السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام والإدارة المحلية
الإعلام والإدارة المحلية

الإعلام والإدارة المحلية

محفوظ بن خميس السعدي:
الإدارة المحلية هي إدارة لا مركزية، إلى هنا ينتهي فهمي المتواضع لهذا المفهوم الذي سيتردد كثيرا في الأيام القادمة بعد أن تم ذكره في النطق السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث جاء في الخطاب السامي بمناسبة العيد الخمسين لنهضة عمان الحديثة في الثامن عشر من نوفمبر 2020م: (… كما وضعْنا الأساس التنظيمي للإدارة المحلية، وذلك بإرساء بـنـيـة إدارية لا مركزية للأداء الخدمي والتنموي في المحافظات، وسنتابع بصفة مستمرة، مستوى التقدم في هذا النظام الإداري، بهدف دعمه وتطويره لتمكين المجتمع من القيام بدوره المأمول في البناء والتنمية..).
فالخطاب السامي يشير إلى أن المرحلة القادمة من مسيرة العمل والبناء لديها مرتكزات جديدة، ومن ضمن تلك المرتكزات التي ستحظى بمتابعة حثيثة ودقيقة من لدن جلالته ـ أعزه الله ـ الإدارة المحلية غير المركزية (اللامركزية) المتمثلة في المحافظات المنتشرة في أنحاء تراب السلطنة.
وفي البداية لا بد من توضيح وتفسير لمفهوم الإدارة المحلية الذي له عدة معانٍ وعدة أشكال وأنواع لتلك الإدارة المحلية، ولقد وضح الدكتور صفوان المبيضين في كتابه الإدارة المحلية (مداخل التطوير) مع التركيز على حالة المملكة الأردنية الهاشمية الذي يقع في (366) صفحة الصادر عن دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع لعام 2020م بالأردن بأن المكتبة العربية تفتقر إلى كتاب تفصيلي يبحث في الإدارة المحلية ومداخل التطوير، وبالذات بحالة المملكة الأردنية الهاشمية، لا سيما وأننا بحاجة إلى معرفة التطبيقات والمداخل الحديثة واستشراف التجارب الناجحة في الإدارة المحلية، وما زال الحديث للدكتور في كتابه، حيث يقول: ومن هذا المنطلق جاءت الرغبة في إنتاج هذا الكتاب الجامع الذي يسلط الضوء على العديد من المفاهيم والممارسات المتعلقة بأساليب تنظيم الإدارة المحلية في بعض الدول العربية والأجنبية، مع التركيز على تجربة الأردن الرائدة في هذا المجال.. إلى هنا ينتهي حديث الدكتور. ولكي نكشف بعض الحيرة والضبابية التي انتابتني في عدم إيراد مفهوم جامع شامل للإدارة المحلية وأشكال الحكم المحلي والإدارة غير المركزية (اللامركزية)، ولأنني لست متخصصا في علم الإدارة، قمت بالاطلاع على كتاب التنمية الإدارية في سلطنة عمان الصادرة عن معهد الإدارة العامة بوزارة الخدمة المدنية (آنذاك) من إعداد الدكتورة أمة اللطيف بنت شرف بن محسن شيبان مستشار أول بالمعهد، ويقع الكتاب في سبعة فصول ضمن (370) صفحة، جاء في مضمونها ذكر الإدارة المحلية في السلطنة. إلى هنا ذكرت الكتاب الذي تناول الادارة المحلية، ولم آتِ بعد على تعريف لمفهوم الإدارة المحلية، والذي هو شكل من أشكال التنظيم المحلي، يتم بموجبه توزيع المهام الإدارية بين الحكومة المركزية وهيئات محلية منتخبة ومستقلة تؤدي وظيفتها تحت إشراف الحكومة المركزية ورقابته، تتمتع باستقلالية تامة، ولديها من الصلاحيات التي تعمل على تسيير شؤونها الإدارية بنفسها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة السائدة في تلك الدولة القطرية. هذا تعريف من عدة تعريفات كثيرة منتشرة، ولكن في هذا المقال لسنا في معرض الحديث عن الإدارة المحلية بتشعباتها إلا بالأمر الذي يسهل علينا معرفة ماهية الإدارة المحلية فقط. فموضوعنا يتمحور حول دور الإعلام العماني في القادم من الإدارة المحلية وكيفية مواكبة هذه القفزة النوعية في سير العملية التنموية في البلاد.
فالإعلام العماني بكافة أطيافه مطالب بمواكبة هذه التحولات والقفزات النوعية التي تشهدها البلاد من خلال وضع استراتيجية إعلامية، وتنفيذ خطط إعلامية طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وذلك لن يتأتى إلا من خلال وجود الإعلام بكل ثقله في أتون تلك الإدارات المحلية القادمة من خلال إيجاد وسائل إعلامية محلية جهوية كالصحف والمجلات والإذاعات بحيث تكون هناك إذاعات جهوية في تلك المحافظات التي تعمل وفق غير المركزية (اللامركزية) من خلال بناء منظومة إعلامية تهتم بشؤون تلك المحافظة تحت مظلة مؤسسية حكومية، تعمل على التوجيه والإرشاد والدعم اللوجستي لتلك الإذاعة أو الوسيلة الإعلامية بالمحافظة، فبذلك ينتعش السوق الإعلامي والإعلاني، وأيضا يتنوع الطرح الإعلامي بتوافر الوسائل في كل محافظة، والكل يتسق مع الرؤية والأهداف المستوحاة من هذه الاستراتيجية الإعلامية المستمدة نواميسها من رؤية “عمان 2040″ وتطلعات المواطنين نحو بناء لا مركزية ناجحة بكل المقاييس بدون أن يتخلل تلك التجربة أي بطء أو ارتكاسة. فالإعلام في هذه اللحظة يحتاج أيضا بعد النطق السامي إلى مأسسته بناء على التحديث والتطوير الجاري، والذي سيجري على منظومة التشريعات والقوانين بالدولة، بحيث يسعى الإعلاميون إلى إيجاد مظلة إعلامية قانونية مغايرة لما عرف تقليديا بقانون المطبوعات والنشر؛ وذلك بطرح مسمى جديد لقانون جديد يضم بين دفتيه تشريعات ومواد تنظم العمل الإعلامي والصحفي داخل البلد، وتنظم استخدام وسائل أو وسائط التواصل الاجتماعي أو المجتمعي الحديث، والتي تجد مسارها في حوامل إلكترونية متعددة، وتطبيقات وبرامج إلكترونية متنوعة في نشر وبث المحتوى الإعلامي الرصين المبني على أسس علمية وبمنهجية دقيقة، فيتم بذلك تعبيد طريق انطلاقة الإعلام العماني نحو إيجاد إعلام محلي جهوي، بحيث يناقش جهة أو محافظة فقط بعيدا عن المركزية.
إذا، يجب أن نحث الخطى نحو بعث إعلامي جديد قادر على مواكبة المرحلة الجديدة من الإدارة المحلية، ويعنى بشأن الولايات بكل محافظة، بينما تظل الرعاية الإعلامية الشاملة من قبل وزارة الإعلام، وهنا يجب التنويه أن الإذاعات الجهوية ـ على سبيل المثال وليس الحصر من وسائل وأدوات العمل الإعلامي بالمحافظات ـ هي الخاصة بجهة أو ولاية أو محافظة كانت تجارب نجاحها في بعض البلدان الشقيقة والصديقة وساهمت مساهمة فعالة في التسريع من وتيرة التنمية في كافة المحافظات، وساعدت الإعلام المركزي الصادر عن الحكومة في إنجاح برامجه التنموية، ودعم وتعزيز اللحمة الوطنية، وبجانب الإعلام المحلي الخاص بالمحافظات لا بد أن تتضمن الإدارة المحلية ما يعرف بمكاتب العلاقة مع المواطن، هذا الأمر يسهم إسهاما حقيقيا في إيصال صوت المواطن إلى الجهة المركزية، وأيضا يسهل العمل الإعلامي في الإشارة والتنبيه إلى مواطن التأخير والخلل والضعف في بعض المشاريع التنموية المراد تحقيقها في تلك المحافظات، والتعرف على احتياجات المواطن من خلال متابعة مكتب العلاقة مع المواطن، فعلينا التفكير جديا ومليا في إيجاد إعلام يكون مضماره وميدانه المحافظات والعمل مع الإدارة المحلية غير المركزية (اللامركزية) في تدعيم خططها والكشف عن الإنجازات التي
تحققت في تلك المحافظات، فالإعلام بالشكل الحالي لن يفي بمتطلبات المرحلة القادمة التي تحتاج إلى تكاتف كافة الجهود في إيجاد سبل مبتكرة وحديثة وسهلة وفي متناول الجميع بعيدا عن التعقيدات الإدارية والروتينية.

باحث إعلامي

إلى الأعلى