السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الجشع آفة العصر

الجشع آفة العصر

سعود بن علي الحارثي

عبر الأزمنة وفي كل الأمكنة وعند جميع الشعوب، تميزت العلاقة بين الإنسان والمال بالحميمية والوجد والتغزل وعشق الأول في تملك وادخار ما لا حصر له من النقود والأسهم والذهب والعقار، وكل ما يسهم في نموها وتحقيق المزيد من الثراء المادي… فالمال عصب الحياة ووقودها والعجلة التي تحرك النمو والعمران، وطرف معادلة أساسي لكل المظاهر والثورات والحروب والاحتجاجات والصراعات… وبدون الثروات ما كانت المجتمعات لتحقق تنمية ولا تطورا ولم تكن لتتمكن من المنافسة والصمود والاستمرار والدفاع عن كينونتها والبقاء في وجه التحديات الكثيرة، وبدون المورد المالي لن يستطيع الفرد تلبية متطلباته الأساسية وإشباع حاجاته الضرورية وقضاء رغباته حتى الملحة منها ولا من بناء نفسه وتحقيق طموحاته. والإنسان يسعى ويكد ويجتهد ويشقى لكسب المال وإنفاقه في تصريف شؤون حياته والوصول إلى أهدافه وتطوير ذاته، وادخاره وتنميته واستثماره ليكون عونا له في شيخوخته ومرضه وعند تعرضه للأزمات والطوارئ… ووصف القرآن الكريم هذه العلاقة أبلغ وصف في الآية القرآنية “وتحبون المال حبا جما”، فقد احتلت علاقة الإنسان بالمال حيزا كبيرا في النصوص والتعاليم الدينية ومنها الرسالة الإسلامية بالطبع، من حيث إن طبيعة الإنسان ونظرته قائمة على الشغف غير المحدود به كسبا وتنمية وادخارا درجة الإفراط والتعصب والمرض أحيانا، والانزلاق إلى أدوات ووسائل غير أخلاقية تفضي إلى ممارسة أشكال وأنواع شتى من الفساد، قد تفضي بالإنسان بل والمجتمعات والحضارات إلى الخطر، إذا تركت في سعيها وهرولتها لجني المال على هدي من طموحاتها وتعلقها وأحلامها الواسعة دون ضبط أو رادع، لأن كسب المال يأتي ويتدفق من مصادر وطرق متعددة ووفقا لأساليب وصور كثيرة منها ما هو مشروع ومباح ولا يشكل انتهاكا لقانون أو تجاوزا على أخلاق ومبادئ، فيحتاج الإنسان إلى من يبين له ويوجهه وينصحه ويراقبه ويضبطه ويوقفه عندما ينحرف ويتطاول وتتضخم ثرواته، وتصبح مصادر أمواله محل شك وشبهة وريبة. ففي المحاسبة والمساءلة والعقوبات سلامة مجتمع ووطن ومستقبل أجيال؛ لأن الفساد ينخر في العظام ويتغلغل في الأوصال، ويحفر في القواعد شيئا فشيئا إلى أن يتداعى البناء بالكامل. والفساد الذي يستشري وسط المجتمعات ويقود إلى انهيار الحضارات ويؤدي إلى تفتيت المجتمعات ويقضي على الدول، يتسرب تدريجيا من شقوق ومسارب الحواف التي يتدفق في سواقيها المال، فتنفتح شيئا فشيئا إلى أن تنتفخ الجيوب وتتضخم الحسابات بالأموال، وتمتلئ الخزانات بوثائق الأملاك التي تتحصل من مصادر واسعة يختلط فيها ويمتزج الحلال بالحرام، وتصبح أملاك الناس والأوقاف والأيتام والمال العام… نهبا لفئة من الناس بممارسات ممقوتة وأعمال شائنة يدخل فيها الاحتيال والتدليس، فتثير القلاقل والسخط والإحباط وغضب العامة الذين سيثورون وإن طال الزمن على الظلم والفساد، وهكذا شيئا فشيئا يتداعى الاقتصاد وتضعف الدول وتنهار مؤسساتها، ويتحكم الرعاع والصعاليك، ويستثمر الأعداء الوضع المتردي لتمرير أجنداتهم وتحقيق غاياتهم، والاستفادة من الظروف لإقامة وتثبيت نظام موال يخدم مصالحهم… وهذا ما نراه واقعا ملموسا في دول شتى بعضها تعافى والأخرى لا تزال في حال من التدهور تحيط بها وبمجتمعاتها المخاطر والمؤامرات والتدخلات الإقليمية والعالمية من كل جانب. إن الآثار والنتائج الخطيرة سوف تلقي بظلالها الثقيلة وغيومها الكئيبة الملوثة على المجتمع من الكسب غير المشروع الذي يغلف بأشكال ملتوية وتعاملات تحايلية لإضفاء المشروعية عليه. وقد شرعت الأمم والحكومات القوانين والأنظمة والضوابط، وأنشأت المؤسسات والإدارات الرقابية والتشريعية التي تعنى بضبط ومراقبة المال العام ومراجعة السندات والفواتير وأوامر الشراء ومساءلة المسؤولين وتقييم ومتابعة الصرف وكشف المخالفات وطرح الثقة، ومعاقبة كل من يتعدى على المال العام أو يسعى إلى توظيف منصبه أو يستخدم المعلومة الحكومية الرسمية لمصلحته أو يتحايل على القانون بهدف الاستفادة والإثراء بالطرق غير المشروعة، فعملية الضبط والرقابة والمساءلة واستقلالية مؤسساتها وتعزيز أدوارها وصلاحياتها لكي تمارس مهامها على أكمل وجه، هي المعترف بها والمعمول والمعول عليها اليوم في حماية المجتمع من استشراء الفساد المالي الذي يعد أساس كل فساد وقاعدة كل آفة تصاب بها المجتمعات، ومنح المؤسسات التشريعية والرقابية والقضائية صلاحيات وضمانات واسعة لتطوير وتفعيل أدائها. وبسبب شغف الإنسان بالمال حد العمى عن الرؤية القانونية والشرعية والمأمونة لمصادره، ركزت الكتب المقدسة وتعليمات الرسل والأنبياء ـ وعلى رأسها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ـ على ضرورة الأخذ بالتوازن في جني وإنفاق المال، وشددت على أهمية كسبه بالطرق الشرعية وحددت الضوابط والأسس الصحيحة التي تكفل حق الفقراء والمحتاجين في أموال الأغنياء، وفرضت عقوبات دنيوية وأخروية على من يخالفها… فالزكاة ركن من الأركان الخمسة التي لا يجوز التفريط فيه وإلا فهو تفريط في الدين، وقيل بأن استدراج الإنسان إلى الخطر يتم أكثر ما يتم من خلال المال الذي ينسي الإنسان فروضه وواجباته، ويحوله إلى خادم يسعى ويحرص فقط على تنميته وادخاره والتغزل به في تفريط مخل بالتوازن المشار إليه، والقرآن الكريم يقدم المال على الأبناء كبرهان على خصيصة الإنسان وعشقه للثروة وتقديمه على كل شيء حتى على فلذات الأكباد، وهما معا زينة الحياة الدنيا “المال والبنون زينة الحياة الدنيا ..”، ويحذر من الفتنة التي تعود على صاحب المال عندما يطمس بصيرته بغشاوة البخل والكسب الحرام وإهانة النفس مقابل حفنة منه “إنما أموالكم وأولادكم فتنة…”، ولا يغني المال عن الإنسان شيئا لحظة النهاية “وما يغني عنه ماله إذا تردى…”، وفي آية أخرى تحذر من أخطر الوسائل المهلكة التي يتم من خلالها الاستيلاء على المال “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا”، وفي الحديث النبوي الشريف “لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال”، وفي أهمية الصدقة ودورها في تنمية المال يقول الحديث النبوي الشريف “ما نقص مال من صدقة”، فالدور الحقيقي للمال يتمثل في قضاء متطلبات الإنسان الضرورية وما زاد عن ذلك يصبح خارج الحاجة، والأمر الطبيعي أن يتم صرفه في سد عوز الآخرين، فـ”ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت”، وفي الأدب العربي يقول المتنبي فيمن صرف تفكيره فقط في جمع المال خوفا من الفقر فشغله عن أي اهتمام آخر: “ومن ينفق الساعات في جمع ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقر”. ويعبر شاعر آخر عن ذات المعنى، محذرا من أن يتحول سيد المال إلى خادم له: “إذا المرء لم يعتق من المال نفسه * تملكه المال الذي هو مالكه”، وفي نظرة أخرى إلى دور المال وغاياته يقول الشاعر عن رأيه: “فخير مال الفتى مال يصون به * عرضا وينفقه في صالح العمل”. وفي أقوال المفكرين وأهل الرأي والحكمة جاء “إن رجلا بلا مال رجل فقير ولكن أفقر منه رجل ليس له إلا مال”، و”المال إما خادم أو سيد”. ويمكن أن نقول عن العصر الذي نعيشه بعصر المادة والشغف الطاغي بالمال، والتنافس على امتلاكه وتعظيمه وادخاره وتنميته، وقياس مستوى نجاح الإنسان بما يملكه من أرصدة، في مظاهر خطيرة استشرت بشكل واسع مرتبطة جميعها بالثروات، فالمسؤول ـ إلا الاستثناء ـ في مؤسسته يخطط ويعمل ويوظف المعلومة، ويتحايل على القانون من أجل تعظيم ثروته ورعاية مصالحه على حساب مسؤولياته ومصالح بلده وخدمة مجتمعه، والموظف يهمل وظيفته الأساسية ويقصر في تنفيذ اختصاصاته وينشغل بمهام وأعمال ومشاريع أخرى خاصة، تدر عليه دخلا آخر إلى جانب الدخل المحصل من الوظيفة، والطالب يحصر هدفه في تحصيل العلم واستلام شهادة تضمن له وظيفة تدر عليه دخلا جيدا، والأب يمنع ابنته الموظفة من الزواج بشتى الوسائل لكي يستمر في الاستيلاء على راتبها أو يبحث لها عن زوج غني يستفيد منه، والعالم يتراجع عن مبادئه وأقواله ويضحي بسمعته من أجل حفنة من المال، والثري يمنع الزكاة والصدقات خوفا من الفقر، والتاجر يستغل أوضاع السوق المشتعل فيرفع الأسعار لمضاعفة ثروته، وصاحب العقار يطرد الساكن المحتاج والمتأزم ماليا من بنايته لأنه غير قادر على زيادة الإيجار الكبير الذي يطلبه … لقد غير المال من المفاهيم السائدة في نمط التفكير وفي النظرة إلى الحياة بفضائها الواسع، وزعزع العلاقات بين الناس، وخلق هوة شاسعة بين الشرائح، وأحدث آثارا خطيرة أضرت بالقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية النبيلة وأعراف وخصائص المجتمعات التي بنيت على التكافل والتعاون والتآزر…

إلى الأعلى