الأحد 17 يناير 2021 م - ٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مولدك ربيعا يا رسول الله «2»

مولدك ربيعا يا رسول الله «2»

محمود عدلي الشريف ✱
تأملوا معي ـ إخواني الكرام ـ تلك الدنيا التي كان حالها أشد من حالة الخراب قبل المولد النبوي الشريف، فإن الخراب قد يقبل التعمير، أما المجتمع الذي ولد فيه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ كان لا يقبل الصلح أو التعديل، وعلى الرغم من ذلك استطاع (صلى الله عليه وسلم) بنوره ـ وهو نور كله ـ أن يخرج تلك المجتمعات المتناحرة المتقاتلة الجاهلة، التي تعكف على صناعة حجر تنحته، وما أن ينتهوا منه حتى يعكف كل منهم له عابدًا، فقام فيهم (صلى الله عليه وسلم) بالحجة البالغة، والبراهين الساطعة، والأدلة الدامغة، حتى استطاع أن يظهر لهم ما هم عليه من الفساد الخلقي والاجتماعي والعقدي والسياسي، بل وإن شئت قل وضع أيديهم على فساد مجتمعي كامل، فقد أعجز عقلوهم بقوة حجته، وأبهر أعينهم بنور منطقه، وأبهر باطلهم بوضوح حقه، وأخرس ألسنتهم ببلاغه منطقه، وأدهش فطنهم بمعجزاته.

حقًا! والله إن المجتمع بل الدنيا بأثرها كانت تحتاج إليه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ أرأيتم ـ إخواني الكرام ـ إلى أي درجة وصل الجهل في ذلك المجتمع ـ يا الله ـ إذا خلق الله لذلك العبد من نطفته ذكرًا قبله، وإذا خلق الله تعالى له أنثى وهي من نطفته أيضًا لم يقبلها البتة أبدًا أبدًا، فلقد وصل الأمر إلى أن يأخذ الرجل فلذة كبده فيدفنها تحت التراب وهي حية، تلك التي هي من صلبه ومن نطفته، والخالق المصور سبحانه وتعالى صورها، سبحان الله! أليست هذه الأنثى منه كما أن الذكر منه؟ سبحان الله ! على الرغم من أن كليهما من نفس الرجل، ومن الطبيعي أن كليهما له قرة عينه، بصرف النظر عن كونها ذكرًا أم أنثى، إلا أنه يأخذ إحدى فلذات كبده فيدسه في التراب، (لقد اختاروا لأنفسهم البنين، مع كراهتهم للبنات واحتقارهم لهنَّ، فإنَّ أحدهم إذا أخبر بولادة بنت، صار وجهه متغيرا من الغم والحزن، ومسودا من الغيظ والكآبة، ولذلك فإنه يتوارى من قومه خجلا من العار الذي قد يلحقه بسبب مجيء البنت، وكأنها في نظره بلية من البلايا، وليست هبة إلهية من الله تعالى، ثم يفكر فيما يصنع بهذه البنت، أيمسكها على الذل والهوان، أم يدفنها في التراب وهي حية) (منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام 2/ 552)، إلى غير ذلك مما يتفق ومجتمع الأدغال التي تحكمه الغابة، فلو أنني اصطحبتكم إلى نافذة التاريخ فنظرنا إلى ذلك المجتمع الهمجي لرأيناه ساجدا للحجارة، يأكل القوي منه الضعيف على حد قول جعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي، (قال له: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قالت: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.. اه) (سيرة ابن هشام ت السقا 1/ 336).

بالله عليكم ـ قرائي الكرام ـ مجتمع بهذا أليس في أشد الحاجة لنبي عظيم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وقد يسأل سائل إذا كان حال العرب كهذا فإن البلاد الأخرى من العالم كان لهم أنظمة ونظام، فلما يحتاجون إلى نبي؟ وأقول له: أين هذه الأنظمة؟ إذا كانت لديهم تلك الأنظمة فلم يعبدوا النار، إذا كانت لديهم تلك الأنظمة فلم يعبدون ملوكهم، وهو يعلمون أنهم بشر مثلهم يولدون ويموتون، وما يسير السخرية أنهم يعلمون ذلك ولا يكفون عن عبادتهم، سبحان الله!، فلماذا لم تدلهم تلك الحضارات إلى واهبهم تلك النعم؟ وما دامت عقولهم قاصرة عن أن تعرف خالقها، فكان لابد أن يرسل الله إليهم رسولا عظيمًا، يدلهم على خالقهم وموجدهم، كما أنه هذا النبي العظيم مما وهبه الله تعالى من مميزات أنه وعد من وعود الله الجازمة التي ألزم بها جل وعلا نفسه، فقد أرسل الله رسولا في كل أمة كما وعد، وهنا يسأل سائل: إذا كنا نتفق على أن حياة العرب كانت جاهلية، وكانت الأنظمة لدي الدول القائمة الأخرى أنظمة ظالمة باطلة، فإن هناك أهل كتاب: وهم أتباع موسى وأتباع عيسى ـ عليهما السلام ـ ومعهم كتبهم ، فلماذا يحتاجون إلى رسول آخر؟ وأقول له: أخي السائل: من الذي أنزل تلك الكتب؟ الله فعلا هو الذي أنزل تلك الكتب؟ فإذا كانت الإجابة: لا، أقول له: إذن حكمهم كحكم العرب وغيرهم يحتاجون إلى رسول ينقذهم من أعماق الجهل المظلمة، وإذا كانت الإجابة نعم الذي أنزلها هو الله، فهل الله الذي أنزل هذا الكتاب قال لهم ذلك، بل أفسدوها بدليل احتياج العالم إلى رسول الله عيسى بن مريم ـ عليه السلام، فلو كانت تلك الكتب على ما هيتها الأصلية لما أرسل الله محمدًا (صلى الله عليه وسلم)، ولكن تعالى أرسل رسوله محمدًا لأن كل العوالم من نعلم ومما لا نعلم تحتاج إلى رسالته العصماء، فلخراب تلك الأنظمة على كل مستوى وتلاطم العالم في محيطات من الجهل والشرك، فكان من رحمة الله تعالى بخلقه أن يرسل إلى سفينة الكون المنقذ الذي يأخذ بيد البشرية إلى بر الأمان.

إلى الأعلى