الأحد 17 يناير 2021 م - ٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / المحليات / «الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: الإكراه على الدعارة
«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: الإكراه على الدعارة

«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: الإكراه على الدعارة

مُساعد المدعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي

أولا: كلمة الإبتداء:
نعلم جميعًا أن البشرية خاضت صراعًا مريرًا ومؤلمًا من أجلِ القضاء على تجارة العبيد. وعلى الرّغم من رسوخ العداء لأشكال العبودية والرق، بشكلِها التاريخيّ الفَج، حيث كان الإنسان يُباع ويُتداول كسلعة، ورسوخ قاعدة آمرة في القانون الدولي العام، تُجرم تجارة العبيد على مستوى العالم؛ ومع ذلك، فلا يمكن الجزم يقينًا بأن كوكبنا قد تخلص تمامًا من هذا الإرث اللا أخلاقى.

فقد ظهرت أشكالٌ وصور أخرى من الاستعباد والاسترقاق، تجاوزت التقليدية منها، وهي عصية على الحصر، فبتنا نسمع، بل ونرى كثيرًا من البشر تُستغل حاجتهم للمادة، فيدفعون مجبورين مقهورين إلى بيع أعضائهم البشرية، مقابل سعرٍ زهيد؛ ونرى أطفالاً يزجّون في النزاعات المسلّحة، أو في المظاهرات الاحتجاجية، ويضعون في الصدارة، هم والنساء، كدروعٍ بشرية؛ أو يُستغلون في القيام بأعمالٍ إجرامية؛ ناهيك عن إجبار النساء والفتيات على ممارسة الدعارة، للتربّح منهنّ؛ واستغلال الغير في أعمال التسوّل، وفي الخدمات القسرية، والعمل الجبري، والاتجار بالأطفال لأغراض التبني، أو لاقتراف جرائم ضد الإنسانية.

هذه الأشكال الحديثة للعبودية بحاجة لجُهودٍ خاصة، وحثيثة، ومُضنية أحيانًا لاستظهارها، إذ قد لا تبدو عليها ظاهريًا الطابع الجرمي؛ وعلى العكس من ذلك، تبدو كما لو كانت أفعالًا إرادية.
فجريمة الإكراه على الدعارة، أو ما تعرف استغلال دعارة الغير، وهي محل القضية الماثلة، قد تفسرها عين المراقب، غير المتمرس، أنها دعارة اختيارية طوعية، وبالتالي يلاحق مرتكبها بمقتضى قانون الجزاء، بينما هي في حقيقتها دعارة قسرية، تستوجب معها التعامل مع أطرافها بمقتضى قانون مكافحة الاتجار بالبشر، الذي يفرض الشدّة مع من يستغل دعارة الغير؛ وفي المقابل، يفرض مبدأ عدم التجريم مع من يقع ضحية هذا الاستغلال.

ثانيا ـ البلاغ والإجراءات:
في غضون عام 2016م، تلقى المركز المختص مَكانيًا بلاغًا من المجني (ر. ب)، آسيوية الجنسية، مُفيدةً في بلاغِها عن تعرُّضها للاختطاف والمواقعةِ الجنسية دون رضاها، وأيضًا للسرقةِ من قبل شخصين؛ وذلك بعد أن تظاهرا أمامها بأنهما من رجال الأمن، فما كان لها أن ترفض الركوب معهما، بعد أن أمراها بذلك.

فور تلقي البلاغ، انتقل رجال الضبط القضائي، إلى مسرح الجريمة، للمُعاينةِ واتخاذ ما يلزم من استدلالاتٍ مبدئية؛ وذلك، تمهيدًا للجلوس مع المجني عليها لتدوين تفصيلات دعواها.

ثالثا ـ إجراءات جمع الاستدلالات:
استخلص رجال الضبط القضائي، من خلال الاستماع إلى أقوال المجني عليها، التالي بيانه: أثناء تجوال المتهمين بسيارتهما في أحدِ الأسواق، اشتبها في أمرِ إحدى الأجنبيات (من جنوب شرق آسيا)، فاستوقفاها، وأمراها بإبراز بطاقة المقيم الخاصة بها، بعد أن زعما أنهما يعملان في جهةٍ أمنية.

ولكون المجني عليها كانت تعمل خارج نطاق كفيلها، لهروبها من منزله، وكانت بطاقتها مُنتهية الصّلاحية؛ شرعت في الهرب، فتمكَّن المتهمان من ضبطها فورًا، وأركباها معهما في السيارة، مُتظاهرين أنهما من رجالات إنفاذ القانون، وأن الوضع يقتضي الوصول إلى أقرب مركزٍ للشرطة، لمباشرة الإجراءات القانونية بحقها. توسّلت إليهما أن يعفوا عنها، نظرًا لحاجتها الماسة للعمل وللمادة، فأخذاها، بدلاً من ذلك، إلى أحد الفنادق الصغيرة، وقالا لها بأن إخلاء السبيل سيكلفها أن تسلمهما نفسها لمواقعتها جنسيًا؛ فوافقت على ذلك، بشرط ألا يأذونها؛ فتعاقبا على مُمارسة الجنس معها؛ ثم باعاها إلى شخصٍ ثالثٍ (آسيوي) في إحدى المزارع؛ الذي بدوره شغلها في الدعارة؛ حيث كان يتعاقب عليها في اليوم الواحد قرابة الأحدَ عشر زبونًا؛ واستمرت كذلك لبضعة أيام، إلى أن تمكَّنت من تسلُّق سور المزرعة، وطلبت النجدة من أهل المزرعةِ المجاورة.

تمكّن رجال الضبطية القضائية من ضبط المتهم الثالث، الذي أجبر المجني عليها على مُمارسة الدعارة، في المزرعة التي يعمل فيها؛ وهو بدوره زوّدَ رجال الضبط برقميّ هاتفيّ المتهمين الأول والثاني، الذين استصدروا أمرًا من الادِّعاء العام بإلقاء القبض عليهما؛ فأسفرت المراقبة الفنية على تحديد موقعهما، وضبطهما في اليوم التالي؛ وتمكَّنت المجني عليها من التعرف عليهم، كلٍ على حدة، في طابور التشخيص.

رابعا ـ تحقيقات الادِّعاء العام:
جاءت أقوال المجني عليها مُتفقة، من حيث المضمون، وما أدلت به أمام الضبطية القضائية، وأضافت على ذلك بالقول، أن المتهمين الأول والثاني، لم تستطع مقاومتهما لاعتقادها أنهما من رجال الأمن، وأنها أخذت تتوسل إليهما بألا يسلماها إلى الشرطة لحاجتها إلى البقاء في السلطنة، لجني المال لأجل رعاية أسرتها في موطنها. وأضافت أنهما، استوليا على هاتفها النقال، وبعض المبالغ المالية التي كانت معها، وقرطًا ذهبيًا كانت ترتديه، وذلك بعد الفراغ من مواقعتها. وأوضحت بأنهما باعاها للمتهم الثالث بمبلغٍ وقدره مائتي ريال.

وبإخضاع هاتفي المتهمين الأول والثاني للفحص الفني، بناء على أمرٍ قضائي لذلك، ثبت وجود اتصالات مُتبادلة بين المتهمين الثلاثة، في يوم وقوع الجريمة. كما أكّدَ الشاهد الذي ضُبط لديه الهاتف الذكي الخاص بالمجني عليه، بأنه اشتراه من المتهم الأول، بعد وقوع الجريمة بيومٍ واحدٍ فقط.

هذا، وبمواجهة المتهمين الأول والثاني، بالأدلة القائمة ضدّهما، اعترفا تفصيلا بما يتوافق وما جاء أقوال المجني عليها.

خامسا ـ قرار الادعاء العام:
بعد الانتهاء من التحقيقات، قرَّر الادِّعاء العام إحالة المتهمين الأول والثاني إلى محكمة الجنايات لاقترافهما جناية مُواقعة أنثى بدون رضاها، وانتحال صفة موظف عام، والاتجار بالبشر، لبيعهما الضحية للمتهم الثالث؛ كما قدَّم المتهم الثالث بجناية الاتجار بالبشر، بأن دفع الضحية للعمل في الدعارة، مُستغلا بذلك قلة حيلتها، كون إقامتها غير مشروعة، ولعملها في البلاد بطريقةٍ غيرِ مشروعة.

سادسا ـ أمام محكمة الجنايات:
نُظرت القضية في جلساتٍ عِدّة، ترافع خلالها الادِّعاء العام بدايةً، كما استعرض قائمة بأدلة الثبوت؛ ثم استمعت المحكمة إلى أقوال المتهمين، كلٍ على حِدة، قبل إتاحة الفرصة لوكلاء الدفاع، الذين ناقشوا الشهود وكذا الخبراء، بحريةٍ تامة، تحقيقًا لرسالتهم المقدسةِ في الدفاع؛ إيمانًا من المحكمة بأن الأصل في الانسانِ البراءة، وعلى من يَدّعي العكس، يقع على عاتقِه عِبء الإثبات.

هذا، وبعد أن اطمأنّت المحكمة إلى أدلة الثبوت، وارتسمت في وجدانها صورة ذهنية واضحة المعالم، استخلصتها من حيثيات الواقعة ومخرجات التحقيقات، مُؤدّاها، وفقما جاء بقرار الإحالة، أن المتهمين جميعًا: استغلوا حالة استضعاف المجني عليها (ر. ب)، كونها هاربة من كفيلها، وذلك بأن أوهمها الأول والثاني بأنهما من رجال الأمن، وأجبراها على الركوب معهما، بعد أن أوهماها بأنهما سيسلمانها إلى الشرطة، فتوجها بها إلى أحد الفنادق التي لا تلقي بالًا للتدابير الأمنية المتصلة باستقبال النزلاء؛ وأجبراها هناك على الممارسة الجنسية معهما، ثم باعاها إلى المتهم الثالث الذي واقعها جنسيًا، ثم أجبرها على مُمارسة الدّعارة، تحت وطأة التهديد بتسليمها للشرطة، لمخالفتها قانون إقامة الأجانب، وقانون العمل.

كما اقتنعت المحكمة أيضًا بأن المتهمين الأول والثاني سرقا من المجني عليها المنقولات الموضحة وصفًا وقيمة في التحقيقات.

سابعاً ـ الحكم:
ومن هذا المنطلق، قرَّرت المحكمة إدانة المتهمين بجناية الاتجار بالبشر، بالمخالفة للمادة (9/ج)، كون الجريمة ارتكبت من أكثرِ من شخص؛ وقضت بسجن كل منهم لمدة سبع سنوات، والغرامة عشرة آلاف ريال؛ وبطرد المتهم الثالث من البلاد مؤبدًا، كما قضت بإدانة المتهمين الأول والثاني بالسرقة، ومعاقبتهما بالسّجن لمدة ستة أشهر، والغرامة مائة ريال، على أن تدغم العقوبات بحق المتهمين الأول والثاني، ويطبق العقوبة الأشد.

ثامناً ـ إطلالة على مفهوم الاتجار بالبشر:
يُستفاد من المادة (2) من قانون مكافحة الاتجار الآتي: أن الشَّخصَ يُعدُّ مُقترفًا لجريمة الاتجار بالبشر إذا ارتكب فِعلاً من الأفعال الأربعة التالية:(استخدم شخصًا، أو نقله، أو آواه، أو استقبله). ولكن، هذه الأفعال بحد ذاتها هي أفعال مُباحة؛ ومن الطبيعي، والحال كذلك، ألا تستقيم جريمة الاتجار بالبشر لمجرد اقتراف فعلٍ من هذه الأفعال الأربعة. وعليه، يوضح لنا المشرع، أن استقامة الجريمة تتطلب اقتراف تلك الأفعال، مُجتمعة أو مُتفرِّقة، بوسيلةٍ من الوسائل الثمانية، التي أوردها في القانون، على سبيل المثال، لا الحصر، وهي:(الإكراه، أو التهديد، أو الحيلة، أو باستغلال الوظيفة، أو النفوذ، أو باستغلال حالة استضعاف، أو باستعمال سلطة ما على ذلك الشخص)؛ وبغرض استغلال الضحية في أعمال الدعارة، أو أيّ شكلٍ من أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة، أو العمل القسري، أو الاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو النزع غير المشروع للأعضاء، بمعنى أن جرائم الاتجار بالبشر، إنما هي من تلك الجرائم التي تطلب فيها المشرع تحقّق قصد جنائيّ خاص، إلى جانب القصد الجنائي العام.

وفي القضية الماثلة، وجدنا استخدم المتهمون الثلاثة حالة استضعاف المجني عليها، لإخضاعها لرغباتهم الدنيئة، أي: أن الفعل تحقق بنقل الضحية، من مكانٍ إلى آخر؛ وأن الوسيلة التي استخدمها الجناة في تحقيق فعل النقل، هي استغلال حالة الضعف والوهان التي كانت عليها؛ وغرضهم من ذلك، كان لاستغلالها جنسيًا.

وحيث أكّدت التحقيقات أن المجني عليها لم تمارس الدعارة مُختارةً؛ وإنما أُجبرت على مُمارستها رغمًا عنها؛ فتكون بذلك ضحية اتجار بالبشر. ومن الخطأ، جُلِّ الخطأ، مُلاحقتها جزائيًا بتهمةِ ممارسة أعمال الدَّعارة، بحجة أنها لم تكن مُقيدة. نُؤكِّدُ، في هذا المقام، أنها تعدّ ضحية اتجارٍ بالبشر، ولو أكَّدت التحريات أنها امرأة بغية؛ بل، ولو ثبت بالقطع واليقين، سبق إدانتها قضائيًا بتهمة الاعتياد على مُمارسة الدعارة. فالثابت، في خصوصية القضية الماثلة، أنها كانت في حالة ضعف، وهي الحالة التي أشار إليها المشرع بـ(حالة استضعاف)، لوجودها المخالف للقانون على إقليم الدولة، ومخالفتها أيضًا لقانون العمل. هذا الوضع المخالف للقانون، لا يسقط عنها الحماية القانونية، إذا ما تعرّضت لأيّ عُدوان. ومن ناحيةٍ أخرى، فالقانون يعدُّها كذلك، دونما الالتفات إلى سيرتها السابقة؛ فالقانون، كما هو معروف، تشيرُ أبجديَّاتُه إلى أن الإنسانَ يُعامَل بتجرُّدٍ. فالسَّاقطات هن بشر في نهاية المطاف، وتتمتع بالحمايةِ القانونيةِ نفسها التي تتمتَّع بها العفيفات، كالحماية من الاستغلال الجنسي، كما هو الحال في خصوصيَّةِ القضية الماثلة.

ما يهمنا الإشارة إليه، في هذا الصَّدد، هو أن المنظور المتقدِّم ذكره، والذي قد يَراهُ البعضُ، خطأً، دفاعًا عن السَّاقطات، لم يكن من مُستحدثات بروتوكول (منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر، وبخاصة النساء والاطفال)، المعروف ببروتوكول (باليرمو)؛ ولا القوانين المنفِّذة له؛ وإنما، ورد في جملةٍ من الصكوك الدولية التي سبقت الصك الماثل؛ بل وورد فيها صراحةً، الجزئية المتعلقة بعدم الاعتداد برضا المجني عليه، المشار إليها في المادة (3) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر.

إلى الأعلى