الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الوقف الخيري وجائحة كورونا
الوقف الخيري وجائحة كورونا

الوقف الخيري وجائحة كورونا

نجوى عبداللطيف جناحي :
ما من عصر يمر إلا وتنزل فيه النوازل على الناس، وقد تكون هذه النوازل أو الكوارث طبيعية، مثل الفيضانات، والزلازل، والبراكين، والرياح، وقد تكون تلك الكوارث أوبئة وأمراضا تحصد الأرواح، وقد تكون كوارث من صنع يد الإنسان كالحروب. وعلى الرغم من أن هذه الكوارث سنة من سنن الحياة، إلا أنها تعد أوضاعا استثنائية تلم بالمجتمعات في فترة محددة، لذا خصتها الشريعة الإسلامية بأحكام شرعية استثنائية، وذلك استنادا لقواعد فقهية وضعها العلماء للتعامل مع الأوضاع، ونقصد بالأوضاع الاستثنائية أو النوازل هي الحوادث والكوارث والتي توقع الضرر على الضروريات الخمس التي أوجبت مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ عليها وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال. وتعد جائحة كورونا من النوازل التي أهلكت النفس والمال، لذا وجب التصدي لها كإحدى النوازل التي ألمَّت بالأمة. وقد وضع الفقهاء قاعدة شرعية يستعان بتطبيقها في مثل هذه الأوضاع الاستثنائية، وهي: (الضرر يُزال) ويتفرع منها أربعة فروع نذكر منها: الضرر يدفع قدر الإمكان، والفرع الثاني هو درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبالتالي فإن تلك القواعد يمكن أن تطبق على القضايا والأحوال في المجتمعات في فترة اجتياح فيروس (كورونا) للعالم الذي حصد الأرواح، والأموال.
ومن المعروف أن أموال الأوقاف هي مخزون لحماية المجتمع والحفاظ على احتياجاته، إذ يستعان به في الحفاظ على الدين، والنفس والعقل، والعرض، والمال. وقد استوقفتني دراسة فقهية نشرت في مجلة كلية الشريعة بجامعة الكويت في مايو 2020 والتي عرضت في مؤتمر جائحة كورونا. والدراسة بعنوان (نوازل الوقف المتعلقة بجائحة كورونا المستجد، دراسة فقهية تطبيقية) للدكتورة مريم بنت عبد الرحمن الأحمد عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة الكويت، حيث أكدت الدراسة عدة جوانب يجب مراعاتها من قبل المؤسسات القائمة على رعاية الوقف في مرحلة انتشار هذا الفيروس نذكر منها: البُعد عن البيروقراطية في إدارة الأوقاف في مثل هذه الأزمات، والتي تضيع وتضر بمصلحة الناس أو تفوت بعض المنافع لهم، كما أوصت بتوجيه أموال الأوقاف عند النوازل لمواجهة الأزمات تحقيقا لمقاصد الشريعة الإسلامية، ومن هنا يجب أن يكون للوقف دور بارز للتصدي لمواجهة جائحة كورونا لتحقيق التكافل الاجتماعي من خلال تفريج الكربات وسد احتياجات الدولة، واعتبرت انتشار فيروس كورونا من النوازل والضروريات التي تجيز معها تغيير شرط الواقف، مع مراعاة أن الضرورة تقدر بقدرها، بشرط العودة إلى شرط الواقف بعد انتهاء هذه الجائحة).
وفي تقديري أن الدكتورة مريم عبدالرحمن الأحمد قد قدمت دراسة تطبيقية موفقة في الكثير من مقارباتها وقد لامست احتياجات المجتمع، وواقع الحياة المعيشية بشكل كبير في فترة انتشار فيروس (كورونا)، وفي الوقت نفسه راعت مصلحة الوقف، لا سيما في مدى الاستفادة من فائض أموال الأوقاف لحماية أرواح الناس والحفاظ على اقتصاد الدولة. وأرى أنه يمكن الاستفادة بشكل مباشر من ريع استثمار الأموال الموقوفة على الرعاية الاجتماعية، ورعاية الأسر، سواء بتقديم العون لعلاج مرضى فيروس (كورونا)، أو توفير الطعام أو الملبس أو توفير السكن بدفع إيجار المسكن أو غيرها، وتشكل هذه الاحتياجات أهم الاحتياجات التي ظهرت في المجتمعات في مرحلة جائحة (كوررونا)، لذا يمكن للجهات الصحية طرح فرص العلاج للمصابين بهذا الفيروس في المستشفيات الخاصة، ويدفع ثمن العلاج للمرضى من أموال الأوقاف التي أوقفت على رعاية المرضى مثل صناديق الشفاء، وهذا يشكل دعما للمرضى ويشكل في الوقت نفسه دعما للمستشفيات الخاصة. كما أن هناك الكثير من الأسر التي قد تضررت نتيجة فصل مُعيل الأسرة من العمل من قبل الشركات والمؤسسات التي وقع عليها الضرر كتبعات لجائحة هذا الفيروس، وهنا يمكن الاستفادة من ريع استثمار الأموال الموقوفة على الرعاية الاجتماعية ومساعدة المحتاجين في دعم تلك الأسر، بتوفير قيمة المأكل أو الملبس أو دفع إيجار السكن وما يلزم من فواتير كهرباء أو ماء وغيرها، أو دفع رسوم الدراسة لأبناء هذه الأسر أو كلفة التعليم عن بُعد كتوفير أجهزة الحاسوب، ويمكن أن يكون هذا الدعم من باب الوقف على التعليم أو الوقف على الأسر المحتاجة، كما يمكن الاستفادة من الأموال الموقوفة على مساعدة وسداد دين الغارمين، وكذلك من أموال الزكاة لدعم أصحاب المشاريع والمؤسسات والشركات التي أفلست وأرهقتها الديون في فترة انتشار هذا المرض. وبذلك يستفاد من أموال الوقف في سد احتياجات الناس في مثل هذه النازلة من أموال الأوقاف التي خصصت لنفس الغرض، كما يحقق هذا الدعم انتعاشا لاقتصاد الدولة، وفي الوقت نفسه أرى ضرورة الالتزام ببعض شروط الواقفين، ولعل أبرزها أن توقف أموالهم على أهل البلد. وأخيرا فإن دراسة الدكتورة مريم الأحمد تعد من الدراسات ذات الأهمية العملية التطبيقية التي يمكن الاستفادة من توصياتها ونتائجها في العديد من الظروف المماثلة، كما أتمنى من المؤسسات القائمة على رعاية الوقف الاستفادة من توصيات هذه الدراسة وتطبيقها بشكل مباشر. وختاما نسأل الله أن يبارك في جهود الدكتورة مريم الأحمد، ويجزيها خير الجزاء، وينفع بعلمها الأمة… ودمتم أبناء قومي سالمين.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري
najanahi@gmail.com @Najwa.janahi

إلى الأعلى