الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / «ربيع» العرب وحصاد الكيان الصهيوني

«ربيع» العرب وحصاد الكيان الصهيوني

خميس التوبي

رغم كثافة ما يجنيه كيان الاحتلال الصهيوني من حصاد ما سمي زورًا وبهتانًا «الربيع العربي»، فإن ما بقي من جني أكثر بكثير مما يظهر أمام جميع العرب وشعوب العالم، ولا تزال أيدي/أدوات «الربيع» تعمل بإخلاص لدى مشغِّليها في حرث الأرض وحصادها لصالح كيان الاحتلال الصهيوني وحلفائه الاستراتيجيين، وما تخفيه بذور «الربيع العربي» ـ لا شك ـ أنه أخطر من ذاك الذي بان حتى اليوم، بدليل أن المعطيات تتدحرج وسط منزلق يبدو أكثر من كارثي، على ضوء ما يستجد في لائحة خفايا هذا «الربيع « الذي يواصل معشر المتآمرين على ريِّه بدماء الأبرياء، وتسميد أرضه بالدمار والخراب والإرهاب والعنف والوحشية والطائفية، والتي توالي أيادي/أدوات الإرهاب والإجرام تقديم شهادة قبح سيرها وسلوكها وإثبات جدارتها للترقي في سلم الإرهاب والإجرام ونشرهما في رياح الأرض الأربع.
‏وما الاستيلاء على مدينة القدس المحتلة والمضي في تهويدها بصورة كاملة وهدم المنازل الفلسطينيين المقدسيين وطردهم من المدينة وإفقارهم، وتقسيم المسجد الأقصى زمنيًّا ومكانيًّا، وتشريع القوانين العنصرية كقانون «يهودية الدولة أو قومية الدولة» وغيره، إلا بداية حصاد هذا «الربيع» المشؤوم. فجعبة الأطراف الأصيلة والوكيلة والعميلة الداعمة والراعية لهذا «الربيع» لا تزال عامرة بأفكار التآمر والتدمير والتخريب والفتن، ولا تزال ضروع أبقار البترودولار تدر الأموال اللازمة لعملية تحويل تلك الأفكار إلى أعمال وواقع على الأرض.
وفيما تقف جامعة الدول العربية العتيدة بمشروع القرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أبواب منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها مستجديةً أسيادها أن يفتحوا لها أبواب المنظمة للدخول إليها حتى لا تتعرض للإحراج والخجل، وإن كان الحياء والخجل والإحراج أسقطته من صفحة وجهها باستجدائها حلف شمال الأطلسي لتمزيق جسد الأمة في ليبيا وسوريا وصمتها عن إبادة الشعب الفلسطيني. وفيما يقيد كل من التردد والمخاوف والضغوط السلطة الفلسطينية عن التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوقيع اتفاق روما لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، خرج كيان الاحتلال الصهيوني حاملًا معه المقاطف والسلال ليحصد ثمار ما غرسته أدوات «الربيع العربي» وجامعة الدول العربية وبعض الفلسطينيين، موجهًا بذلك ضربة استباقية بالتوجه إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث تقدم المركز القانوني لكيان الاحتلال الصهيوني «شورات هادين»، بشكوى ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى المحكمة الدولية مدعيًا أن «الرئيس الفلسطيني يمكن أن يحاكم في لاهاي على الصواريخ التي أطلقت» على مستعمرات صهيونية أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة الصيف الماضي، وتجعل عباس شخصيًّا مسؤولًا قانونيًّا عن الأعمال الإجرامية للمجموعات. وادعت رئيسة المركز، المحامية نيتسانا دارشان ـ لايتنر، أن عباس وهو «قائد فتح يمكن أن يحاكم في المحكمة الجنائية الدولية لأنه مواطن أردني والأردن عضو حاليًّا في المحكمة الجنائية الدولية، وأن المحكمة الجنائية الدولية لديها الصلاحية لممارسة سلطتها القضائية على جميع الأعمال المرتكبة من قبل مواطن لأحد الأعضاء، وأن عباس يتوجب أن يتم التحري عنه ومحاكمته على تلك الهجمات بالصواريخ ضد (إسرائيل)». وتأتي هذه الخطوة في الوقت دعا فيه رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين ريفلين دولًا عربية إلى دفع تعويضات ليهود زعم أنهم أجبروا على ترك هذه الدول، وأن «يوم الخروج من الدول العربية وإيران هو فرصة لتطبيق العدالة التاريخية، من خلال نظرة معتدلة جديدة، لا تتجاهل مشاكل الماضي».
صحيح أن هاتين الخطوتين الصهيونيتين تأتيان في إطار الضغوط الصهيونية المستمرة على الأطراف العربية والفلسطينية، وللهروب إلى الأمام من الاستحقاقات الواجبة على كيان الاحتلال الصهيوني الوفاء بها ووفق القرارات الدولية ذات الصلة، إلا أنهما على الجانب الآخر لهما دلالتهما بالنظر إلى حالة الاصطفاف غير المسبوقة التي اتبعتها ولا تزال جامعة الدول العربية منذ العام 2011 وإلى الآن مع الغرب الاستعماري الإمبريالي، حيث كان لدورها الأثر الأكبر في هدم بعض الدول العربية وبعثرتها وتشريد وقتل شعوبها، ووضع المنطقة على خط تصدع منحدر باتجاه تصعيد لا يكتفي بممارسة العدوان الموصوف خارج الشرعية الدولية، بل إن الأموال العربية المشبوهة والعميلة لم تأتِ كإضافات مطلوبة من قبل الأسياد/الأعداء فحسب، وإنما جاءت في أحايين كثيرة مقرونة باشتراطات الممولين لتضيف كل يوم ما يذهب بالقضية إلى ما هو أبعد من حدود التصعيد المتدرج، ويصل إلى حد إثارة عواصف وأعاصير سياسية وعسكرية وإعلامية ودبلوماسية متحركة في جهات الأرض الأربع. ولذلك لا عجب أن ترفرف الرايات السوداء والبيضاء والخضراء والحمراء بجانب النجمة السداسية الداوودية، وأيضًا لا غرو أن يترجم كل ذلك إلى استباحة لكل ما هو عربي وإسلامي مقدس، وإبادة شعب بأكمله وتصفية قضيته، واعتبار الصهيونية أقرب المقربين والحلفاء، واعتبار بعض الطوائف الإسلامية المختلفة في المذهب وبعض المعتقد ألد الأعداء، يجب محاصرتها والقضاء عليها، وفي سبيل ذلك لا يهم أن يذهب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ضحية، وأن تضيع القدس وأقصاها، ما دامت هذه التضحية ستشبع المراهقة السياسية وتحقق أوهام القيادة. ‏
إن جامعة الدول العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية أمام محكَّيْنِ حقيقيين هما مجلس الأمن الدولي بعد تقديم مشروع القرار الخاص بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، والتوقيع على اتفاق روما والتوجه إلى محكمة الجنايات الدولية، وما يستتبع كل ذلك من خطوات.

إلى الأعلى