الأحد 17 يناير 2021 م - ٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الذاكرة الحضارية العمانية حصن الوطن وحضن المواطن

في العمق: الذاكرة الحضارية العمانية حصن الوطن وحضن المواطن

د. رجب بن علي العويسي

يشكل الإرث الحضاري والتاريخي والرصيد القيمي والأخلاقي للمجتمعات مرتكزا أساسيا في بناء الأوطان وصون مبادئها وقيمها وثوابتها واستحقاقاتها، ومصدر إلهام للأجيال القادمة في جعله نبراسا يضيء طريقها، ويوجه بوصلة أدائها، ويضبط مسارها، ويعزز فيها روح الولاء والانتماء والمسؤولية، ويبني فيها حصنا منيعا يقيها من حالة التبعثر والتشتت الفكري والاختلاف المؤدي إلى التنازع والشقاق، إذ إن هذ الرصيد الواسع في تعدد مفرداته وتنوع مساقاته وتكامل حلقاته وانسجام عناصره ومكوناته، وامتلاكه الأدوات الصحيحة والأساليب الفاعلة والثقافة الواعية والبرامج المؤطرة قادر إن وجد الإرادة النافذة والعزيمة القوية والثقة التي تدفع الجميع إلى العطاء بلا توقف والعمل بلا انتظار؛ توفير بناء فكري رصين تنهل منه الأجيال مدد العطاء وطريق التقدم، وتغترف من ينابيع فيضه ومسارات نجاحه وجوانب تفوقه وتفرده وتميزه؛ قوة دافعة تعطي ولا تمنع، تتقدم ولا تتراجع، تنافس ولا تتأخر، تنتج وتبتكر ولا تنتظر الآخرين، وأيّ أمه تصنع من تاريخها وأمجادها الحضارية وبطولاتها الماجدة منطلقا يرسم مستقبلها ويبني عزتها وكرامتها، ستكون قادرة على استلهام محطات العطاء والإنجاز وتعزيز القدرات وصناعة القدوات وبناء الثقة في ذات إنسانها، ويصبح الرصيد الثقافي والحضاري منظومة متكاملة من الفرص والممكنات والقيم والأخلاقيات والمبادئ والموجهات والاستراتيجيات والخطط والرؤى والمشروعات والمنتج الفكري المنظور وغير المنظور والمادي وغير المادي تسهم في توفير الحلول و البدائل للمشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والتعليمية التي يواجهها المجتمع.
ولمّا كانت عمان بلد التراث والثقافة والحضارة والتأريخ والعلم والعلماء، فقد شكل إرثها الحضاري والتاريخي والثقافي والإنساني الممتد لقرون طويلة في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والقيمية وبناء الدولة وصناعة الإنسان ونشر قيم التسامح والسلام وإنتاج الموروث الثقافي المادي وغير المادي، وبما ضمته المفردة الثقافية العمانية من مبادئ وقيم وأخلاقيات وإنتاجات متفردة، ورموز وإنجازات وتوجهات؛ رصيدا ثريا في عمقه واتساعه وتناغم حلقاته وتفاعل أطره، فقد أعطاها ذلك مساحة أكبر من التفرد في الهوية والخصوصية الوطنية التي انعكست على كل مجالات الحياة اليومية للإنسان العماني وعلى مسار بناء الدولة ووضوح مسلكها السياسي والدبلوماسي وعلاقات التعاون الخارجي، وكذلك على المسار التنموي الداخلي حيث عزز من مكونات بناء الدولة العمانية المعاصرة ورسم معالم تقدمها وتطورها في توازن بين توظيف الماضي والتراث والتجديد والتطوير فيه وعصرنته، وإعادة إنتاجه لبناء دولة عصرية تمتلك موازين القوة وعناصر الإنتاج وتتكيف مع معطيات بناء المستقبل ومعايير التفوق العالم، وهو النهج الذي رسمه سلطان عمان الراحل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ وأصبح شاهد إثبات على أصالة الإرث الحضاري العماني وعمقه وكفاءته وأمانته التاريخية ومصداقيته وثباته في مواجهة التحديات وعوامل التغيير.
لقد أدركت السلطنة وعلى مدى العقود الخمسة الماضية القيمة المضافة لهذا الإرث الحضاري في بناء عمان المستقبل، وشكلت المآثر الخالدة لجلالة السلطان الراحل محطة انطلاقة متجددة لبناء عمان استلهمت من عبق الماضي العريق والحاضر الزاهر ورؤيتها للمستقبل المشرق لعمان، محطات تناغم صنعت لعمان مددا فكريا وإنتاجا إنسانيا عظيما، ارتبط بحياة الإنسان العماني وانعكس على شخصيته وأصبح صفة ملازمة له تعبّر عن مواطنته وهويته وولائه وانتمائه وتعكس السيرة المحمودة التي سار عليها العمانيون في مختلف الحقب والتزمها سلاطينها في اتصال مستمر مع حضارات العالم وشعوبه أكسبت عمان القوة والتقدير والاحترام، وحمل العمانيون معهم هذه الرسالة الإنسانية والحضارية في تسامحها وقوتها وصلابتها وتفوقها وعظمتها في نشر رسالة الإسلام معززة بقيم التسامح والسلام والتعايش والتعددية والوئام والحوار والتطوير والتنمية والتمكين الاقتصادي وفتح الموانئ في المناطق التي كانت تحت إدارتهم في زنجبار وغيرها من المناطق التي أسسوا فيها قلاع أمن وحصون سلام واطمئنان لعمان والمنطقة والعالم في جنوب شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا والصين وغيرها.
وبالتالي القيمة المتحققة من ربط هذا الإرث الحضاري المتنوع في حياة الأجيال متخذة من الأعياد والمناسبات الوطنية محطة في استعادة الأنفاس واستراحة للتأمل والبحث والاستقراء، وإعادة تهيئة الذات والوقوف على مواطن القوة وأدوات تغيير سيناريوهات العمل لانطلاقة متواصلة للمستقبل، إذ عندما يقوى مضمون هذا الإرث في فقه الأجيال وتتشربه عقولهم وينسل إلى وجدانهم ويتأصل في ممارساتهم يصبح مساحة أمان لهم يعصمهم من الانزلاق في عالم مضطرب وظروف متغيرة، لتؤدي عملية إنتاج هذا الإرث وتجديده إلى أن يكون عونا للأجيال القادمة في قدرتها على التعاطي مع تزايد هذه التحديات، وفتح نوافذ الأمل لهم بقراءة متجددة يحملها هذا الإرث بين سطوره وزواياه وفي أعمدته ومحتواه يجدد فيه الشباب عزيمة الإرادة ويصنع فيها الفارق، خصوصا في ظل ما يعايشه الشباب اليوم من متغيرات وتناقضات وأفكار وظروف باتت تؤثر في بناء شخصيته وتسهم في صقل حياته وتؤثر فيه ويتأثر بها، وما فرضه العالم الكوني المفتوح ومنصات التواصل الاجتماعي من انتشار المعرفة وتداولها واتساع مساحة الاتصال والتواصل بين البشر، وتعريض الشباب للكثير من العادات والثقافات والأفكار المتغايرة والتوجهات السلبية والمدارس الفكرية المتعددة، إن لم يمتلك رصيدا حضاريا فكريا وقيميا ومهنيا ومجتمعيا متوازنا يمكِّنه من خلالها التعامل مع هذه المتناقضات وتصحيح هذه الأفكار، ويصنع من الذاكرة الحضارية لمجتمعه المؤصلة للفكر المتوازن ومبادئ التسامح والتعايش وتعزيز فقه التعددية والوئام وتغذيتها بهرمون القيم والمبادئ والثوابت، أو لم يتمكن من التكيف معها والتعاطي مع تأثيرها؛ عندها يصبح رهين هذه المنصات تقوده إلى حيث شاءت وتوجهه حيثما تريد، متأثرا بما يُطرح فيها من أفكار أو يُثار من قضايا قد تشوه صورة وطنه ومبادئه وأخلاقه ودينه، فإن قدرة هذا الإرث الحضاري والرصيد القيمي إن أُحسن التثمير فيه ووجه إلى الشباب بطريقة سلسة تتناغم مع طبيعة المرحلة العمرية وتتوافق مع موجهات المرحلة الانتقالية التي يعيشها المجتمع، وتتوافق مع تطلعات الشباب العماني وأفكاره وطموحاته وقناعاته، سوف يكون لها مردودها الإيجابي في صقل خبراته، وتمكينه من التحاور مع العالم الذي يعيشه، سواء عالم البشر أو التقنية والفضاءات المفتوحة وما تحمله من صفحات وهمية أو أجندة خفية.
وعليه، فإن قدرة الذاكرة الحضارية على استدامة بقائها في فكر الأجيال وفقههم وسلوكهم وممارساتهم وعاداتهم وتقاليدهم يرتبط بمدى كفاءة وفاعلية الأدوات والآليات المستخدمة في إيصال الصورة الإيجابية المشرقة لهذا الإرث الحضاري في حياة المواطن؛ كونه يعمل على صناعة الإنسان الواعي بما حوله، المدرك لكل محطات التغيير، والقادر على رسم علامة فارقة تظهر في سلوكه وتعامله مع المواقف، وهنا تظهر إنتاجية هذا الإرث وقدرته على صناعة التحول وتحقيق الفارق، وإنتاج مواطن مساهم في وطنه، واعٍ بما حوله، مدرك لمسؤولياته وواجباته، محافظ على منجزات وطنه، مستلهما من فكر الآباء النابض بالإخلاص والإنتاجية والكفاح والعطاء والإنجاز منطلقا له لرسم علامة مضيئة في حياته، وفاء للسلف وتقدير لمنجزهم وتعظيما للنماذج الإيجابية والقدوات التي صنعت للوطن القوة ومكنته من مواجهة التحديات والتعاطي مع مختلف الظروف والأزمات، فإن ما تحمله الذاكرة الحضارية العمانية من معالم التكاتف والتعاون والأخوة والتعايش والتسامح والروح المعنوية العالية والسلام الداخلي بين العمانيين ومع الآخر كل ذلك سوف يضمن قدرتهم على مواجهة التحديات والتعايش مع المتغيرات بروح إيجابية مجددين العزم على تقديم الغالي والنفيس في سبيل تقدم وطنهم وتطوره وازدهاره. لذلك فهي تجديد للشخصية العمانية وإعادة إنتاجها في عالم مضطرب، وربطها بتاريخ عمان وتراثها وأخلاق العمانيين ودينهم وعقيدتهم، كونها الطريق السليم لبناء القوة في الأجيال واعتزازهم وفخرهم بتاريخهم وتجسيدهم هذه المواقف والأحداث في واقع حياتهم، وتصبح الذاكرة الحضارية بمثابة الحصن المنيع للوطن الذي يحفظ له كيانه وقواعده وثوابته وموجهات وأصوله ومبادئه وتاريخه وحضارته وما يعيشه من تطور وتقدم في مختلف المجالات، وفي الوقت نفسه حضن للمواطن في احتوائه والاستماع إليه واستيعاب أفكاره وطموحاته وإعادة إنتاج واقعه بشكل يتناغم مع التطلعات ويحفظ له ممكنات البقاء وموجهات التفرد والنمو.
وإذ كان لنا أن نتحدث عن الإرث الحضاري ودوره في صناعة القوة وإعادة إنتاج الممارسة بشكل يضمن قدرتها على التناغم مع المعايير المرسومة وتحقيق المواطنة والهوية وبناء الشخصية؛ فإن الإرث الحضاري العماني في كل الحقب التاريخية والإنسانية والعقود الخمسة الأخيرة؛ قد حمل الكثير من المحطات في بناء الدولة وصناعة الإنسان، وبناء برامج التنمية، وإدارة معطيات الواقع العالمي والتعاون الدولي والعلاقات الدولية وغيرها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والدينية والشبابية والثقافية، لتأتي متناغمة مع ما احتوته هذه الذاكرة من مبادئ وثوابت وأسس ومنطلقات وفلسفة عمل ومنهجيات أداء وأدوات بناء وخطط واستراتيجيات عملت على توظيف هذا الإرث الحضاري في صناعة مستقبل هذه الوطن، هذا في الوقت الذي شكلت فيها هذه الذاكرة بكل ما اختزنته وأفصحت عنه، مسارا حضاريا أصيلا لا يتأثر بالظروف ولا يحيد عن مبادئه بحسب الحالة؛ بل يتسم بالثبات والمرونة والمصداقية، ذلك أنه يسعى إلى كل ما من شأنه المحافظة على كرامة المواطن وعزة الإنسان وحقوقه واستقرار الوطن وأمنه وتعزيز الوئام والتسامح والتعددية والمؤتلف الإنساني والمشترك القيمي، إنه إرث يتناغم مع الفطرة ويتجاوز كل مشوهات الإنجاز أو تدخلات البشر، ولذلك ظلت عمان في ظل هذا الإرث الحضاري الزاخر بالمبادئ العالمية والإنسانية والأخلاق والقيم الدينية على مساحة من التواصل والتناغم مع كل المتناقضات الدولية، وانخرط أبناء المجتمع العماني جميعهم بطوائفهم وفئاتهم في خدمة عمان بدون استثناء، فقد ضمنت هذه الذاكرة تفوق مبادئ الوحدة الوطنية ووحدة الصف والتعايش والسلام الداخلي مع الذات ومع الآخر وأصبح الولاء لله والوطن والسلطان، واتسمت التنمية بالتكاملية والشمول لكل قرى عمان ومدنها، ووجه الخطاب الوطني لكل فئات المجتمع بدون استثناء، ولقد جسد ذلك كله النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (101/96) الذي حدد معالم بناء الدولة وهويتها ودينها ولغتها ونظام الحكم فيه وواجبات السلطان وحقوقه وأركان الدولة ومجالسها ومؤسساتها، كما حدد المبادئ التي تنطلق منها الدولة، الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأمنية والعلاقات الدولية والحقوق والواجبات والمسؤوليات، والحريات، وحدد اختصاصات السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومنظومة القوانين والتشريعات التي حفظت هذه التفاصيل ورعتها، وحافظت على كفاءتها وإنجازها واستدامتها، وبالتالي ما جسّده هذا التحول في هذه الإرث الحضاري العماني من تجدد وعصرنة ومرونة وديناميكية ومساحات أكبر للتواصل والتكامل والاندماج وروح المسؤولية، حياة متجددة ونهجا يستنبط منه أبناء عمان أجندة البناء القادمة ومنهجيات العمل المتواصلة.
أخيرا، فإن ما يطرحه الواقع حول الممكنات التي يجب أن تضعها المؤسسات والقطاعات في سبيل المحافظة على استدامة هذا الإرث الحضاري ليس في نقله للأجيال القادمة فحسب، بل في قدرته على إنتاج الواقع المتجدد في ظل رؤية عمان 2040، فإن ما يحمله هذا الإرث من مفردات وتعابير ومفاهيم وقيم وأخلاقيات ومبادئ وموجهات تتسم بالتجدد والعالمية والمرونة والتوازن، قادر على ضمان هذا التناغم بين مختلف الحقب التاريخية في عمان، فتبدأ المرحلة الثانية من حيث انتهت الحقبة الأولى في اتصال مستمر وتكامل يسعى إلى استقرار هذا الوطن، وتجسيد هذه المبادئ في فكر الأجيال القادمة، فيحملون مع طموحاتهم قيم المجتمع وأخلاقياته ومنهج القيادة وروح المسؤولية وحسن التعامل وإدارة المواقف، ومسارات المراجعة والتصحيح والتقييم لكل مراحل الإنتاج وآليات العمل وأدواته، وهو الدور الذي يجب على التعليم والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والأسرة والمواطن ومجتمع الشباب أن يكونوا على وعي به وإدراك لمتطلباته وفهم لمعطياته وحرص على تحقيق التزام يمشي على الأرض، وعبر احتواء الشباب واحتضانهم وتقريب مفاهيم التراث المادي وغير المادي لهم، وتصحيح المغلوط منها لديهم حول التراث والتاريخ والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها، لتقترب من واقع حياة المواطن وتتجسد في شخصيته باعتبارها مبادئ حاكمة حافظة لقيمه وأخلاقياته، ومشاركة في بناء شخصيته في عالم متغير وظروف صعبة، فإن القدرة على إعادة هندسة التعاطي مع هذا الإرث وتيسير تدريسه وإيصاله في ثقافة الأجيال؛ سوف يضمن لهذه الذاكرة الحضارية حضورا نوعيا في فقه المجتمع وثقافة أبناء الوطن، ليظل المواطن العماني متفرد بشخصيته، معروف بفكره ومواقفه وأطروحاته، مُدرَك بأخلاقياته في عالم مضطرب.

إلى الأعلى