن ابنه توفي، وبين الإنكار والقبول، صمت لفترة وهو يأخذ نفَسا برئتين مثقلتين مثل روحه ليقول بعدها: “إنا لله وإنا إليه راجعوان” لله ما أخذ ولله ما أعطى الحمدلله، وعينه تفيض بدمع أهل البلاء تسليما ورضاء بمر القضاء، ويتمتم: هذا الولد تمنيته سنين وانتظرته عمرا كاملا، تعشمت أنه يكون امتدادا لذريتي، ويحمل اسمي في الدنيا، ويكون لي خلفا وسندا، ويعينني على حياتي. رحلت معه الأمنيات وجرفت معها الباقي من العمر، ليخبرني بعد وصلة من دموع الضياع وعمق الأسى بأنه لا يقوى على رؤيته للمرة الأخيرة.
بعض الأخبار أثقل من الجبال يحملها الطبيب على عاتقه يقدم رجلا ويؤخر أخرى، تلك هي حالتنا عند نقل خبر سيء وكأنها المرة الأولى في مواجهة خيبات الفقد، أتردد في الذهاب، أعيد في ذهني: ماذا سأقول؟ وكيف سأنتقي المفردات؟ هل أعزيهم أم أشرح أسباب الوفاة؟!
أعيد سيناريو الكلمات وأنتقي العبارات حتى لا أبدو عاطفية، وأتماسك مهنيا، لحسن حظي تنقذني ملامح وجهي كثيرا، حتى قبل أن أتكلم تخبر بكل شيء، وأحيانا مجرد تربيت على الكتف وكلمة “البقاء لله” كافية في الوداع القاسي.
من الصعب التكيف على حالة وفاة واحدة، وكيف يكون حال الطبيب، إذًا يجب عليه التأقلم مع جميع الاحتمالات، وأن يتشتت في يومه بين شحنات مشاعر متضاربة؛ بين فرحة بولادة طفل بعد عناء سنوات من العقم، وفي غرفة مجاورة إبلاغ مريض أحببت ابتسامته، وتابعت حالته وكفاحه ضد المرض لسنوات بأنه في آخر مراحل حياته، وقد يكون الأمَرُّ من ذلك هو إبلاغ الأهل بخبر الوفاة، حيث يجب أن نحمل من الثبات ما يمكننا أن نكون إنسانيين وغير إنسانيين، أن نبلغ بخبر الموت ونلتفت إلى الجهة الأخرى بمشاعر مستنزفة لمواصلة عملنا تاركين تفاصيل راسخة في الوجدان. نحن لا نتحضر نفسيا لمثل هذه التناقضات، بل نعيش تلقائية تفاصيلها، قد نتوقع رحيل مريض، ولكن معطيات القدر تفاجئنا بوفاة مريض آخر، نحتاج لإنسانية محترفة ومهارة إيجاد توازن بين منح الأمل وقول الحقيقة، نبدأ الحديث بكثير من التفاؤل، ثم نتخذ مسارات أكثر وضوحا لتتقلص المفردات الطبية، ونبدأ بلغة روحانية؛ ليظهر الواقع بتجرد، ليسأل المريض سؤالًا صعبا: “كم تبقى لي في هذه الحياة؟”
نرافق أرواحا بشرية ضاقت بها الدنيا لتنبض على حدود الموت بأجساد منهكة كابدت العناء كثيرا في مرحلة انتقالية للمرور إلى عالم آخر، وأكثر ما يواسينا أن هذه الأروح وهي على عتبات البرزخ ستتذكر بأنني أنعشتها، وخففت من آلامها لتستريح وتستكين أجسادها المثقلة. كنت أرى من السلام في أعينهم ما يخبرني بأن معراجهم للسماء دافئ بمسار معبد بنور الجنة وكأنهم يناظرون سدرة المنتهى، ما يمنحني مناعة للروح وسكينة لمواصلة العطاء والاستعداد لمثل هذا اليوم الذي لن ينسى أحدًا.
قد تكون الأيام رتيبة وتتكرر أحداثها وتتشابه، لكن الأطباء تتجاذبهم أحداث يومهم ذات اليمين وذات الشمال، هنا طفل قادم للحياة وبجانبه سرير لمريض يغادر الحياة، تتمزق روحهم بين سعادة وحزن، عليهم أن يخبروا الأول بابتسامة، والثاني بأسى.. لله درهم.

طبيبة مختصة في قانون وأخلاقيات الطب

إلى الأعلى