Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

التسامح وقبول الآخر .. أعظم إنجازات النهضة العمانية

محمد عبد الصادق

ما زلنا في رحاب الاحتفال بالعيد الخمسين المجيد للنهضة العمانية، ربما تم تسليط الضوء في هذه المناسبة الوطنية العزيزة على إنجازات النهضة المادية في مجالات التشييد والبناء والبنية الأساسية والتنمية الاقتصادية والبشرية، وهي إنجازات قيمة بلا شك وتصل إلى حد المعجزة من حيث ضخامة المشروعات التي تم إنجازها خلال فترة وجيزة، ولكن مهما حققنا من تقدم ونجاحات، هناك قطعا من ينافسنا وربما يتفوق علينا في هذه المجالات المادية.
ولكن ـ في رأيي ـ أن أعظم إنجازات النهضة العمانية التي لم تستطع دولة أخرى في المنطقة أو العالم مجاراة السلطنة فيها أو منافستها، هو نجاح السلطنة في ترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر بين أفراد المجتمع العماني، وهو ما أتى ثماره المتمثلة في خلو أرض السلطنة من آفة الإرهاب، وتحقيقها صفرا “زيرو” في مؤشر العمليات الإرهابية، باعتراف المؤسسات الدولية وشهادات وتقارير أممية.
وهو الإنجاز الذي تفردت به السلطنة وسط عالم يموج بالاضطرابات وعدم الاستقرار، نتيجة انتشار التعصب بكافة أنواعه، وهو الفتيل الذي يشعل الفتن، ويحدث الشروخ المجتمعية، ويحول الدول إلى تربة خصبة للتطرف والإرهاب.
أصبحت السلطنة في عصر النهضة المباركة مثالا حيا للتسامح والتعايش وقبول الآخر، ففي عُمان حرية الاعتقاد مكفولة للجميع، بل إن السلطنة كانت من أوائل الدول التي سمحت للجاليات غير المسلمة بإقامة دور العبادة الخاصة بها، وأتاحت لها الحرية في إقامة شعائرها الدينية بكل أريحية وأمان ربما يفوق القدر السائد في دولهم الأصلية، ما داموا يلتزمون بالقوانين واللوائح المنظمة.
حدث هذا منذ بواكير عصر النهضة، دون ضغوط دولية أو إملاءات خارجية، فوقتها لم يكن العالم عرف بعد الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، ولا سمع عن قوانين حرية الأديان وحماية الأقليات، فمعظم هذه القوانين الدولية ظهرت في مطلع الألفية الجديدة.
كان وراء تحقيق هذا الإنجاز إرادة سياسية من لدن المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ الذي كان يمتلك رؤية وبصيرة وقدرة على استشراف المستقبل سابقة لعصرها، فوضع قوانين ملزمة تنظم الممارسات والعلاقات بين أفراد المجتمع، وتكفل الحقوق والواجبات بميزان حساس، وتضمن قيم المواطنة والانتماء للوطن، بتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع في ظل دولة عصرية حديثة، تقوم على احترام مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
آفة بعض المجتمعات هي شعور بعض أفرادها أنهم أفضل وأرقى من الآخرين، وأنهم وحدهم هم المتدينون الحقيقيون الذين يمارسون صحيح الدين، وأنهم وحدهم من يملكون مفاتيح الجنة، وأن من يخالفهم في الاعتقاد الديني خارج عن الملة ومحروم من دخول الجنة، وينتهي الأمر بهؤلاء إلى تكفير المختلفين معهم، رافضين احترام معتقدات الآخرين واختلاف ثقافاتهم، مستندين في تشددهم إلى آراء فقهية منغلقة، أسيرة لنصوص وتفاسير جامدة وردت ببعض الكتب الصفراء، تتنافى مع العقل والمنطق، وتتعارض مع ما جاء بالقرآن الكريم وصحيح السنة.
والأمثلة كثيرة على شذوذ ما جاء في بعض كتب الفقه من آراء، فبينما يُعرف القرآن الكريم الزواج بأنه سكن ومودة ورحمة، حيث قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، نجد تعريف الزواج الوارد في أحد كتب الفقه: “الزواج: هو امتلاك بضع المرأة”.
ونفس الشيء نجده لدى بعض المتعصبين دينيا، الذين يرفضون وجود غير المسلمين في بلادهم ويعترضون على بناء دور العبادة الخاصة بهم، سواء كانت لأصحاب الديانات السماوية أو الملل الأخرى، بحجة وجود نصوص تحرم ذلك، بينما نجد الإسلام اعترف بجميع الأنبياء والرسالات السماوية وحثنا على احترام الإنسان دون النظر لدينه أو عرقه أو منزلته الاجتماعية، فيقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). كما يقول: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، كما ورد في محكم التنزيل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..).


تاريخ النشر: 30 نوفمبر,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/406836

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014