Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق: الوظيفة العامة وصناعة المواطنة

د. رجب بن علي العويسي

يقرأ المتتبع لخطابات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وما تحمله من أجل بناء عُمان المستقبل وتحقيق رؤيتها الطموحة “عمان 2040″، في دلالاتها عمق الترابط والتناغم الحاصل بين المسؤوليات الوظيفية وبناء المواطن القادر على إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والتكيف معه والتأقلم مع معطياته مستفيدا من الإرث الحضاري والذاكرة العمانية المتجددة بما احتوته في عقودها الخمسة الزاهرة من نموذج وطني متفرد في مختلف المجالات وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي، وما يؤسسه ذلك من تكاملية بين مفهوم الوظيفة كمسؤولية، ومسار المسؤولية كاستراتيجيات حياة يمتلكها المواطن ويستشعرها في التزامه وإدارة قضاياه وأداء واجباته ومسؤولياته، وإثبات بصمة حضور له في مجتمعه، وإسهامه ومشاركته الفاعلة في رسم استحقاقات المستقبل، الأمر الذي ينعكس إيجابا على حياة المواطن واستقراره المعيشي كمحصلة نهائية لقدرة الدولة على تحقيق التوازن المالي وتعزيز التنويع الاقتصادي، واستدامة الاقتصاد الوطني.
وبالتالي يؤسس البناء الهيكلي والوظيفي وترسيخ دولة المؤسسات والقانون والانتصار لمنظومة المحاسبة والنزاهة، وبناء المعايير وتأصيل فقه المؤشرات لقراءة فارق الأداء، وتحديد بوصلة التوجه لمفهوم أعمق للوظيفة العامة في كونها مساحة اختبار تجريبي للمواطن وتدريب للذات وصقل للتجربة وبناء للخبرة، وإعداد المواطن لتحمل مسؤوليته نحو الوطن والمواطنين وموقع المواطن في قاموس عمله، بما يعزز من هرمون الالتزام بالمسؤوليات الوظيفية لديه والقيمة التي تحملها من أجل عُمان في إطار مسؤوليته نحو الحفاظ على المنجز وحسن استخدامه، وتثمير الاستفادة منه بشكل يحفظ له استدامته وقوته وكفاءته للأجيال القادمة، وهو في الوقت ذاته تجريد للنفس من كل الأنانيات، وتعويدها على العطاء والإنجاز وتحمل المسؤولية والقدرة على الثبات في المواقف والتعاطي الواعي مع المتغيرات والظروف بوعي ومسؤولية، وتجسيد عملي للمسؤوليات الوظيفية باعتبارها خيوطا متصلة وسلوكا يحرك في وجدان المواطن وفكره وجوارحه وخيالاته، روح متجددة تقرأ في تفاصيل الوظيفة وأحكامها وقواعدها وواجباتها ومحظوراتها ومهامها واختصاصاتها وأخلاقياتها خيوط اتصال في حبه للوطن وارتباطه بمكوناته والإخلاص في العمل واحترام هذه المسؤوليات والوفاء بالتزاماته نحوها؛ لذلك جاءت الرؤية السامية في إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة منطلقا لتجسيد هذه العلاقة بين الوظيفة والمواطنة، فكان الالتزام بما تقره الوظيفة من مبادئ وموجهات؛ منطلق لبناء الوطن والمحافظة على وحدته، وترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة والإخلاص. على أن صدور الهيكل الجديد للجهاز الإداري للدولة وجملة المراسيم السلطانية كإحدى خطوات تحقيق رؤية عمان 2040، منطلق لترسيخ مفهوم أعمق لدور الوظيفة في إنتاج المواطنة ومسؤولية الجهاز الإداري للدولة في تأطير فقه المواطنة في السلوك الوظيفي ونقله إلى كل مواقع العمل والمسؤولية، وتجسيده في المواقف اليومية للمواطن العماني وتعاطيه مع أولويات وطنه، والأمانة التاريخية والأخلاقية والقيمية والإنسانية والوطنية التي يحملها نحو وطنه والمواطنين وهو يمارس مسؤوليته الوظيفية ومهام عمله.
ولما كان مفهوم الوظيفة العامة بما تمثله من مجموعة الواجبات والمسؤوليات التي تحددها السلطة المختصة وتتطلب فيمن يقوم بها مؤهلات واشتراطات معينة، وماهية المواطنة التي هي تعبير عن جملة الحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومنظومة القيم والأخلاقيات والمبادئ التي يؤمن بها الفرد حول وطنه، والخصوصية التي يطبعها على مواطنته المتجسدة في الانتماء النابع من حبه له، وخدمته إياه، والولاء لسلطانه، واحترام حقوق المواطنين الآخرين وغيرهم ممن يعيشون معه على أرض الوطن، ويعبر عن تميزه في منافسته بالالتزام بكل ما يعزز ارتباطه به؛ فإن مؤطرات هذا التكامل والاندماج نابعة من قدسية الرسالة التي تحملانها، وسمو الغايات التي تستهدفانها، وتعدد مشتركات القيم والمبادئ التي تعملان في ظلالهما، وقوة حضور الموظف/ المواطن، كونه الحلقة الأقوى في رسم معالمهما وتحديد بوصلة اتجاههما في نفسه ونحو الآخر؛ لتصبح الوظيفة العامة بذلك ممارسة أصيلة للمواطنة وترجمة فعلية لأدواتها، وتشكل المواطنة بدورها السياج القيمي والأخلاقي الذي تعمل في إطاره الوظيفية ويحفظ لها قوتها ويحافظ على خط سيرها ونجاحها، وسقف التوقعات منها، وتأصيل المعايير وقواعد السلوك كنتاج يظهر على إنتاجية الموظف والتزامه معايير الوظيفة الأخلاقية والتنظيمية والمهنية، والمبادئ المعززة للسلوك الوظيفي القائمة على إدارة الوقت واحترام المسؤولية والتعلم الذاتي والاجتهاد والأمانة والمصداقية والحيادية والإنصاف، والالتزام بالقوانين والأنظمة ولوائح العمل، والمحاسبة والنزاهة والاستقلالية، والمحافظة على أخلاقيات الوظيفة والسرية والأمانة فيها، وحسن إدارة الموارد الواقعة تحت مظلة هذه الوظيفة وصونها، ومنع كل ما يؤدي إلى تنازع الاختصاصات وتضارب المصالح أو سوء استغلال الوظيفة والتجرد من كل معطلات تحقيق العدالة أو مسببات التأخير في إنجاز مصالح المواطنين؛ فإن كفاءة هذه العلاقة وفاعليتها، يرتبط بجملة من الموجهات التي تشكل جسور تواصل ومحطات عمل مشتركة، تقوم على: استثمار الموارد وتثمير الأدوات، وترقية الفكر واستيعاب المعطيات وخدمة المجتمع، وتقييم السلوك، وتأصيل الرقابة، وتصحيح الانحرافات والاختلالات في التعاطي مع محددات الوظيفة، فهي تحمل في فقهها وفلسفة عملها؛ الخيرية والإنتاجية، والقوة والمعيارية، والمصداقية والنزاهة، وتوظيف الفرص وإعادة هندسة الذات، وتعظيم قيمه الابتكار والموهبة والمبادرة.
عليه، فإن العلاقة المسؤولة بين الوظيفة والمواطنة تشكل مرحلة متقدمة في بناء الأوطان وسعادة الإنسان ونهضة المجتمع، إذ كلاهما وجهان لعملة واحدة وهي الوطن، وتصبح الوظيفة العامة في ظل هذا المعنى اندماج للذات المخلصة المؤتمنة على حقوق المواطنين ورعاية مصالحهم في روح الوطن، فتؤطر فيه أبجدياته وقيمه وأخلاقياته، بما تغرسه في الموظف من مسؤولية، وتؤسسه فيه من قيم الإخلاص والأمانة والمصداقية والمهنية والالتزام والحس المهني، وعندما يؤمن الموظف بأن الوظيفة تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا نزهة استجمام، وأمانة لا مفخرة ومساحة يجسد فيها المواطن حب وطنه وأبناء وطنه فيخدمهم بمصداقية وأمانة ويقضي حوائجهم ويلبي مطالبهم بروح القانون، عندها تندمج بفطرتها مع حس المواطنة، وتغرس في الفرد حب الوطن لما تقدمه الوظيفة له من أمن وأمان واستقرار، واستشعار بما وفره له الوطن من فرص، وأوجده له من مساحات لإثبات حضوره، فالقاسم المشترك بينهما مبنيٌّ على ما تؤسسه المواطنة من عقيدة وفكر ومنهج عمل وممارسة في ذات المواطن الموظف من بصيرة ووعي وحس ذاتي ومسؤولية نابعة من ضميره، وفق منهجيات واضحة وأسس صحيحة وضوابط معلومة، وتثمير الحقوق والواجبات والمسؤوليات، لتصبح هذه المسارات محطات إنجاز واقعية، ومسارات عمل مقننة، واستراتيجيات أداء تمشي على الأرض في سلوك الموظف؛ فيتقن أدواتها، ويضبط خياراتها، وينتقي البدائل الداعمة لها؛ فيطورها ويخلص فيها، ويصقل مهاراته وقدراته واستعداداته، ويلتزم بواجباتها، وتصبح الوظيفة العامة بذلك بيئة مصغرة لمنظومة الوطن الواسع، وتعبيرا أصيلا عن حبه وإخلاصه له وشعوره بمسؤولياته نحوه، وسعيه المتواصل لأن يجده في نفسه، ويستحضر مبادئه في ذاته، ويحترم وجهات النظر بشأنه؛ فالوظيفة في قاموس تفكيره تكليف ومسؤولية يقوم بها خدمة للناس، وارتباط بهم، واستشعار بأهميتها في زيادة أرصدة الوعي لديهم، وتوفير سبل السعادة والعيش الكريم لهم، فيوظف مهاراته واستعداداته، لأنه يشعر بأنها ملك للوطن وحق مكتسب له، ومدخل لبناء المواطنة الوظيفية؛ وتبقى قدرة الموظف على تلمس هذه اللطائف في أثناء قيامه بمهامه الوظيفية أو استحضار محطاتها في واقعه اليومي، مرهونة بما يقدمه من إنجاز وخدمات تتسم بالجودة والكفاءة والسرعة والدقة، محافظا على سقف توقعات المجتمع بشأنها، وتوفير الممكنات الفكرية والنفسية والمهارية والأدائية والإثرائية والتطويرية، في صقل خبراته ومواهبه وقدراته واستعداداته، التي تعود على مؤسسته ووطنه بالخير، فيضبط سلوكه الوظيفي بضابط الوطن، ويدرك القوانين التي تحكم وظيفته فيقف منها موقف المسؤول منها، المطبق لجوهرها، والمحافظ على هيبتها، فيسعى لمقاصدها ويحفظ أهدافها، ويطور من أدواتها وطريقة ممارستها.
من هنا، فإن دور الوظيفة في إنتاج المواطنة تأكيد على القوة الخفية التي تصنعها في حياة المجتمعات وتؤطرها في ثقافة الشعوب، فإن ما ينبغي التأكيد عليه، ويجب على كل موظف أن يضعه نصب عينيه، هو أن الوظيفة ليست غاية في ذاتها؛ بل وسيلة لإثبات الجدارة وصدق الأمانة في المساحة التي يمنحها الموظف لوطنه، كما أنها ليست العلاقة الوحيدة التي تربط المواطن بالدولة، وأن انتفاء الوظيفة لا يعني انتفاء المواطنة، أو استباحة حقوقها والانسحاب من استحقاقاتها، أو مدخلا للتهرب من الالتزامات، بل تأكيد على أن الوظيفة هي كل مسؤولية تصنع في الموظف التزاما يؤسسه على بصيرة من الأمر، ونهجا من الخُلُق، وقوة في الإرادة، وسموا في العمل، لذلك فهي مسار آخر في العمل من أجل الوطن، واستشعار حدوده وقواعده، ومنطلق ليخدم فيه المواطن وطنه بطريقة أكثر مهنية وبشكل أكثر مصداقية مع تعدد المنصات والمحطات والمواقف التي يستطيع المواطن أن يبرز فيها مكانة الوطن وموقعه في كيانه، فإن توجيه الوظيفة لصالح إنتاج القوة في المجتمع يتأكد في ما يمنحه الموظف للوظيفة من وقت وجهد وشعور ذاتي وموقع لها في قلبه وتفكيره، وما يحيطها به من عناية واهتمام والتزام، وما يسكبه على وظيفته من ماء الحياء فيمتنع عن كل ما يؤدي إلى الاختلاس أو الرشوة أو تأخير إنجاز المعاملة بدوافع شخصية، وما يؤسسه فيها من نزاهة ومصداقية وإخلاص ومهنية وأمانة؛ فيدفع بها إلى الأفضل، ويستشعر فيها مفهوم الرسالة التي يخدم بها مجتمعه.
ومع كل ما ذكرنا، فإن تجسيد ذل في الحياة المهنية والمجتمع الوظيفي مرهون بالنماذج المضيئة التي يصنعها الموظف في مسيرته المهنية وسلوكه الوظيفي، واحترامه للمسؤوليات في صياغة نموذج عملي يجسد أولويات الوطن ومبادئه الداعية للنزاهة والمحاسبة والمساءلة والإتقان، والالتزام الوظيفي، والمحافظة على أخلاقيات الوظيفة، والوفاء بما تحمله من تعهدات والتزامات نحو الوطن والمواطنين وتيسير الإجراءات وحفظ الحقوق وتحفيز الكفاءة، وترسيخ معايير الإنتاجية وتوظيف التقنية، كل بحسب مهامه وفي ظل اختصاصات الوظيفة القائم على شؤونها، وهو الأمر الذي جاء الخطاب السامي مؤكدا عليه باعتباره الطريق السليم لقدرة المجتمع في تخطي أزماته وتحدياته من جهة، وصناعة سلوك مجتمعي يستنهض في أبنائه همم الإنجاز والعطاء وشغف المبادرة والتطوع وروح الإخلاص والمسؤولية، كما يستنهض فيهم قيم التعاون والإخلاص والأمانة والزاهة ومحاسبة النفس، وبالتالي أن يصنع الموظف في التزامه وحضوره وثقافته وأسلوبه ورقي تعامله مع المراجعين وحسن ردوده على مطالبهم ومقترحاتهم لتحسين العمل، وروح البشاشة التي لا تفارق محياه في تقديم الخدمة للمواطن، وحرصه على متابعة المعاملات التي ينجزها بحس مسؤول ورغبة أكيدة في الإنجاز، وقواعد السلوك القيمي والأخلاقي التي يحملها، والتفاصيل اليومية التي يعيشها الموظف في حياته المهنية والوظيفية، تؤسس في الموظف فقه المواطنة المنتجة التي تتجاوز الشكليات وتتجه للعمق، وتؤسس لمرحلة متقدمة من الوعي المجتمعي، والوقوف مع المؤسسات في ما تتخذه من إجراءات أو تتجه إليه من خطط ومسارات، وتهيئ المواطن للتكيف مع الظروف الاقتصادية التي يواجهها الوطن ليصبح المواطن شريكا استراتيجيا في امتلاك أدوات المعالجة وبدائل الحل وتوظيف مواقف الحياة في رسم ملامح مضيئة تنعكس على حياته وقراراته وحواراته ونمط حديثه مع الأسرة، والمبادئ التي يغرسها في أبنائه والأفكار التي يتداولها في محيط عمله، والرؤية التي يرسمها حول جهود الحكومة وعمل المؤسسات.
أخيرا، يبقى أن نشير إلى أن من يربط المواطنة بمنصب يفخر به، ووظيفة يشغلها أو مركز اجتماعي يعيشه، أو امتيازات مالية يحصل عليها، فهو واهم يفتقر لأبجديات المواطنة، وتصبح مواطنته مجرد جواز سفر موثق ليس له علاقة بأرض الواقع، وولاؤه لوطنه وانتماؤه له بمثابة مرحلة عبور وقتية لغرض الحصول على امتيازات معينة أو فرص وظيفية مناسبة، فيقيس مواطنته بمقياس الربح والخسارة وحجم ما تحقق له من مصالح شخصية أو ما حصل عليه من هبات وامتيازات ومكافآت، وما ظهور بعض الممارسات غير المسؤولة في المؤسسات كالرشوة والاختلاس وعدم المهنية في العمل والتحايل على القانون، والسرقات للمال العام والاعتداء عليه، واتساع حالة التذمر، وزيادة مستويات الهدر، وفاقد العمليات المتكررة، وضعف مستوى الحافز والهمة والدافعية والتجديد والافتقار لمستويات المرونة والمصداقية وضعف الالتزام، واتساع مساحة حضور البيروقراطية والازدواجية والترهل الوظيفي وحالة الانسحاب من المسؤوليات وغيرها من الممارسات التي جاءت رؤية عمان المستقبل للحد منها، وإضعاف مسببات حضورها أو انتشارها في المجتمع الوظيفي؛ إلا نتيجة حتمية للممارسة الضيقة للوظيفة والنظرة التشاؤمية لها، والتحجيم السطحي لمهامها، وإبقائها في حيز السلطة والأنانية والفوقية، مما أدت إلى اختلالات في مسار العمل، وابتعاد عن نهج الحكمة، وركون إلى الأنا والذاتية والمحسوبية، وانحسار في مسار الفهم والوعي، وسلب الوظيفة ـ الرسالة والمسؤولية والالتزام ـ حق البقاء في ذات المواطن، أو فرص نهوضها في عقله وفكره وأمانته وإخلاصه وضميره، وإعادة إنتاجها بعيدا عن كل الشخوص التي تسيء إلى الوطن، وتقتل مقومات النجاح والتميز والإبهار فيه، وتُذهب صحوة الشعور به في القلب.


تاريخ النشر: 1 ديسمبر,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/407005

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014