الأربعاء 27 يناير 2021 م - ١٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نبض المجتمع: التواصل بردات الفعل
نبض المجتمع: التواصل بردات الفعل

نبض المجتمع: التواصل بردات الفعل

د. خصيب بن عبدالله القريني:
يبدو أن دراستنا للنظرية المعروفة (لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه) قد انعكست على ممارساتنا الاجتماعية بصورة متقنة، قلما نجد نظيرا لها في بقية النظريات، رغم ابتعاد هذا المبدأ نظريا عن المنظور المجتمعي على الأقل من زاوية بناء العلاقات وتكوين الصداقات، لكن تكرار أننا لم نستفد من دراستنا للنظريات في حياتنا ربما أسهم بطريقة أو بأخرى في تعميق هذا المبدأ.
إنني من خلال ما سبق، أريد أن أصل مع القارئ إلى نقطة أساسية طبعت أسلوب حياتنا، وهي ما يسمى التواصل بردات الفعل، وقد يكون مصطلحا جديدا ابتدعه كاتب المقال عند تعاطيه مع الكثير من الإشكاليات التي يواجهها الناس في بعض المجتمعات؛ ذلك أنك لن تحظى برسالة نصية تهنئك على عمل أنجزته، أو شفائك من حالة مرضية عارضة مثلا إلا إذا كنت قد أرسلت لهم شخصيا بأنك قد أنجزت تلك المهمة التي تستحق التهنئة عليها، أو أنك تئن في المستشفى من ألم معين مثلا، مع العلم أنهم في كلا المثالين على علم بهما من أقربائك أو أصدقائك، أو حتى حالتك على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن كل ذلك لا يغفر لك أو لا يمكن أن يسمح لهم بتهنئتك إذا لم تبادر بإعلامهم بنفسك، ومن هنا كان لا بد للفعل من ردة فعل كما هو في النظرية السابقة، وهي طريقة تعمقت لدى كثير من شرائح المجتمع تستدعي نوعا من (الاستجداء العاطفي) ـ إذا ما جاز لي التعبير ـ تمارسه مع الناس لكي تطلب ردات أفعالهم، وهنا ظهرت ممارسات جديدة هي أبعد ما تكون عن مسألة صنع نوع من التواصل المجتمعي بين الناس.
وهذا الأمر في اعتقادي له بواعث تاريخية وإرث متأصل، فأتذكر أن من يريد أن يسافر قديما لأداء شعيرة الحج أو العمرة يقوم بزيارة وتوديع الناس في قريته قبل ذهابه، وبالتالي يلتزم كل من قام بزيارته والمسامحة منه برد الزيارة، أما أولئك الذين لم يزرهم قبل سفره فلا يجدوا مبررا في رد الزيارة إلا من تسامت أخلاقهم فوق مستوى الحقد والحسد المجتمعي، ويبدو أننا ورثنا هذه العادة بكل تفاصيلها مع تغير النسق العام في عملية التواصل.
وربما الحديث عن هذا الخلل في مجال التواصل المجتمعي يجرنا إلى ما هو أبعد أيضا من مجرد وجود ردة فعل للفعل ذاته، حيث بات الأمر أكثر خطورة عند البعض، ذلك أن هذه النظرية أصبحت تحتاج إلى تغيير في جانبها الاجتماعي، حيث إن الفعل أصبح لا يجد ردة فعل، فقد انتقلنا إلى مرحلة متقدمة في عملية التواصل المجتمعي، فقد تمارس تواصلا إلكترونيا مثلا عبر إحدى منصات التواصل المجتمعي لشخص معين، ويقوم بمشاهدة حالة الفعل التي أرسلتها ولكنه لا يحرك ساكنا، وقد تقوم بدعوته لمناسبة معينة، ولكنه هنا رغم الفعل الذي أبديته قد لا يمارس رد الفعل المساوي في المقدار والمعاكس في الاتجاه لفعلك.
إن كل ذلك لا يمكن أن يقال إنه منحصر في فئة معينة أو مجتمع ضيق، بل هو شائع بصورة كبيرة من وجهة نظري، فهو أحد افرازات الجوانب الحياتية الأخرى والتي لعلَّها الجانب الاقتصادي الذي يؤثر بصورة مباشرة على الحياة المجتمعية، حيث إنه كلما زادت المستويات المعيشية قلَّت الروابط المجتمعية نتيجة لقلة حاجة الناس لبعضها في عملية التواصل، وأقصد هنا بالتواصل المرتبط بالحميمة المجتمعية وليس التواصل القائم على المصالح الشخصية، فذلك موضوع آخر.
إن قدرتنا على تجاوز معضلة التواصل المجتمعي دون الحاجة إلى فعل هو أحد الجوانب الحضارية التي يجب أن نتسم بها؛ لكي نؤكد أن بناء أي حضارة هو بناء لأخلاق الإنسان قبل بناء المشاريع الإسمنتية التي تزول مع عوامل الطبيعة، ولكن الأخلاق لا يمكن أن تتزعزع مهما كانت الظروف.

إلى الأعلى