الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / عصر جديد للنهضة.. علينا تغيير الأفكار وترتيب الأولويات

عصر جديد للنهضة.. علينا تغيير الأفكار وترتيب الأولويات

محمد عبد الصادق

ما زلت أتذكر العبارات التي وردت في الأوامر السامية التي أصدرها المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ في يناير من العام 2014م بخصوص توحيد جداول رواتب موظفي الجهاز الإداري للدولة والذي ترتب عليه زيادة كبيرة في الأجور الحكومية، وكان نصها كالتالي: “جدير بالذكر أن الأمر سيؤدي إلى زيادة مخصصات بند الرواتب بموازنة الدولة لتصل إلى نسبة 39%، كما أثبتتها الدراسات المالية والاقتصادية، وعلى الرغم من أن هذه الزيادة سيترتب عليها بعض الانخفاض في مخصصات الإنفاق الأخرى ومن بينها الإنفاق على خطط التنمية… وتحسبا لأي انخفاض في أسعار النفط والغاز، وهما موردان يسهمان إسهاما كبيرا في إيرادات الدولة، مما سيؤدي إلى انخفاض تلك الإيرادات، فإنه ينبغي أن يظل العبء المالي الإضافي الذي سيترتب على الجدول الموحد في حدود الزيادة المقررة، وألا يؤثر ذلك على الاحتياطي العام للدولة في حالة انخفاض أسعار النفط” .
وكأن جلالته ـ رحمه الله ـ كان يتنبأ بما سيؤول إليه الوضع في المستقبل القريب، فرغم استجابته للمطالب الاقتصادية والاجتماعية ـ التي تعالى صوتها في ذاك الوقت ـ إلا أنه حذر من تداعيات هذه الزيادات على المدى البعيد على الميزانية العامة للدولة وتخوفه من انخفاض أسعار النفط، وتأثير ذلك على الاحتياطي العام للدولة، وكانت الجملة المفصلية في هذا النطق السامي: عبارة “تأثير هذه الزيادة على خطط التنمية”، فمع استمرار أسعار النفط في الهبوط حتى اقتربت في بعض الأوقات من 20دولارا للبرميل، وتضخم بند الأجور والرواتب بعد زيادة أعداد الموظفين الجدد، تقلص الإنفاق الحكومي على البنود الأخرى، وتأثرت بالتالي “خطط التنمية”، وأصبح من الضروري إعادة هيكل الجهاز الإداري للدولة.
وهو الأمر الذي شرع فيه جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ ووضعه في سلم الأولويات بمجرد توليه مقاليد الحكم، ليقينه ـ أعزه الله ـ أنه لا سبيل لتحقيق التنمية والاستدامة المالية إلا من خلال ضبط الموازنة العامة للدولة وتقليل العجز، وتحقيق فائض يتم توجيه جزء منه لتنفيذ المشاريع التنموية التي يعجز القطاع الخاص أو لا يرغب في تنفيذها، رغم أهميتها في رفد الاقتصاد الوطني.
نحن مقبلون على مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، تحتم علينا تغيير كثير من المفاهيم والأفكار والسلوكيات، والتخلي عن كثير من التطلعات والممارسات الاستهلاكية التي لا طائل من ورائها غير الغرق في الديون والأقساط، علينا التحلي بالواقعية والعملية والبساطة في حياتنا.
عندما ننظر للدول المتقدمة التي قطعت شوطا عظيما في التحضر والتقدم الاقتصادي، نجد مواطنيها يتسمون بالبساطة والتواضع في حياتهم اليومية، ففي كثير من الدول الأوروبية والآسيوية الغنية، نجد الدراجة الهوائية هي وسيلة المواصلات الرئيسية، ولا يستنكف الموظف مهما علا منصبه من ركوب المواصلات العامة للوصول لمقر عمله، كما نجد أكثر من 90% من السيارات في شوارع باريس سيارات صغيرة لا تزيد سعتها اللترية على ألف سي سي، وسعرها لا يتجاوز ألفي يورو وتستهلك أقل قدر من البنزين، كما نجد الاستوديو الذي لا تزيد مساحته عن 30 مترا مربعا هو وسيلة السكن الأكثر انتشارا في المدن الأوروبية والآسيوية.
بينما عندنا نجد الشاب أول ما يضع قدمه في الوظيفة وقبل أن يتقاضى أول راتب، قد وضع جدولا بمصروفات الراتب التي تذهب للديون الأقساط.
وعندما يقرر الشاب الزواج وتكملة نصف دينه يثقل على نفسه، فهو يرفض أن يبدأ بشقة صغيرة وأثاث بسيط يؤدي الغرض ويناسب أسرته الصغيرة، ومع الجهد والترقي في العمل، يمكن أن ينتقل إلى مسكن أكبر، أو يبني منزله المستقل إذا زاد عدد الأبناء وكان باستطاعته الوفاء بتكاليف البناء بدون الاستدانة أو الاقتراض الذي يظل يطارده بقية حياته.

إلى الأعلى