الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بأيهما ننتصر على الآخر..؟!

بأيهما ننتصر على الآخر..؟!

علي عقلة عرسان

عندما تتضافر على شعب ووطن قوى بأحقاد أكبر من الأكباد، وبأسلحة فتاكة وفوضى مدمرة، بغية الوصول إلى تحقيق أهداف وحلول بالقتل وحتى بالإبادة من جهة، وبأنواع من البؤس والفقر والطغيان والظلم والتشرد والعذاب والجريمة والإرهاب والخوف، يصعب حصرها ومحاصرة تفاعلاتها وامتداداتها من جهة أخرى.. فما الذي ينبغي أن ننتصر به على الآخر أو نحارب به الآخر يا ترى؟! البؤس والفقر والقهر أم الحرب والقتل والإبادة..؟! معادلة بائسة كل طرف من أطرافها قتول.. وقد ثبت من خلال التجربة في «المختبر السوري» الفذ الذي فاق مختبرات كثيرة في هذا المجال.. أن كلاً منهما يقود إلى الآخر ويغذيه وينميه بشكل ما؟! غير أن من الظلم أن نخص السوريين حصراً بتسمية المختبر بـ «المختبر السوري»، فهو ليس ملك السوريين ولم يعمل بطاقاتهم فقط.. وربما لهذا السبب يُفضَّل أن يُسمى «المختبر العالمي في سوريا» لمعرفة بأيهما ننتصر على الآخر بالحرب والقتل والدمار على البؤس والفقر والقهر.. أم العكس؟! وكل منها يفضي إلى الدمار ويسبب العار.. أم أن التقصي سيقودنا إلى علاقة جدلية تفاعلية تصاعدية وربما عضوية بينهما، على غير ما رأى الساخر برنارد شو الذي سنقارب الموضوع من خلال نص مسرحي له حمل عنوان «الميجور بربارة».؟! وأقارب النص والموضوع بصقيع الدموع وقلبي في زمهريره مثقل بالكآبة المرة، ولا يرقى ما هو فيه إلى بعض ما يصيب الأطفال السوريين على الخصوص وهم في مخيمات اللجوء والنزوح والهجرة ومواقعها، يقصمهم البرد والجوع والمرض، ويسحقهم الشوق إلى وطن والخوف منه وعليه.
في مسرحية «الميجور بربارة» نحن أمام موقف مختلف لبرنارد شو أحد أتباع الجمعية الفابية واحد الاشتراكيين الإنجليز الذين يتميزون بنظرة خاصة وموقف خاص في هذا الشأن. شو الذي كره أن يُشاع عنه أنه مثالي، كما كره أن يصبح مجرد ورود عبارة «السوبرمان» في كتاباته عنواناً عاماً لأعماله، لأنه يطمس واقعيته العميقة والتصاقه بالناس والحياة في عصره.
إنه يضعنا بمواجهة اختيارات تحتاج إلى الذكاء وبعد النظر وتمحيص الأمور وإعمال الفكر قبل الإقدام على اتخاذ موقف أو إصدار حُكم ما.
حوادث مسرحيته «الميجور بربارة» تجري في لندن عام 1906 وقد كتبت في الفترة ذاتها. شخصياتها بالدرجة الأولى أفراد أسرة واحدة هي أسرة أندرو شافت صاحب مصانع المدافع خاصة والأسلحة الثقيلة عامة في بريطانيا. وهو لا يعيش مع أسرته، ولا يأتي إلى البيت إلا بما يشبه الدعوة الرسمية من سيدة المنزل زوجه، وحين يأتي إلى البيت يُعامَل معاملة رسمية جداً تشعره بأنه ليس أحد أفراد الأسرة.
عند بداية المسرحية نتعرف على بريتومارت التي تدير المنزل بحزم وتفرض سطوتها على أولادها، وتتحمل المسؤوليات المالية كاملة ولا تعتمد على ما يقدمه زوجها من مال، وأنها تأخذ من والدها ما قد تحتاج إليه، وليس هذا لفقر أندروشافت فهو من أعظم الأثرياء ومن أكبر المتحكمين في مصير السياسة في بلده، وإنما نتيجة رفضها لماله الذي يأتي من تجارة الحرب.
أفراد الأسرة: بربارة ـ وسارة كل منهما تعرفت على شاب خطبها ويعيش معها في بيت الأسرة، أما الابن ستيفن فهو أصغر أفراد الأسرة ولكنه تجاوز العشرين من عمره. وتحرص الأم كل الحرص على أن يكون الوريث الشرعي لممتلكات أندرو شافت الذي يأبى أن يتم ذلك على الإطلاق، وربما كان هذا أحد الأسباب الرئيسية في نشوب خلافات لم تحسم داخل الأسرة.
عند افتتاح المسرحية نرى السيدة بريتومارت تصدر أوامرها لكل فرد بأن يكون على قدر من اللياقة والجدية في التعامل عند قدوم السيد أندروشافت، وهي من خلال إصدار هذه التعليمات تقوم بإخبار الجميع، وخاصة ستيفن، بأنها دعت زوجها ـ والدهم – أندروشافت لزيارة المنزل، هناك أمور تريد أن تطرحها عليه، وتريده أن يعرفها.
يحضر أندرو شافت الذي يتعامل بلباقة وقوة شخصية ووضوح منطق تجعل منه إنساناً أخاذاً لماح الذكاء. ويتعرف على أفراد الأسرة، وأقول يتعرف عليهم لأنه ربما لا يعرف أولاده فعلاً. كما يتعرف على الخطيبين خطيب بربارة وخطيب سارة ابنتيه. وفي هذا التعارف والحديث الذي أعقبه، نصل إلى تحديد بعض المواقف التي تشكل محور الصراع القادم في مراحل النص الآتية:
- رفض أندرو شافت رفضاً قاطعاً أن يصبح ابنه ستيفن وريثاً لمصانع السلاح، وذلك لأن تقليد وراثة العمل في تلك المصانع جرى على أن يقوم المالك بتبني أحد اللقطاء وتسليمه العمل، بعد أن يكون قد تأكد من قدرته على إدارته ومن قوة شخصيته واستطاعته التامة التي تمكنه من إدارة العمل بنجاح. ونتبين أن أندرو شافت نفسه هو لقيط أصبح صاحب المصانع بعد أن تبناه اللقيط الذي كان مالكاً لها قبله. وأن هذا الأمر أثبت أن العمل يبقى محافظاً على وتيرة مرتفعة من النجاح تحققها قدرة الأشخاص الذين يختارون بعناية وليس أشخاصاً يحتلون الموقع لمجرد انتمائهم الوراثي لصاحب الملك. ولهذه الإشارة من برناردشو مدلولها، فاللقطاء ينجحون أكثر من غيرهم في ترويج الحروب والاقتتال وإراقة الدماء، من خلال تجارة السلاح؟!.
- نشوء تحد بين أندرو شافت الذي يرى أن منطق القوة وامتلاك السلاح هو القادر على معالجة أمور العالم، وبين ابنته الميجور بربارة التي التحقت بجيش الخلاص وترى أن إصلاح النفوس الشريرة والحصول على توبتها وقيامها بالعمل في جيش الخلاص هو السبيل إلى الخروج بالإنسانية من الظلام إلى النور.
وجيش الخلاص هو الاسم الذي أطلقه وليم بوش على الإرسالية المسيحية التي أسسها هو في ايتشابل عام 1865 وأصبح وسيلة وأداة لإحياء الدين، ويهتم بالفقراء والمحتاجين حيث يقيم لهم مراكز للتخفيف عنهم.
والميجور بربارة التي تعمل في هذا الجيش كأبرز عناصره تعتمد على تحصيل القِرش الحلال لتنقذ به الأرواح من الجوع، كما تركز تركيزاً خاصاً على الجانب الروحي، وتغزو النفوس العمياء الغارقة في الخطيئة لتجرها إلى الاعتراف فالتوبة. إنها مرتاحة روحيًّا للعمل الذي تقوم به، وضميرها مطمئن تماماً لأنها اختارت عملها ذاك، وقد تمكنت من تخليص أرواح مذنبين كثيرين، بعضهم من المجرمين، عن طريق التوبة وإعلان الانضمام إلى جيش الخلاص.
التحدي الذي أشرت إلى أنه نشأ يبن بربارة وأبيها يضعهما في موقعين أو موقفين متضادين، حيث يعتبرها ضالة تسير في طريق غير ملائمة، وتعتبره هي ضالاً يحتاج إلى الخلاص مما هو فيه، وكل منهما يعتقد أن طريقه هي الطريق الحقيقية المثلى لخلاص العالم.
تطلب بربارة من والدها أن يزور معها دار الجيش، جيش الخلاص، في أحد الأحياء، ويرى التائبين هناك وكيف يتوصلون معهم إلى الاعتراف، وكيف يعاملونهم.. فيوافق على أن تقوم هي بعد ذلك بزيارة معامل السلاح حيث يعمل هو.
في دار جيش الخلاص يشاهد أندروشافت مجموعة من حالات البؤس، كما يشاهد تصرفات أحد الخارجين على القانون ممن دفعتهم الحاجة والفقر إلى ممارسة ألوان من القسوة على الناس، ويقف أيضاً على أخبار جيش الخلاص وكيف يعاني أتباعه الأمرين في تحصيل القروش البسيطة اللازمة لإطعام البائسين، وكيف يحصل على التبرعات نتيجة عرض مجموعة المعترفين أمام الناس ليدلوا باعترافاتهم وليعلنوا التوبة.. الأمر الذي يثير الحماسة ويجعل المتفرجين يتبرعون لجيش الخلاص الذي يقوم بهذه المهام العظيمة.
في موقف خاص في الدار يعرف أندروشافت رئيسة الجيش أو المسؤولة التي تأتي ابنته بربارة بعدها في المسؤولية، ويعرف منها أن الأوضاع المادية سيئة جداً في الجيش، وأنها قد حصلت على تبرع مقداره خمسة آلاف جنيه أسترليني من صاحب أكبر تجارة للخمور في لندن، ولكنه تبرع مشروط بوجود متبرع آخر أو عدد من المتبرعين يدفعون مبلغاً مساوياً، وأمام دهشة بربارة التي تستغرب أن يقبل جيش الخلاص نقوداً ملوثة هي نقود أكبر تاجر خمور في لندن تقبل رئيسة الجيش تبرع أندروشافت بالآلاف الخمسة المطلوبة، ويرفض هو أن يعلن عن اسمه، ويسير مع رئيسة الجيش في الشوارع إلى الكنيسة كأكبر صانع خير ومالك قلب رحيم ومنقذ للفقراء والمساكين.؟!
إنها المفارقات التي تجعل بربارة تصاب في الصميم فتنسحب من جيش الخلاص لأنها لا تعرف كيف يمكن أن تستخدم القِرش الملوث لإنقاذ الروح الملوثة، ولا ترى أنه من الممكن شراء النقاء والأخلاق والتطهر بالنقود كما يفعل تاجر الخمور، وتاجر السلاح أبوها.
في أثناء زيارة أفراد الأسرة إلى معامل أندروشافت يرون مدينة منظمة نظيفة تسيطر عليها قبضة حديدية لا يظهر من وحشيتها شيء على الإطلاق. إنها تصل إلى تأمين سير العمل وتحقيق غاياتها عن طريق خلق التمايز والمحافظة عليه، وعن طريق تسليم الأمر إلى الأشخاص حسب تسلسل المراتب والكفاءات بدقة متناهية، وإسناد أمر المحاسبة إلى الأشخاص المسؤولين أنفسهم الذين ينفذون ذلك على أكمل وجه، وتعود الأرباح الضخمة إلى جيوب المالكين من دون أن يضطروا إلى مقاومة أحد. إن معامل أندروشافت تؤمن للعمال أفضل حياة بسعر معتدل جداً، وتبقى مالكة لأرواحهم وقدراتهم وإنتاجهم ومصائرهم.
وخلال الزيارة يعرض أندروشافت فلسفته التي تتلخص بقوله: «الفقر أبشع الجرائم، فكل الجرائم الأخرى تعتبر فضائل بجانب هذه الجريمة. إن الأعمال المخلة بالشرف تعتبر شهامة بجانب الفقر، فالفقر يقضي على مدن بأكملها، وينشر الأوبئة المروعة، ويميت أرواح كل من يكون على مرأى ومسمع منه. إن ما تسميه جريمة ليس شيئاً.. قتل هنا وسرقة هناك، طعنة هنا ولعنة هناك: ما قيمة هذه الأشياء؟‍! إنها ليست إلا حوادث الحياة وشرورها. وليس في لندن بأسرها خمسون مجرماً محترفاً حقاً. ولكن هناك ملايين من الفقراء البائسين القذرين الجائعين العارين.. إنهم يسمموننا خلقياً وجسمانياً.. إنهم يقتلون سعادة المجتمع، إنهم يجبروننا على الاستغناء عن حرياتنا ويدفعوننا إلى إيجاد نوع من الغلظة الشاذة خشية أن يثوروا علينا ويجروننا إلى الهاوية التي تردوا فيها. إنه لا يخشى من الجريمة إلا المغفلون ولكنا جميعاً نخشى الفقراء.. تتحدثين باربارا عن الشرير الذي كدت أن تنقذي روحه وتتهمينني بجر روحه ثانية إلى الضياع والخسران. حسناً.. احضريه هنا وسأصحب روحه ثانية إلى الخلاص من أجلك لا بالكلام والأحلام ولكن بمنحه 38 شلناً في الأسبوع وتوفير مسكن صحي له في شوارع لطيفة وإيجاد عمل دائم له».
ويتابع أندروشافت عرض آرائه في موقع آخر من النص فيقول:»إنني أفضل أن أكون لصاً على أن أكون جائعاً معدماً، وأفضل أن أكون قاتلاً على أن أكون عبداً. لا أريد أن أكون أيهما، ولكن إذا ما أجبرتني على الاختيار فبحق السماء سأختار الأشجع والأفضل. إني أكره الفقر والعبودية أكثر من أية جريمة أخرى. واسمحي أن أقول لك: إن الفقر والعبودية قد صمدا لقرون عديدة لخطبك الدينية ومقالاتك الافتتاحية ولكنهما لن يتحملا مدافعي الرشاشة، لا تغطي لهما ولا تجادلي معهما، اقتليهما فقط.».
إن أندروشافت يختار منطقاً مع الفقر والبؤس، فما هو ذلك المنطق؟ إنه إتاحة فرص بصرف النظر عن البضاعة. إنه يضع بين أيدي الجميع أسلحة يبيعها لمن يملك ثمنها، ويتيح أمام الجميع حرية استخدام القوة للوصول إلى «الحق» أو ما يرى أنه الحق، ويرى أن القضاء على الفقر أحق من القضاء على الإجرام، ولا يكون ذلك إلا بإتاحة فرص العمل وتقديم ما يكفي من ضمانات للقضاء على الفقر الذي يهدد العاطل عن العمل. بهذه الآراء يفلح أندروشافت في إقناع خطيب ابنته بربارة بالانضمام إلى جانبه، ومن ثم بالاعتراف بأنه لقيط هو الآخر، ويوافق على أن يصبح هو الوريث.
المفاجأة هي تحول بربارة إلى صف امتلاك القوة والوقوف إلى جانب خطيبها ومنطق والدها بعد أن كانت ترفض ذلك رفضاً تاماً. إنها تقبل الزواج من خطيبها اللقيط بعد أن اختار، وتنسجم مع رغبة والدها ومع طموح أمها التي كانت تريد امتلاك ثروة الأب ومعامله والسيطرة عليها بأي ثمن، فهذا الخيار يحقق الهدف.
ولكن كيف يمكن أن تتصرف بربارة، زوجة صاحب مصانع أندرو شافت في المستقبل؟ لا أحد يتنبأ مسبقاً ولكن المؤشرات تؤكد أنها آمنت بنهج والدها.
في المسرحية عرض دقيق لوجهات نظر جريئة متضاربة بل متصادمة، وينجح برناردشو في عرض أفكاره من خلال حوار يثير في قارئه صدمة المفاجأة ويجبره على النظر من زاوية المؤلف ومناقشة أفكاره بجدية إن لم يكن قبولها والإقبال على بسخرية لاذعة لكنها لا ترجح حلاً للمعضلة الأساس. إن برنارد شو يعرض باستمرار وجهة النظر غير المتوقعة، ولكنها وجهة نظر تكون على الأغلب مقبولة أيضاً ولو في إطار موضوع حيوي للنقاش.. لا سيما في مواقف
شخصيات رئيسة متميزة مثل أندرو شافت ـ وابنته وبربارة – وخطيبها بل ووكر.
وبعد هذه المقاربة من خلال نص شو وما يخفيه وراء السخرية المُرة، ما الذي يمكن أن نختاره، أو نرجحه نهجاً لمخرج مما نحن فيه، أو نقرره سبباً لما نحن السوريين فيه.. ولما يجري في «سوريا المختبر الدولي؟!» الذي تجري فيه أفظع مذبحة لبلد وشعب وقيم وحقائق منذ أربعة وأربعين شهراً، من دون أن يشعر «الضمير العالمي المسؤول»؟! بضرورة وضع حد لها احتراماً للإنسان بوصفه قيمة، بصرف النظر عن جنسه ولونه ودينه ووطنه؟! أظن أن السؤال سيبقى معلقاً في الفضاء السوري والعربي والإقليمي والإسلامي والدولي إلى مدى غير محدد، حتى الآن على الأقل.. فاحتضنوا يا أطفال وطني الأعزاء ويا أبناءه المكتوين بالفقر والقهر والبؤس والظلم والحرب والإرهاب والرعب.. إلخ، احتضنوا قيمكم بصبر، وضموا امالكم بأمل حتى لا تموت الأخلاق والقيم وروح العمل والتفاؤل لديكم، ولتشرق في عيونكم كل يوم شمس تعدكم بالعودة إلى وطن يحتضنكم بحب كما احتضنتموه بصبر وأنتم في الرمق الأخير، يلفحكم الزمهرير في الشتاء ويشويكم الهجير في الصيف، وتقتلكم الغربة في كل لحظة، ويلاحقكم الخوف في الوطن وعلى الوطن..
والله غالب على أمره.

إلى الأعلى