الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / تعلم كيف ترتاح
تعلم كيف ترتاح

تعلم كيف ترتاح

نجوى عبداللطيف جناحي:
من منا لا يعاني من التعب والنصب في هذه الحياة، صغيرا كان أو كبيرا، رجلا أو امرأة، فكل منا يشكو التعب والعناء، وكل منا يشكو دهره. نعم .. تمر بنا الأيام والسنون ونحن نجر ساقية العمل والإنجاز، حتى نشعر أننا ندور في دائرة ليس لها بداية ولا نهاية، تلك هي سنة الحياة، فتأمل قول الله تعالى في وصفه لحياتنا في هذه الدنيا، فقد أوجزها سبحانه وتعالى في كلمة واحدة وهي كلمة (الكَبَد) (ولقد خلقنا الإنسان في كبد) (الآية 4 من سورة البلد). فقد خلقنا الله تعالى لنعمر هذه الأرض بالجد والعمل، ولكل منا رسالة معينة في هذه الحياة يسعى لتحقيقها فتكون جزءا من تعمير الأرض، وعلى عاتق كل منا مسؤوليات كثيرة، فالجميع يكدح لكسب الرزق، والجميع يشقى لتربية أبنائه، وكثير منا يجتهد لطلب العلم. ولك أن تستعرض قائمة طويلة من المسؤوليات التي تقع على عاتق الإنسان فترهق كاهله، ولكل إنسان طاقة معينة وقدرة محددة لتحمل هذه الأعباء، وتختلف قدراتنا على تحمل هذه الأعباء، فمنا من رزقه الله القوة والصبر فيقدر على تحمل الكثير من الأعباء، ومنا من تخور قواه بسرعة فلا يحمل إلا القليل من الأعباء، فنحن البشر لا نكاد نتشابه في قدراتنا وإمكاناتنا.
نعم .. قد نختلف في قدرتنا على تحمل الأعباء، ولكن نتفق جميعنا على حاجتنا للراحة والاسترخاء. فيطرح سؤال نفسه: هل تعرف كيف ترتاح؟ مهلا عزيزي القارئ، هذا السؤال ليس بسؤال ساخر، ولكن الواقع أن الكثير من الناس لا يعرف كيف يرتاح، والبعض ينسى أنه بحاجة للراحة، والبعض الآخر يَعدُّ تخصيص وقت لراحته تقصيرا في مسؤولياته تجاه الآخرين. نعم البعض لا يعرف كيف يرتاح؛ لأنه لا يعرف كيف يصفي ذهنه ونفسه من القلق والهموم، فلا يقدر على الراحة حتى أثناء النوم فيسبب القلق له اضطرابا في النوم، أو يرى أحلاما مزعجة، حتى أن البعض يضغط على أسنانه أثناء النوم حتى يكسرها فينصح طبيب الأسنان بضرورة التعامل مع الضغوط النفسية والقلق بشكل سليم؛ حتى يتجنب هذا الشخص الضغط على أسنانه عند النوم.
ويظن الكثيرون أن أفضل طرق الراحة هي الخروج في إجازة من العمل، ولكن طريقة الراحة الصحيحة هي أن تأخذ قسطا من الراحة بشكل يومي حتى لا ترهق نفسك. ألا يحتاج هاتفك للشحن بشكل يومي؟ فكذلك نفسك. لذا اجعل في يومك محطات للراحة لتجدد نشاطك، ووجه لنفسك كل يوم هذه الأسئلة لتتحقق أنك وقفت عند هذه المحطات:
• هل ضحكت؟ فالضحك يبعث للراحة حتى لو تتصنعه، واحرص على أن يكون هذا الضحك مع أفراد أسرتك ليسود جو المرح في البيت، فالجو الأسري المرح يضفي السعادة على جميع أفراد الأسرة، وجالس المرحين الضاحكين، ألا تعلم أن الضحك يعدي وكذلك السعادة؟
• وهل لعبت مع أحد الأطفال؟ فاللعب مع الطفل حتى لو لدقائق بسيطة يعيد للنفس حيويتها وصفاءها ونقاءها، فتسكن نفسك فتصغر المشاكل والهموم في عينيك. فترى الحياة بعيني طفل يستسخف ما يهوله الكبار.
• هل تأملت شيئا من جمال الطبيعة التي زان الله بها هذه الأرض؟ ليس بالضرورة أن تخرج لربوع أو حقول أو شلالات، فقط يكفيك أن تتأمل مخلوقات الله من حولك: زرقة سماء، أو بياض غيوم، أو أوراق شجر تتراقص مع هبات الهواء، أو زهرة يانعة صامدة بين أسنان أشواك لتعطيك رسالة مفادها أن جمال الحياة في ما تحتويه من أضداد، واستعذب صوت طير يصدح، هكذا عود نفسك على إدراك هذا الجمال في كل ما حولك لتستريح به.
• هل أعطيت نفسك فرصة للاسترخاء؟ فتلقي بجسدك على الأريكة وتحتسي كوب قهوة لتستجم به وتجدد نشاطك.
• وهل أمضيت بعضا من الوقت تتبادل فيه أطراف الحديث مع صحبك وأهلك؟ فالحديث والحوار مع الناس يجدد النشاط ويعيد للنفس توازنها.
• وهل أخذت وقتا كافيا من النوم؟ فجوع الجسد للنوع يرهق العقل والقلب.
• وهل استرخيت في سجدة طويلة؛ لتلوذ بحمى الله فتناجي ربك، فتشكو له همك، وتتضرع له، وتحمده، وتسأله الرضا والعطايا؟ فتطوي سجادتك وقد طويت صفحات أحزانك بيقين أن الله سميع مجيب.
• وهل أرحت عينيك وقلبك وأنت تقرأ صفحات من كلام الله؟ فتتأمل الكلمات التي تقربك لحمى الله فتشعر بالأمان، وتتدبر ما فيه من حكم ومعانٍ فتتسع مداركك، فتزداد يقينا أن الله سميع مجيب.
وأخيرا عزيزي القارئ، أوجز تلك المحطات في كلمات علك تحفظها فلا تنس أن تقف عندها يوميا:
ضحك، ولعب، واسترخاء
ونوم، وحديث، ودعاء
وتأمل وصلاة ورجاء
بها تنال الراحة والهناء
فإن أحسنت الراحة أحسنت العمل والعبادة، وأسعدت نفسك ومن حولك، ألم تسمع بقول من سبقونا: (لا يعرف فن العمل من لا يعرف فن الراحة)… ودمتم أبناء قومي سالمين.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري najanahi@gmail.com تويتر: @Najwa.janahi

إلى الأعلى