الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. التسمين والتفقير .. نهج يتفجر من جديد

العين الثالثة .. التسمين والتفقير .. نهج يتفجر من جديد

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كشفت لنا موازنة عام 2015 عن أربع اتجاهات متعارضة جدا، لا تتناغم مع طبيعة المرحلة الراهنة، ولا تعكس الوعي السياسي المرتفع بحجم الإكراهات والتحديات التي تواجه بلادنا حاضرا ومستقبلا، وتبعدنا كل البعد عن المناخات الايجابية في بلادنا التي تولدت منذ عام 2011، الاول، عودة الفريق الاقتصادي تحت الغطاء المالي في ادارة شأننا الداخلي لوحده،، انفرادا واستفرادا،، وهذه العودة بدت لنا وكأن لم تكن هناك مغادرة اصلا وإنما التفافات مرحلية، وهذا يرجعنا الى عام 1996، عندما ترك لهذا الفريق لوحده صياغة الرؤية الاقتصادية لبلادنا 2020م وتطبيقها وتقييمها، فماذا كانت النتائج؟ وهنا تكمن الخطورة التي نعلي من شأنها بصوت مرتفع.
والثاني عدم المساس بمصالح اقتصادية لقوى اقتصادية محلية واجنبية، واستمرار مسيرة النفع الخاصة رغم تأثير هبوط اسعار النفط على بلادنا، والاتجاه الثالث، تحميل المواطن البسيط حل المشاكل المالية دون غيره، فمصالحه مباحة بينما أولئك المنتفعون والقوى محصنة على الدوام، والرابع، التوقيت غير المناسب تماما للكشف عن الخطوات التي كشفها الوزير المسئول عن الشئون المالية، وهو توقيت كان يقدم فيها هؤلاء المواطنون أسمى انواع الولاء والانتماء لقائد البلاد ـ حفظه والله ورعاه ـ فهل كان يستوجب المساس بأساسيات معيشتهم؟ إنه يولد شعورا باليأس والإحباط، ويدلل على سوء تقدير المكون المجتمعي لدولتنا الحديثة، فمن يملك شعبا ذهبيا كشعبنا، هل يتخذ في حقه مثل تلك الخطوات المجحفة؟ وماذا يراد منها؟ لو لم يكن هناك خيار غير تلك الخطوات لما كان ينبغي الإقدام عليها ابدا، حبا وكرامة لهذا الشعب الوفي الذي حاول البعض ان يستفزه فلم يستفز، فظل امينا على ولاءاته وانتماءاته حتى في أصعب الظروف، فكيف يعاقب الآن بأزمة نفطية مسيسة؟ وكيف يعاقب وهناك بدائل أخرى تجنبه الالام والعقاب؟ إنها منطقة عقل خالصة، نخاطب بها الوعي السياسي في بلادنا، نخاطبه في مرحلة حساسة جدا، وخطيرة جدا، لعله يتدخل سريعا، ويقف فورا ضد خطوات وقف التوظيف الحكومي ووقف الترقيات والعلاوات، ويضع حدا عاجلا للقوة الاقتصادية الطاغية التي لا ترى سوى ديمومة مصالحها فقط بصرف النظر عن الظرفيات الزمانية والمكانية، فلا يمكن السكوت على استمرار عمليات التسمين لبعض المنتفعين والرجوع لسياسات تفقير المواطنين، فمن يتابع انكشافات الحكماني واللواتي في مجلس الشورى، ومن لديه اطلاع ولو بسيط على مصالح القوى الاقتصادي في بلادنا وطرق ابتزازها للمال العام، فسوف يخرج بما خرجنا به من توصيفات سالفة الذكر، ولن يتردد في المطالبة بالتدخل السياسي للحد من تأثيرات قوى اقتصادية على السياسات المالية والاقتصادية الجديدة، ومعها بدأ مشهدنا الوطني يفتح مجموعة سيناريوهات لن تخدم المكتسبات التي تم تحقيقها منذ عام 2011، بل إنها تمسها ،، جوهريا ،، ولن نبالغ إذا ما قلنا إنها تفرغها من محتواها، وترجعنا الى نقطة البداية، اي قبل الاصلاحات الشاملة التي ولدت حالة من الشراكة المتوازنة بين الحكومة والمجتمع في ادارة شأننا الداخلي، وليس هناك توصيف لذلك سوى اعتبار ما يجري بمثابة محاولة من قبل قوى اقتصادية ومالية للتراجع عن الإصلاحات الشاملة ،، فعليا لا سياسيا ،، بعد أن نجحت سابقا في الالتفاف عليها، لكنها أخطأت هذه المرة التوقيت، فالتوقيت غير مهيأ لنجاحها، ليس فقط من منظور بروز قوة الشعب عبر ولاءاته وانتماءاته، وإنما كذلك المغالاة في تحميل المواطنين ما لا يتحملونه ،،ظرفيا،، رغم وجود من بإمكانه أن يتحمل المسئولية، ولم يحملوه رغم أنه يجب أن يتحملها اصلا، فلماذا لم يحملوه ؟ لأننا امام قوة منظومة المصالح الاقتصادية المترابطة والمتداخلة التي وجدت اساسا لخدمة اعضائها، فمن يدافع عن منظومة مصالح المواطنين؟ مجلس الشورى، وهل نجح في موازنة عام 2015؟ ـ كما سيأتي- إذن، إين الادارة السياسية لهذه المرحلة؟ وهل سوف تترك للقوى الاقتصادية أن ترجعنا الى البداية وتفرغ سلطتنا التمثيلية من ادوارها الأساسية؟ لا يمكن أن تغيب هذه الادارة الآن بالذات، أو الاعتقاد أن الموازنة شأن اقتصادي خالص، ومن ثم هي من اختصاص الفريق الاقتصادي والمالي لوحده، فالموازنة لا بد أن يتم فيها التعبير السياسي عن القضايا الحمر التي يجب أن لا تمسح ابدا، وعن الرؤية السياسية العامة للخطط المختلفة، وللاستدلال على ما نقوله هنا، فقد أوضحنا في مقالنا الأخير،، لا تقربوا المنطقة الاجتماعية .. لأننا في المرحلة الانتقالية ،، طروحات سعادة مسلم الحكماني رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية لمجلس الشورى الذي اعتبر العقود الموقعة مع الشركات النفطية بأنها (مجحفة وتظلم الأجيال المقبلة إذا استمرت هذه العقود التي تحقق أرباحا هائلة للشركات) فهذه نافذة مفتوحة الآن لمعرفة حجم المشكلة من جهة وماهية الظلم الواقع على الجيل الحالي وليس المقبل فقط، ووصل الأمر بالحكماني إلى حد المطالبة بإنهاء عقود بيع الغاز التي ترفض الشركات إعادة النظر فيها، وكشف لنا عن رفض كل مقترحات مجلس الشورى التي تقترح موارد جديدة للدولة لمواجهة الأزمة النفطية، فماذا يعني لنا ذلك، تراجعا أم تقدما؟ فلماذا يرفض الفريق الاقتصادي والمالي مقترحات بديلة لا تمس معيشة المواطنين؟ وكيف إذا ما ربطنا انكشافات الحكماني بانكشافات سعادة توفيق اللواتي في طروحاته واستفساراته لمعالي درويش البلوشي، فاللواتي قد دق ناقوس الخطر على حقوق الأجيال في ثروات بلادهم من خلال ما سماه بالإفراط في انتاج النفط والغاز، كاشفا كذلك عن استمرار نهج حكومي يضر بحقوق كل الأجيال ،،الحاضرة والمستقبلية ،، مستشهدا هنا ، بمشروع قيمته (15) مليار دولار مع احدى الشركات البريطانية التي لها نسبة (40%)، ورغم ذلك، فلن تسهم هذه الشركة بأية مساهمة مالية في اقامة البنية التحتية لهذا المشروع، وهذا كرم حاتمي بل فاق عليه، في مقابل ماذا؟ التضييق على معيشة المواطنين، وهذا الكرم ليس مع هذه الشركة فقط، بل نجده نهجا متبعا مع كبرى الشركات الأجنبية.
إذن، هناك خلل في الإدارة الاقتصادية، ومن خلالها نقول، لا الضرورة ولا الحاجة تحتمان وقف التوظيف الحكومي وإنما تقييم تجربته وتصحيح مساراته، ولا تحتمان كذلك وقف الترقيات والعلاوات، فهناك مجموعة بدائل سبق أن ذكرناها، ويمكن أن نضيف عليها كذلك، الاستفادة من سنوات ارتفاع اسعار النفط لما وفق (100) دولار، فلماذا لا يتم الاستفادة منها في هذه الفترات العجاف؟ لماذا ندخرها طوال السنوات السمان إذا لم ننتفع منها في السنوات العجاف؟ تبدو هذه مفارقة، وفيها غامض كبير، وقد ازداد غموضه بعد ما ذكره اللواتي من رفض إطلاع مجلس الشورى على تجربة الخصخصة في البلاد ؟ وهنا نطالب مجلس الشورى استخدام كل اوراق ضغطه من أجل وقف خصخصة (60) شركة حتى الاطلاع على نتائج وسلبيات ومسارات هذه الخصخصة، فهذه مسئوليته، وهو مؤتمن عليها، لأنه سلطة مراقبة ممنوحة من قائد البلاد، والمنحة تظهر هنا بأنها قوة أكبر من أية قوة أخرى تنتج مثل هذه السلط، لأنه تعبر عن الإرادة السياسية الطوعية لأعلى سلطة في البلاد، فهل انتم مؤهلون لها؟ للموضوع تتمة.

إلى الأعلى