السبت 28 نوفمبر 2020 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: خطاب عيد النهضة الخمسين وتأصيل منظومة المحاسبة والنزاهة

في العمق: خطاب عيد النهضة الخمسين وتأصيل منظومة المحاسبة والنزاهة

د. رجب بن علي العويسي

خطاب العيد الخمسين للنهضة الذي تفضل به مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في الثامن عشر من نوفمبر المجيد، جاء مجسدا لمرتكزات بناء عمان المستقبل التي حددها الخطاب السامي لجلالته ـ أعزه الله ـ في الثالث والعشرين من فبراير عام 2020، ومعبرا بصدق عن جدية التوجه في نقل هذه المرتكزات إلى واقع عملي مؤطر وأدوات عمل مقننة واستراتيجيات أداء واضحة المعالم، وخطط وإجراءات ومبادرات تضمن لهذه التوجهات القوة في ارتباطها بالواقع وتناغمها مع التطلعات واستجابتها للطموحات الوطنية، وهي موجهات باتت حاضرة في منظومة العمل الوطني عبر جملة المراسيم السلطانية السامية التي بدأت مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة والتحولات التي يجب أن يصنعها في سبيل بناء منظومة إدارية قادرة على تلبية متطلبات المرحلة واستشراف المستقبل وتحقيق الإنتاجية، وعبر بناء مسار اقتصاد الأزمات الذي اتجهت إليه الحكومة لتقنين الصرف وتعزيز الادخار وهيكلة الموارد وتبني استراتيجيات التثمير فيها في ظل الانخفاض القياسي لأسعار النفط وتأثير جائحة كورونا (كوفيد19)، وما اتخذ في هذا الشأن من توجهات بدأت مع إنشاء جهاز الاستثمار العماني والمنشورات المالية منذ بداية عام 2020، بالإضافة إلى منشور وزارة المالية رقم (18/2020) بشأن تطبيق مركزية الإيرادات العامة للدولة والالتزام بتحصيل كافة إيرادات الجهات الحكومية المدنية والعسكرية والأمنية مباشرة في حساب وزارة المالية، وانتهاء بخطة التوازن المالي (2020-2023) وما تضمنته من إجراءات ومبادرات نوعية استهدفت تحقيق الاستدامة المالية للدولة والتهيئة لتنفيذ العديد من المشروعات التنموية الخدمية والإنتاجية على حد سواء.
وانطلاقا من هذا النهج، وعطفا على ما أشار إليه خطاب عمان المستقبل من مرتكزات لنجاح خطط الحكومة، سواء المتعلقة بالجهاز الإداري للدولة، أو ما يتعلق منها بالجانب المالي، فإن تحقيقها واقعا عمليا ملموسا بحاجة إلى “تحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئ وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة؛ لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤية عمان 2040 وأهدافها” وهو الأمر الذي أكده خطاب جلالة السلطان في العيد الخمسين للنهضة بقوله: “كما أن العمل مستمر في مراجعة الجوانب التشريعية والرقابية وتطوير أدوات المساءلة والمحاسبة، لتكون ركيزة أساسية من ركائز عُمان المستقبل، مؤكدين على أهميتها الحاسمة في صون حقوق الوطن والمواطنين ودورها في ترسيخ العدالة والنـزاهة، وستحْظى هذه المنظومة برعايتنا الخاصة بإذن الله تعالى”؛ وبالتالي ما يؤسسه التناغم بين موجهات الخطابين الساميين من معطيات قادمة في رسم معالم منظومة المحاسبية والنزاهة وتشكيل ملامحها ومهامها واختصاصاتها وبنيتها الهيكلية والتنظيمية والرقابية والتشريعية والإدارية والمالية، وهي منظومة لها أهميتها اليوم في ضبط المسار وتوجيه بوصلة الأداء وتعميق روح المسؤولية وبناء فقه الضمير وتعزيز مناخات الثقة لضمان تحقيق معايير الالتزام والوفاء بالتعهدات والوقوف على الواقع ومتابعة مستوى التطبيق أولا بأول واستشعار قيمة الموارد والمحافظة عليها ومنع التعدي عليها، والحد من كل مسببات الرشوة ومعززات الاختلاس والمحسوبيات والاستغلال الشخصي للوظائف العامة، وبما يعزز من الأداء الحكومي ويرفع كفاءته وإنتاجيته ومقدرته على الاستجابة للظروف والجاهزية للتطلعات واستيعاب المعطيات وتوفير الحلول المقنعة للوصول إلى أداء ناجح تتحقق فيه المعايير ويتواكب مع رؤية عمان 2040، ويصبح تحقيق منظومة المحاسبة والنزاهة مساحة أمان لصناعة الفارق في الأداء والإنتاجية والجودة في المنجز بما يتوافق مع الطموحات ويتناغم مع الأولويات ويستجيب لمتطلبات المرحلة، ونقل الموظف الذي ائتمنه الوطن على موارده ليكون الحارس الأمين على صون هذه الموارد والثروات والمحافظة عليها وحمايتها من أن تمتد لها أيدي العبث وانتهاك حرماتها أو الاختلاس مهما صغر حجمها أو قل عددها، إلى مرحلة استشعار القيمة المضافة لهذه المحاسبة وتحقيق قواعد النزاهة باعتبارها سلوكا ذاتيا ومسارا عمليا يجسدها في ممارساته وعقيدته الوظيفية ومبادئ وأخلاقيات العمل، يرتبط بصحوة الضمير ونزاهة الخلق وإخلاص العمل ورقابة الذات وتجاوز أنانية النفس والأثرة ورغبة التملك وغيرها.
إن بناء منظومة المحاسبة والنزاهة تستدعي اليوم عملا وطنيا متقنا، وجهدا مؤسسيا منظما، وتبني مبادرات جادة قادرة على تجسيد هذا السلوك في مسيرة عمل المؤسسات والأداء الوظيفي للموظف، وبالتالي فإن بناء منظومة كفؤة قادرة على تحقيق ذلك واقعا عمل المؤسسات، وتجسيده في مسؤولياتها ومهامها بحاجة إلى ترسيخ لثقافة المحاسبة والنزاهة وصناعتها في المجتمع الوظيفي لتتجسد التزاما يمشي على الأرض في أخلاقيات المسؤول والموظف والسلوك الوظيفي وأدوات العمل بالمؤسسات وعلى مختلف التقسيمات الإدارية، وما يتطلبه ذلك من الحاجة إلى تقسيمات إدارية تعمل على مراقبة وتقييم الأداء الداخلي للمؤسسات وعبر بناء منظومة تقييم الأداء المؤسسي كمرحلة تمهيدية في بناء منظومة كبرى للمحاسبة والنزاهة بما تستدعيه من العمل الجاد المبتكر والنوعي، والشراكة الفعلية التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم لتحقيقها والمشاركة في رسم صورتها الفعلية في الجهاز الإداري للدولة، ويطول أيضا القرار المؤسسي ذاته الذي يفترض أنه يعبر عن رؤية العمل الوطني ويتناغم مع تطلعات العاملين في المؤسسات، بما يعني ضرورة تبني ثقافة جلد الذات والاعتراف بالقصور في العمل، وتأكيد الحاجة إلى الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي والتقييم السليم والتقويم الواعي والتنفيذ الأمين كمعايير واضحة لعمل مؤسسي مرتقب يحقق العدالة ويرفض منطق البيروقراطية وإثبات القوة والعظمة للذات، هذه الحقائق التي تبرزها منظومة تقييم الأداء المؤسسي للوصول إلى المحاسبة والنزاهة تجد من يقف ضدها، ويعمل بكل جهده على تقويضها وتضييع أركانها ومنع الصلاحيات عنها وإجحاف حقها في الدعم والمساندة بالرغم من أنها ما وجدت إلا لدعم الأداء المؤسسي، وتعزيز كفاءته والتثمير في الموارد وتجديد الالتزام بالمحافظة على الكفاءة الوطنية وتقدير موقعها وتحفيز نجاحها وحفز قدراتها، لذلك لم تجد لها طريقها الممهد في العديد من المؤسسات التي ما زالت عقدة الذاتية والفردية وأزمة الثقة تسيطر على ممارساتها، وما زال الأداء المؤسسي فيها لا يعترف بالمعايير ولا يطبق مؤشرات الأداء، ولا يحتكم إلى معيار الكفاءة في العمل ودقة الفعل في الممارسة، وبالتالي ما يمكن أن تحدثه منظومة المحاسبة والنزاهة من بعث الأجندة الخاملة وتحريك مياهها الراكدة بحيث تستجيب لسرعة التحولات القادمة والتوجهات الداعمة لتحقيق المحاسبة والنزاهة وعبر الإسراع في بناء هيكلية وطنية لها تمتلك الصلاحيات والأطر والاستراتيجيات والممكنات والبرامج والخطط النافذة وأدوات التشخيص والضبط والرصد والتعقب والمعالجة المباشرة وتصحيح أي سلوك إداري أو مالي أو شخصي له علاقه بإطار عملها.
هذا الأمر يأخذ في الحسبان أيضا مراجعة الجوانب التشريعية والرقابية وتطوير أدوات المساءلة الإدارية وعبر مراجعة القوانين الإدارية النافذة بالشكل الذي يضمن قدرتها على التكيف مع منظومة المحاسبة والنزاهة وتعمل على تحقيقها من خلال واقع عمل الموظف؛ فإن التعاطي مع مكونات هذه المنظومة يتم عبر مسارين الأول يرتبط بمكونات المنظومة نفسها والتي تنطلق من مسوغات ومبررات واضحة من خلال مراجعة شاملة لواقع العمل الوطني والممكنات أو الإخفاقات المرتبطة بمنظومة الرقابة الالية والإدارية للدولة، فمن جهة يجب أن ينظر إليها في إطار صفتها الضبطية والقانونية في الرقابة على المال العام وتنظيم وتقنين ومراجعة أي انحرافات في القرار المؤسسي، ومن جهة أخرى تضمن وجود انتشار لها بالمؤسسات بحيث تعمل على تأطير قواعد العمل الداخلي وبناء ثقافة المحاسبية والنزاهة بين العاملين ويدركها المسؤول الحكومي ويقف عليها، ومن جهة ثالثة ليست قواعد تنظيرية للمحظورات أو الواجبات والمسؤوليات بل أدوات رقابية ومحاسبية فعلية تحدد نوع الجزاءات والعقوبات أو الغرامات والإجراء المتخذ ضد أي مخالفة إدارية ومالية تقف من المسؤول الحكومي أو الموظف بما يتناسب مع طبيعة الجرم المتحقق منه، سواء يتعلق بمهام الوظيفية أو تجاوزه للصلاحيات والمسؤوليات أو عدم تحقيقه مبدأ العدالة أو غيرها من الممارسات المخلة بأخلاقيات الوظيفة العامة كالمحاباة واستغلال الوظيفية أو غيرها من الأمور التي يمكن الاستدلال عليها من واقع القضايا المرفوعة إلى محكمة القضاء الإداري أو الجهات القانونية والقضائية ذات العلاقة، أما المسار الآخر فيرتبط كما أشرنا سابقا بحضور فعلي لمنظومة تقييم الأداء المؤسسي التي تتجه إلى تقييم أداء المؤسسة بكل تفاصيله وتقييم أداء الأفراد وفق منظومة تقييم واضحة المعالم، محددة الأركان، واضحة البنيان، تقف على أداء المؤسسة من واقع عملها وأهدافها وفجوة التباين بين رؤيتها وبرامجها وإنجازاتها، كما تقف على أداء الموظف من واقع المهام والاختصاصات الوظيفية، إذ لا يمكن تطبيق منظومة تقييم أداء وظيفي للموظف بالشكل الذي يتناغم مع منظومة المحاسبة والنزاهة بدون وجود وصف وظيفي محدد وفق معايير واضحة ومجربة يتم من خلالها مساءلة الموظف والرقابة على أدائه، بما يعني التأكيد على أهمية تحقيق الوصف الوظيفي للوظائف وتحديد الوظائف التي تحتاجها عمان المستقبل من واقع مستجدات عمل المؤسسات؛ هذا بالإضافة إلى شمولية منظومة تقييم الأداء المؤسسي لمختلف الجوانب الإدارية والتنظيمية والقرارات الوزارية والإدارية بالمؤسسات والاتفاقيات والمشروعات والمسابقات والبرامج التدريبية الداخلية والخارجية والمهام الرسمية الداخلية والخارجية لمختلف المستويات الوظيفية وإنجاز الوحدات الحكومية والدوائر الداخلية واستخدام المركبات الحكومية بالمؤسسة وبنود الصرف في الموازنات المالية الممنوحة للتقسيمات الإدارية بالوحدات الحكومية وغيرها كثير، لتشكل عمليات الرقابة والمتابعة والتقييم الدوري لها المعزز بأدوات رقابية وعقوبات وجزاءات رادعة منطلقا لبناء ثقافة مهنية مسؤولة وسلوك مؤسسي أكثر ضبطية، وتهيئة المجتمع الوظيفي بالمؤسسة نحو التعامل الواعي الحصيف مع المهام والاختصاصات والمسؤوليات بالشكل الذي يضمن سير عملية التقييم وفق مسارات واضحة ودقيقة تعمل على تأصيل فقه منظومة المحاسبة والنزاهة في العمل المؤسسي، وهو الأمر الذي أشارت إليه خطة التوازن المالي (2020 – 2023) في المحور الثالث ترشيد ورفع كفاءة الإنفاق” وعبر مبادرة ربط الرواتب بالأداء الفردي والمؤسسي لزيادة الكفاءة، وترشيد ورفع كفاءة الإنفاق، ومبادرات: الشراء الاستراتيجي الحكومي الموحد، وإيجاد شراكات استراتيجية لتوفير المواد والخدمات المتكررة مثل (السفريات، المركبات المملوكة والمستأجرة، الإيجارات)، ومبادرة رفع كفاءة الإنفاق الإنمائي (توجيه الإنفاق الإنمائي تزامنا للمشاريع الاقتصادية والاجتماعية ذات الأهمية القصوى وغيرها، وهو ما يعني أهمية البدء في هذه الإجراءات للوصول إلى منظومة محاسبة قادرة على صناعة الفارق ورسم استحقاقات المرحلة.
أخيرا، فإن تحقيق نواتج ملموسة لهيكلة الجهاز الإداري للدولة وخطة التوازن المالي يحفظها من الانحراف ويعصمها من الخلل ويوجه مسارها نحو تحقيق معدلات نموّ تلبي تطلعات أبناء عمان المستقبل وقيادتها الحكيمة، يؤكد الحاجة اليوم إلى بناء هيكلة وطنية للمحاسبة والنزاهة تمتلك الصلاحيات التشريعية والرقابية والضبطية والأدائية في التصدي للممارسات غير المسؤولة من قبل الأفراد والمؤسسات والتجاوزات الحاصلة الإدارية منها والمالية، وقضايا الفساد الإداري والاختلاس للمال العام والمحسوبيات في التوظيف، والفاقد الحاصل في التشغيل، والهدر والاستنزاف في الموارد والثروات الوطنية، والتأخير في إنجاز المشروعات الحكومية، أو ما يتعلق بالقرارات الوزارية والإدارية التي تتجافى مع مبادئ العدالة وتتنافى مع رؤية الدولة وتوجهاتها الضامنة للمرونة والثقة والشراكة، بالإضافة إلى التأخير في معالجة بعض الملفات الحساسة والإجراءات غير المدروسة التي تتخذها بعض المؤسسات أو يصرح بها بعض المسؤولين الحكوميين فيما يتعلق بالباحثين عن عمل والمسرحين وملف الأيدي العاملة الوافدة؛ وأن يتجه العمل في بناء هيكلة جهاز المحاسبة والنزاهة الوطنية بشكل يتناغم مع معطيات المرحلة وطموحات المواطن ويستقرئ كل المعطيات السابقة أو جوانب القوة والإخفاقات في منظومة الرقابة الإدارية والمالية للدولة، بالإضافة إلى ضمان تأسيس مسار واضح لتقييم الأداء المؤسسي والوظيفي وعبر مراجعات تطال التشريعات والقوانين الإدارية النافذة في منظومة الجهاز الإداري للدولة مثل: قانون الخدمة المدنية وغيرها، وإعادة تطويرها بما يعزز من كفاءة الأداء الحكومي وفاعلية أدواته ومستوى المرونة التي تمنحها لتحقيق الابتكارية والريادة والاحترافية والتنافسية في الإنتاجية. ويبقى نجاح منظومة المحاسبة والنزاهة التي أكد عليها جلالة السلطان المعظم في أكثر من موضع في خطبه السامية بشكل صريح أو ضمني في إطار إشارته إلى المسؤولية الوطنية التي لا يعفى منها أحد؛ مرهونا بما تمتلكه من قوة الصلاحيات الضبطية والرقابية والجزائية وكفاءة الأدوات ورصانة آليات التنفيذ، وحجم ما يمنح لهذه المنظومة في فقه هيكلة الجهاز الإداري للدولة وأروقة الحكومة تحقيقا لـ: “النزاهة التي لا بد أن تسود كافة قطاعات العمل وأن تكون أساسا ثابتا راسخا لكل ما نقوم به”.

إلى الأعلى