الأحد 17 يناير 2021 م - ٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الانعكاسات المحتملة لإدارة بايدن على المنطقة
الانعكاسات المحتملة لإدارة بايدن على المنطقة

الانعكاسات المحتملة لإدارة بايدن على المنطقة

خالد الصالحي:
على الرغم من التوجس الكبير الذي ينتاب دول الخليج العربي من تولي بايدن مقاليد الرئاسة في أميركا، خصوصا في الملفات المتعلقة بحقوق الإنسان والموقف من إيران، إلا أنه يمكن توقع بعض الانعكاسات الإيجابية في ملفات أخرى مثلت تحديا حقيقيا لدول الخليج، خصوصا في السنوات الأخيرة، وسوف أستعرض في هذا المقال المختصر ثلاثة من تلك الانعكاسات:
ـ أولا: التعاون والتنسيق العالمي لمكافحة جائحة “كوفيد 19″. من المعروف أن جائحة “كوفيد 19″ مثلت أكبر تحدٍّ حقيقي للاقتصاد العالمي منذ قرن من الزمان؛ فقد أدت هذه الجائحة إلى تعطل الكثير من الأنشطة الاقتصادية، وتسببت في حالة من الركود والانكماش الاقتصادي في أكبر اقتصاد في العالم (أميركا) وارتفعت البطالة إلى معدلات قياسية، وقد تعامل ترامب مع هذه الأزمة بشيء من الاستهتار، ولم تكن لديه خطة واضحة لمكافحة الوباء، ولم يقم بالتنسيق مع حلفائه عبر الأطلسي ولا مع منظمة الصحة العالمية في هذا الإطار، حتى وصل الأمر إلى حد انسحابه من منظمة الصحة العالمية التي كانت تقوم بدور محوري في التنسيق العالمي لمكافحة الوباء. إن موقف ترامب أدى إلى تقويض الجهود في اتجاه احتواء الجائحة حتى ارتفعت معدلات الإصابة والوفيات في أميركا إلى أرقام قياسية ومخيفة، وعلى النقيض من ذلك فإن موقف بايدن يبدو مختلفا؛ فهو حريص على التعامل مع هذه الأزمة بشكل أكثر جدية من أجل السيطرة على الوباء واحتوائه، وقد صرح أكثر من مرة بأن التعامل مع هذا الوباء يشكل أولوية بالنسبة له، وبمجرد فوزه بالانتخابات أعلن عن تشكيل فريق عمل من الخبراء للمساعدة في مكافحة الوباء، ومن المرجح أن يقدم خطة مفصلة في هذا الإطار خلال الأسابيع القادمة، وهو يعتزم تطبيق هذه الخطة بمجرد توليه مقاليد الرئاسة، كما أن بايدن سيسعى إلى إنشاء تحالف دولي لمكافحة الوباء، ومن المحتمل أن تقوم إدارته بالتواصل مع الشركاء الدوليين لتنسيق الجهود وتبادل البيانات والمعلومات وكل المستجدات المتعلقة بمكافحة الوباء. إن هذا الأمر من شأنه أن يطمئن الأسواق، ويبعث على التفاؤل لاحتمالية عودة أكبر اقتصاد عالمي إلى مرحلة التعافي والانطلاق من جديد، وهذا بدوره سينعكس بشكل إيجابي على الأسواق في منطقة الخليج العربي التي عانت الكثير من جراء انتشار هذا الوباء، فقد شهدت أسعار النفط انخفاضات قياسية لم تصل إليها منذ عقدين مضيا، وقد أدى ذلك إلى تفاقم العجوزات في ميزانياتها العامة. إن انجلاء الوباء وعودة الانتعاش الاقتصادي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط واستقرار الأسعار من جديد.
ـ ثانيا: حماية البيئة وتعافي أسعار النفط. لقد ذكر بايدن في عدة مناسبات أنه سيتحول من الاعتماد على صناعة النفط إلى الاعتماد على الطاقة المتجددة، وذكر أيضا أنه سيعود إلى اتفاق باريس للمناخ بمجرد استلامه للرئاسة. ومن المرجح أيضا أن يقوم بتشديد اللوائح المتعلقة بحماية البيئة، فهذا سيؤثر سلبا على الشركات النفطية في أميركا وسيؤدي حتما إلى تخفيض الإنتاج بشكل كبير في أكبر منتج للنفط في العالم. وعلى الرغم من أن هذه السياسة قد تؤثر سلبا على صناعة النفط على المدى البعيد، إلا أن الأسعار ستشهد استقرارا وربما انتعاشا على المدى القريب والمتوسط؛ وذلك نتيجة انخفاض الإنتاج النفطي الأميركي بسبب تلك السياسة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الارتفاع المحتمل للطلب العالمي على النفط مع بداية الانتعاش الاقتصادي بعد انجلاء الجائحة سوف يكون حافزا آخر لارتفاع أسعار النفط. إن هذه العوامل كلها سوف تساعد على تحسين الميزانيات العامة في دول الخليج والتي تعاني من عجوزات قياسية في السنوات الأخيرة.
ـ ثالثا: الحرب الاقتصادية مع الصين. من المعروف أن ترامب قام بشن حرب اقتصادية شعواء على الصين، وكان لذلك انعكاس كبير على انخفاض التبادل التجاري بين البلدين، بل إن ذلك أثر بشكل كبير على سلاسل التوريد العالمية. وعلى الرغم من ذلك فإن استخدام سلاح فرض الرسوم الجمركية ورقة ضغط على الصين لم يكن له تأثير في تغيير سياسات الصين، بل إن العجز في الميزان التجاري استمر بالارتفاع المطرد لصالح الصين، وبالعكس كان الضرر واضحا على الشركات الأميركية نفسها. من المحتمل أن يكون بايدن أكثر براجماتية في هذا الموضوع، وأن يقوم بتأجيل هذه المواجهة الاقتصادية مع الصين، خصوصا في هذه المرحلة التي يحتاج فيها الاقتصاد الأميركي للانتعاش بعد انجلاء الجائحة ليستطيع الوقوف على أرض صلبة في أي مواجهة محتملة مع الصين في مراحل لاحقة. إن انخفاض وتيرة المواجهة الاقتصادية بين أميركا والصين سوف تكون له آثار إيجابية على الاقتصاد العالمي بما فيها الاقتصاد في منطقة الخليج العربي؛ لأن تأجيل هذه المواجهة سوف يساعد على مزيد من الانتعاش الاقتصادي، وزيادة الطلب على النفط، وسيؤدي أيضا إلى زيادة التبادل التجاري بين دول العالم.
إن السنوات الأربع القادمة لرئاسة بايدن ربما تكون الفرصة السانحة لدول الخليج لمراجعة سياساتها الاقتصادية، وتوجيه إنفاقها بالاتجاه الصحيح، وذلك لبناء اقتصاد قوي قائم على المعرفة والتقنية الحديثة من أجل التقليل من الاعتماد على النفط مصدرا رئيسيا للدخل؛ لأن النفط أصبح يواجه تحديات كبيرة على المدى البعيد.

كاتب عماني

إلى الأعلى