Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الدبلوماسية ولغة الجسد (1)

سعدون بن حسين الحمداني

سعدون بن حسين الحمداني:
قال تعالى في محكم كتابه:(يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ) (البقرة ـ 273)، لقد تطرق القرآن الكريم إلى لغة الجسد منذ آلاف السنين، ونزلت عدة آيات توضح أهمية ودلالة أعضاء الجسد الواحد بكل دقة في حياتنا اليومية.
في مقال اليوم سوف نركز فقط على لغة الجسد وأهميتها في الحياة اليومية الرسمية منها أو الشخصية، وسوف أتطرق في المقالات القادمة إلى تأثير أعضاء الجسد (العينين والحاجبين، اليدين، الأصابع، عضلات الوجه، الأرداف أو الكتف، الشفاه) والتي تعكس أجوبة لكثير من الأسئلة والاستفسارات وتكون هي المحور الرئيسي بالإجابة بدون التلفظ بحرف واحد.
من أهم سمات القائد والدبلوماسي والإنسان الناجح في موقع عمله هو لغة الجسد أو لغة الحركة التي تعكس الصفات غير الإرادية والنفس الداخلية وما تحمله من مشاعر وأحاسيس وردود أفعال؛ إيجابية كانت أم سلبية.
إن المدارس الدبلوماسية على مختلف أنواعها، وخصوصا الغربية منها، تركز كثيرا على لغة الجسد وتعتبرها الجزء الرئيسي والحيوي من شخصية إعداد القادة وكبار الشخصيات والدبلوماسي بصورة خاصة، ويمثل بأهمية الماء بالنسبة إلى الزرع أو الشجر؛ لأن أي شكل من أشكال ردود الفعل للعينين والوجه يعتبر هو عاكس الجواب والموقف الذي ينتظره الطرف الثاني، لذلك تُنظَّم الحلقات العملية للدبلوماسيين للسيطرة على انفعالاتهم دون التأثر بالموقف الذي يتعرضون له، مستندين إلى هدوء الأعصاب والسكون وإن كان هناك استفزاز من الطرف الآخر.
تركز المدارس الغربية، وخصوصا البريطانية، على إقامة حلقات عملية مركزة بموضوع لغة الجسد، وخصوصا لفئات القادة وكبار الشخصيات والدبلوماسيين المختصين بقواعد المراسم؛ لكونها تمثل شخصية الإنسان بذاته مثل حركة اليدين والأصابع ولباقة الكلام وهدوء حركة عضلات الوجه، فالجسد هو نظام لغوي راقٍ جدًّا ومعبر بنفس الوقت بإمكانه تبليغ ما لا يقدر السلوك الشفهي على تبليغه أحيانا، ولغة الجسد تعد جزءًا مهمًّا من الثقافة وفهمها يتطلب فهم الثقافة ككل.
وتعتبر لغة الجسد هوية المدارس الدبلوماسية البريطانية، وخصوصا مدارس وحلقات إعداد القادة على مختلف المستويات والأصعدة الدبلوماسية منها أو في المجالات ذات الاختصاص، وهي من أهم صفات نجاح عمل ومهمة ووظيفة الدبلوماسي، سواء بحضوره المؤتمرات الرسمية أو الأعياد الوطنية أو المفاوضات المباشرة وغير المباشرة وحتى ضمن حياته الشخصية؛ لأن لغة الجسد تعكس ثقافته وخبرته ومسيرة حياته العملية والأكاديمية، وتدخل ضمن نظريات علم النفس الاجتماعي؛ لأن الانفعالات الفردية سوف تعكسها لغة الحركة أو لغة الجسد، وقد ترافق الحركات اللفظ بوعي أو غير وعي.
إن لغة الجسد هي ترجمة للمشاعر والأحاسيس والأفعال، فالفرد حين يتعرض لمواقف عصبية ومؤثرة قد يفقد السيطرة على نفسه، وتبدأ لغة الجسد بالظهور يجسدها (البصر والوجه واليدان وخصوصا الأصابع والسبابة) والتي تبعث برسائل الانتباه والتحذير، وهذا ما نلاحظه في المشاجرة أو العشق، حيث قال الشاعر أبو نواس:
عليك وجه سيئ حاله
من ليلة بت بها صالحه
علامة العاشق في وجهه
هذا أسير الحب مكتوب
فوصف معالم الحب بالسهر والأرق الذي بدا واضحًا على الوجه، وهذا ما نلاحظه أيضا عندما يكون الدوام الرسمي بالليل فتبدو الأعراض واضحة على عضلات الوجه وانتفاخ حول العينين لنعرف بأن الشخص متعب ولم ينم ليله.
ويذهب علماء اللغة إلى أن لغة الجسد أو الحركة أو لغة الإيماءات أهم بكثير من لغة الصوت، وأصبحت لغة الجسد تزداد وضوحًاً وأهمية في المجال الدبلوماسي، وخصوصا في استقبال كبار الشخصيات والمؤتمرات والأنشطة الرسمية واللقاءات الصحفية ومؤتمراتها.
إن جسد الإنسان يحتوي على مئات، بل آلاف من العضلات والشرايين والأوردة في كل أنحائه وقسم منها معبر ويبعث عن معانٍ واضحة، مثال ذلك وإلى الآن عندما تتكلم الأم مع ابنتها بموضوع، على سبيل المثال الخطوبة، فنرى البنت من خجلها يحمر الوجه والوجنتان بدون أن تتكلم كلمة واحدة، وهذا دلالة على الأخلاق العالية والتربية الصالحة من أسرتها لها ورد الفعل يصعب أن يترجم بكلام.
ويعتبر السكون والهدوء من أهم علامات النفس الداخلية والتي لها مدلولات كبيرة؛ لأن هذا الهدوء والسكون يعطي دلالة على سعة وقوة التركيز للحدث القادم، سواء كان قريبا أم بعيد المنال؛ لذلك فإن لغة الجسد عند المرأة أكثر وضوحًا من الرجل للتفاعلات البيولوجية والكيميائية في تركيبة المرأة من حيث رد الفعل في أغلب أو كل المواضيع التي تواجهها عكس الرجل الذي قد تسقط منه بعض الأقنعة من خلال السيطرة على انفعالاته وتعبير الوجه.
لغة الجسد يجسدها الاتصال الاجتماعي، سواء الفردي منها أم الجماعي، وتعتبر كرة القدم وبعض الرياضات الأخرى من أهم أمثلة لغة الجسد التي تلعب بصورة جماعية والتي تحقق أغلب النتائج، وتبهر الجميع وتكون الأرجل والرأس فيها هي سيدة لغة الجسد.
وأخيرا، فإن لغة الجسد هي مرآة للنفس الداخلية مجردة من كل الأقنعة التي قد نحاول أن نختبئ وراءها، وسوف أتناول في المقالات القادمة المعاني والدلالات لأغلب معاني الوجه والأصابع؛ أهميتها في حياتنا العملية، وكيفية التعرف على المقابل من خلال انفعالات المعكوسة في أعضاء جسده دون الاهتمام بما يقول.

دبلوماسي سابق


تاريخ النشر: 1 ديسمبر,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/407007

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014